«حمس» الجزائرية تعود إلى «حضن» النظام

لم يمنح إسلاميو الجزائر النقاش حول الانتخابات النيابية التي جرت في البلاد في الرابع من الشهر الجاري، فرصة ليستمر حتى حوّلوه إلى ملعب آخر، بتشجيع وتواطؤ مع دوائر الحكم.
لم يعد النقاش في الجزائر الآن عن الانتخابات وما مثلته من فرصة ضائعة، بل عن الحكومة ومَن يشارك فيها ومَن لا يشارك. وهذا ما سعى إليه الماسكون بزمام السلطة منذ اللحظة الأولى للاقتراع.
الفضل في هذا التحوّل يعود لحركة «حمس»، فرع «الإخوان» محليا، التي حنّت قيادتها بسرعة إلى حواشي الحكم بعد أن جرّبتها منذ النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي بحقائب وزارية محدودة عدداً وعديمة التأثير.
اتضح بسرعة أن انحياز الحركة إلى صفوف المعارضة بعد تولي الدكتور عبد الرزاق مقري رئاستها في أيار (مايو) 2013، كان مجرد قوس أُغلق عند أول اختبار. الحنين إلى حضن السلطة أقوى.
ظاهريا، تبدو «حمس» الحزب الأقوى في الجزائر خارج حزبَيْ السلطة، والأكثر شعبية وتنظيما. لكنها في حقيقة الأمر هي الحلقة الأضعف، في المعارضة كانت أو في الحكم: هشّة في المعارضة لأن فلسفتها تقوم على البقاء قريبا من دوائر النفوذ تحت داعي المشاركة، فترتب عن ذلك قيادة دائمة البحث عن المناصب والمزايا. وهشّة في دوائر الحكم لأنها عديمة التأثير وترضى بالقليل، ونظام الحكم يدرك نقاط ضعفها العديدة ويعاملها وفقا لذلك.
قبل انقضاء اليوم الخامس من إعلان نتائج الانتخابات التي أقامت عليها «حمس» الدنيا وهددت بمقاطعة البرلمان المقبل احتجاجا عليها، كان مقري يكشف أنه التقى الوزير الأول عبد المالك سلال، وأن الأخير أبلغه رغبة الرئيس بوتفليقة في مشاركة الحركة بالحكومة المقبلة.
موقف مقري، وكما ورد على لسانه، أن القرار يتخذه مجلس الشورى. ما يعني، في أدبيات وتجربة الحركة منذ 20 سنة وأكثر، أن لا مانع لديها من المشاركة على الرغم من الأصوات الرافضة التي سترتفع هنا وهناك في صفوف قيادييها.
كما يحدث في كل مرة، تشهد الحركة نقاشا داخليا حاميا وأخذاً ورداً، ثم بقدرة قادر ينتصر الاتجاه الذي تتمناه السلطة، أي المشاركة في الحكومة بلا شروط واضحة، وبلا هدف محدد وبلا مقابل أكيد.
لا شيء يمنع تكرار ذات السيناريو هذه المرة على الرغم من تهديد مقري بالاستقالة إذا صوّت المجلس الشوري لصالح المشاركة. فتيار دعاة الانقضاض على الفرص قويّ ولا يصبر على ما توفره المشاركة في الحكومة من مزايا ومصالح.
قد يفي مقري بتهديده ويستقيل، لكنه لن يغيّر بذلك شيئا، فالغلبة في نهاية المطاف ستكون لدعاة المشاركة. تلكم هي «حمس» الحقيقية. وسيُترك للرئيس البديل والمتحدثين الجدد مهمة تبرير وتفسير القرار سياسيا وأخلاقيا ووطنيا ودينيا كذلك. وسيتفوقون في التفسير والتبرير كما فعل أسلافهم خلال العقدين الماضيين.
بعودتها إلى الحكومة، ولو بمشاركة هامشية وبلا قيمة، ستساهم «حمس» في إطالة عمر منظومة حكم فاسدة وفاشلة تختنق وتفقد كل يوم جزءا من مصداقيتها ومن ثقة الناس. ستمنح بقرارها نظام حكم أخذ البلاد رهينة وعاث فيها فساداً، فرصة ليتبجح أمام العالم بانفتاحه على «المعارضة» وتقاسمه الحكم حتى مع الإسلاميين.
وستضر «حمس» نفسها وما تبقى من مصداقيتها السياسية. وستأكل من رصيد الثقة الذي راكمته منذ 2013 عندما انسحبت مما كان يسمى «التحالف الرئاسي» وانحازت إلى المعارضة.
لكنها ستضر أيضا المعارضة في البلاد، كفعل حضاري وكقيمة فكرية وسياسية. أصلا المعارضة كقيمة ضُربت في الجزائر مثلما ضُربت كل المفاهيم والقيَم الجميلة. بتصرفها هذا ستوفر «حمس» سلاحا لأحمد أويحيى وجمال ولد عباس وغيرهما مِن عتاة الحاقدين على كل مختلِفٍ مع نظام الحكم ليقولوا أن الأخير لا معارضين له، بل هم طماعون وانتهازيون يركضون وراء نصيبهم من الكعكة، ويرضون بالفتات.
ما لم تحدث معجزة، ستشارك «حمس» في حكومة بلا صلاحيات وبلا برنامج. حكومة ستُكلّف بتنفيذ وهمٍ يسمى «برنامج فخامة رئيس الجمهورية»، يتواصل منذ 1999. وستتشارك مع حزبين كانت قبل 3 أيام تتهمهما بتزوير الانتخابات وبالبلطجة وممارسة العنف السياسي والجسدي بحق منتسبيها في مكاتب الاقتراع.
سيكون نصيب «حمس» حقيبتين وزاريتين أو ثلاثا، لن تخرج عن القطاعات الهامشية مثل الصيد البحري أو الصناعات التقليدية. وككل مرة، سيخرج وزراؤها من الحكومة يوما ما مثلما دخلوها، لا يعرفون لماذا جيء بهم ولماذا استُغني عنهم. كل ما في الأمر أنهم سيلتحقون بقوافل من وزراء سابقين لا أحد يذكر حتى أسماءهم.
العائق أمام أفق سياسي إيجابي في الجزائر ليس نظام الحكم وحده وأحزابه وأذرعه الكثيرة والمتنوعة، بل «حمس» كذلك. وأضعف الإيمان أن تقدّم الأخيرة لمنتسبيها المخلصين، ولو مرة واحدة، جردة حساب تجيب على أسئلة من قبيل: لماذا دخلنا الحكومة؟ ماذا اختلف هذه المرة؟ ماذا استفدنا كحزب سياسي؟ ماذا لو امتنعنا؟.. إلخ.

٭ كاتب صحافي جزائري

«حمس» الجزائرية تعود إلى «حضن» النظام

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية