لندن ـ «القدس العربي»: اشتد أوار الحملة الإنتخابية الإيرانية وبرزت المعسكرات بشكل واضح بين المتشددين الذين يريدون الإطاحة بمرشح الإصلاحيين حسن روحاني والتيار الذي يقوده والداعي للإنفتاح على العالم وإخراج الجمهورية من عزلتها بسبب ملفها النووي.
إلا أن روحاني يواجه تلة عالية للصعود إليها بسبب الملف الإقتصادي. فهناك ملايين من الشبان الإيرانيين الذي وجدوا أنفسهم خارج إطار الوظيفة الحكومية وفي القطاع الخاص، ولهذا يكافحون للحصول على لقمة العيش ويعملون في أكثر من عمل كي يوفروا متطلبات الحياة اليومية.
ففي بلد يستمر فيه موظفو الدولة في أعمالهم حتى بعد سن التقاعد لا حظ للشباب في التوظيف الحكومي ولهذا السبب تصل نسبة البطالة إلى حوالي 30%.
فكرة غير صحيحة
وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز» إن المراقبين من الخارج يشكلون فكرة غير صحيحة عن الواقع المعاش، فالدولة لديها السيولة المالية بعدما رفعت عنها العقوبات العام الماضي في أعقاب الإتفاق النووي عام 2015 وعودة تصدير النفط بالإضافة إلى تدفق رجال الأعمال من الخارج للإستثمار في مشاريع ومغامرات تجارية.
وتوسع الدولة من مدى تأثيرها الإقليمي من خلال دعم الجماعات الشيعية في العراق وسوريا واليمن ولبنان وتوسع من مجال تأثيرها شرقاً نحو أفغانستان.
وعبّرت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن مخاوفها من التوسع الإيراني في المنطقة وعلق وزير الدفاع جيمس ماتيس قبل فترة قائلاً: «في كل مكان ترى فيه مشاكل تجد إيران».
وعلى ما يبدو فرؤية الخارج والقلق الأمريكي والإقليمي لا تهم الناخب الإيراني الذي سيدلي بصوته يوم الجمعة، فالطبقة المتوسطة تنظر للأمور بطريقة مختلفة، ويشعر أبناؤها بالإحباط والشك بعد سنوات من البطالة والتضخم التي أثرت على مستويات الحياة بالإضافة للفساد المستشري بين الطبقة الحاكمة، وبالإحباط من السياسة الإقتصادية المتحجرة والتي تجمع بين الإقتصاد شبه الإشتراكي الذي تسيطر عليه المؤسسة العسكرية ورجال الدين ومؤسسات منتخبة تديرها جماعات محافظة تتحكم في المرشحين ولها القول الفصل في شؤونه.
ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979 يسيطر المحاربون السابقون فيها على مؤسسات الدولة ويرفضون التخلي عن القيادة بمن فيهم آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية. وفي ظل هذا الوضع فلا يتوقع أن يدفع المستثمرون الخارجيون إلى نمو في الإقتصاد خاصة أنهم يوقعون على اتفاقيات تفاهم لا عقود.
ويخشى الكثيرون من قيام إدارة ترامب بمعاقبة البنوك الدولية التي تدير أعمالا مع إيران. وعموما فلا تستطيع ذلك إلا المصارف الدولية.
وكان روحاني الذي يخوض معركة ضد ستة مرشحين أهمهما إبراهيم رئيسي الذي شغل مراكز بالمؤسسة القضائية ويدير أكبر مؤسسة خيرية في البلاد ممثل التيار المتشدد الذي سيستفيد من انسحاب محمد باقر قاليباف، عمدة طهران.
وعلى خلاف 2013 التي فاز فيها روحاني بشكل حاسم فسيجد روحاني صعوبة في تأمين ولاية ثانية. فقد وصل إلى السلطة على وعود إنعاش الإقتصاد والتوصل لاتفاق نووي وتخفيف العقوبات الدولية وفتح إيران أمام الإستثمارات الخارجية.
واستطاع روحاني توقيع الإتفاق النووي إلا أن المنافع الإقتصادية منه كانت قليلة. ووجد الكثير من الإيرانيين خاصة الشباب المتخرج من الجامعات نفسه يعمل لساعات طويلة وفي أكثر من وظيفة لتوفير متطلبات الحياة.
وتشير «نيويورك تايمز» إلى حميد رضا فراجي، 34 عاما الذي تخرج في الجامعة وحلم بوظيفة منتظمة وإجازات اسبوعية لكنه لم يجد إلا العمل كتاجر لبيع العسل والزعفران المهرب. ومع أنه تجنب الشرطة أو تورط نفسه في نشاطات غير شرعية من مثل تنظيم حفلات مختلطة أو الإتجار بالكحول إلا أنه يقضي في عمله ساعات طويلة ويعمل من الساعة السادسة صباحا حتى الواحدة صباح اليوم التالي. ويتساءل عما حدث له ولجيله؟ ويعتقد أن البلاد تتأخر ولا تتقدم. ويقول إنه مع ذلك فسيصوت لروحاني «لأنه المرشح الاقل سوءاً». ويكافح فراجي من أجل توزيع بضاعته على المحلات التجارية إلا أنه ليس وحيداً في هذا فمهدي خانزاده درس المعمار ولم يجد عملاً مناسباً.
ويقول إنه يعاني أحيانا من مشاكل لتوفير مبلغ 750 دولاراً ولكن على الاقل يحصل على دخل. وأشارت الصحيفة إلى أن أصحاب الدكاكين لا يطلبون بضائع إلا بكميات قليلة ولا يدفعون مقدما.
ويقول فراجي إنه أحيانا يعطيهم «رشوة معقولة» حتى يقبلوا بضاعته من العسل والزعفران. ورغم تصنيف القانون الإيراني أي شخص يعمل ولو ساعة في اليوم موظفا إلا أن هناك 8 ملايين إيراني من دون عمل بالإضافة إلى أن نصف الإيرانيات المتعلمات لم يجدن عملا. وفي محاولة من الحكومة التغلب على مشاكل البطالة في ظروف اقتصادية وظفت 8.5 مليون شخص من بين 80 مليون إيراني. ويلوم فراجي السياسيين والأيديولوجية التي تركت حوالي 80% من الإقتصاد تحت سيطرة الدولة.
ولأنها كذلك فلا يستطيع تجار صغار مثله التنافس معها ويقول «قادتنا يريدون المال ولهذا يرفعون الأسعار» و»يريدون إنفاق المال في سوريا واليمن والعراق لحماية الأيديولوجيا ونحن من يمول».
هل تغيرت
وتعلق الصحيفة أن الأيديولوجية هي مزيج من الشعارات المعادية للغرب والإشتراكية والتفسير المتشدد للإسلام.
ويقول «توقفوا عن القول: الموت لأمريكا. صالحوا العالم والمستثمرين الإجانب وعندها تتوفر الأعمال».
ولكنه يعرف أن هذا لن يحدث. وبعيدا عن هذه اللهجة المتشائمة هناك من يرى أن إيران وخلال العشرين عاما الماضية تغيرت بطريقة تشبه التغيرات التي حصلت على المجتمعات الغربية.
ويشير إلى ما قاله محمود صادقي، إبن رجل دين انتخب للبرلمان ويرتدي اليوم البدلة ويستخدم التويتر. فبعد 20 عاما على توافر الإنترنت والفضائيات وإمكانية السفر للخارج تحول الإيرانيون وأصبحوا أكثر تطوراً وتعليماً واعتدالاً وأقل تديناً.
وأجبرت القيادة العجوز على القبول بكل هذا لأنها لم تعد قادرة على منع التغيير. فقد مضت الأيام التي كانت فيها الشرطة تداهم البيوت وتزيل الصحون الفضائية غير القانونية، ويستطيع معظم الإيرانيين اليوم مشاهدة أكثر من 150 قناة ناطقة بالفارسية.
ويقول صادقي «نجحنا في جلب التغيير وإلا لم أكن لأجلس في البرلمان». والتغيير في عرف صادقي وغيره من داخل المؤسسة الحاكمة يعني تعديل القوانين وليس إعادة النظر في النظام السياسي الحاكم.
فقانون يعطي المرأة حق الترشح لمنصب الرئيس ناقشه البرلمان العام الماضي عرقلته المؤسسة الحاكمة. بل ولم تجد قضايا تتعلق بحصول المرأة على الطلاق وتقييد زواج الرجل بامرأة ثانية دعما من المؤسسة الدينية الحاكمة.
ولا ريب أن القوانين التي نشأت ما بعد الثورة ولا تزال تستخدم لخدمة أيديولوجية الثورة تعقد المبادرات الجديدة وتزيد من مصاعب رجال الأعمال الذين تضرروا بسبب الحصار والعقوبات الدولية.
وطالما لم تتغير المؤسسة فالتيار الإصلاحي يواجه مصاعب كبرى. ولهذا جاء التسجيل الصوتي لمحمد خاتمي، الرئيس السابق الذي دعا فيه للوقوف إلى جانب روحاني والذي نزع على ما يبدو القفازات في الحملة الإنتخابية ورد على منتقديه وكان حاداً في نقده لرئيسي عندما قال إن الإيرانيين سيفكرون قبل انتخاب رجل لا يعرف إلا الإعدام في إشارة للدور الذي لعبه رئيسي في أحداث عام 1988 من سجن المعارضة وإعدام من اعتبروا أعداء للثورة.
شخصية غير معروفة
ويواجه رئيسي الذي لم يكن معروفا قبل بدء الإنتخابات فحصاً من الرأي العام إلا أن علاقته مع المرشد علي خامنئي تجعله من أكثر المنافسين الخطيرين لروحاني.
ويحظى بدعم جبهة من رجال الدين المحافظين «الجبهة الشعبية لقوى الجمهورية الإسلامية».
ويركز رئيسي على خلق وظائف ومساعدة الفقراء إلا أنه قدم مواقف غامضة بشأن السياسة الخارجية.
وحسب غاري سيك، الذي عمل مساعداً في البيت الأبيض للشؤون أثناء الثورة الإسلامية عام 1979 واصفا رئيسي «هو شخص لا لون له». وأضاف فيما نقلت عنه صحيفة «واشنطن بوست» إن رئيسي غير معروف كرجل دين ولا خبرة لديه في شؤون الحكم. ودرس في قم وتخرج في مدرسة حقاني والتي تخرج فيها معظم القادة السياسيين الدينيين والأمنيين.
وعمل محققاً في بلدة كرج، غرب طهران وكان أحد أعضاء «مفوضية الموت». ويعلق سيك الذي يعمل بمعهد الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا: «أهم شيء عن رئيسي هو دوره في محاكم عام 1988 والتي قتل فيها الكثير من الناس ومن دون أسباب. وهذا ما سيظل حاضراً في أذهان الإيرانيين». وتدرج رئيسي في المؤسسة القضائية حتى تولى منصب مدع عام ولعب دوراً في عمليات القمع التي تبعت انتخابات عام 2009 التي قمع فيها التيار الإصلاحي.
وبعد هذه الأحداث شكلت الحكومة لجنة للتحقيق في الأحداث. وفي برقية أرسلها دبلوماسي أمريكي من دبي ونشرت لاحقا في ويكيليكس وصف فيها اللجنة التي ضمت رئيسي بأنها «مكونة من شخصيات لديها تاريخ مهني فظيع في انتهاك حقوق الإنسان».
ويقول فرزان سابت، من مركز التعاون الدولي والأمني في جامعة ستانفورد إن المؤسسة القضائية محافظة بطبيعتها وتتبنى موقفاً مقيداً للحريات السياسية والإجتماعية.
وانعكس هذا على عمل وحياة رئيسي، مشيراً إلى أن لا أحد يعرف كيف سيترجم هذا إلى «رئاسة». وكان قاليباف المرشح الأكثر قبولا من رئيسي لولا خسارته أكثر من مرة في المعارك الرئاسية عام 2005 و2013.
ويؤكد تنازله لرئيسي تقلبه السياسي بين التيار المعتدل إلى اليمين المحافظ. وتاريخه يعطي صورة عن هذا التقلب، فلم يختلف برنامجه عن ذلك الذي طرحه رئيسي حيث قدم نفسه كاقتصادي شعبوي مهتم بفقراء البلد ووعد بزيادة الدعم الحكومي وخلق خمسة ملايين فرصة عمل. وحسب محمد علي الشعباني من «المونيتور» إن «نقطة الضعف الكبرى هي غياب الوضوح حول شخصيته وماذا يريد».
فابن بائع الفاكهة من مشهد أصبح قائداً للحرس الثوري في أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية. وقام بغارات جوية ساعدت على استعادة مدينة كرمنشاه.
ومن ثم عين قائداً للحرس الثوري حيث وقع الرسالة سيئة السمعة حث فيها خامنئي لقمع المتظاهرين الطلاب عام 1999. وبعد ذلك عين قائدا للشرطة وقام خلافا لتاريخه المتشدد بإصلاحها والحد من تجاوزات عناصرها.
وأعطى هذا صورة عنه كرجل يتميز بالكفاءة والإدارة السياسية كما ورد في برقية كتبها مستشار أمريكي من دبي عام 2005. وفي هذا العام فشل في السباق الإنتخابي ولكنه انتخب عمدة لطهران حيث واصل عمله السياسي.
ضد المؤسسة
لكل هذا يحتاج روحاني لخاتمي ودعمه كما يقول تريتا بارسي في دورية «فورين أفيرز» وناقش الفرضية العامة التي ترى أن الإنتخابات الإيرانية ترتبط بقرار المرشد.
ويرى أن صانع الملوك للإنتخابات ليس في الحقيقة خامنئي بل خاتمي. ويقول إن السلطة اللامحدودة للمرشد وإن كانت محددة إلا أن الأصوات المعادية للمؤسسة هي عادة ما تتسيد الإنتخابات.
ولأن خامنئي يمثل المؤسسة فالناخب الإيراني عادة ما يرفض كل الذين يرتبطون أو ينظر إليهم على انهم جزءا منه. ففي عام 1997 اعتقد الجميع أن علي ناطق نوري هو المرشح الفائز نظراً لدعم المرشد له. وكان الفائز فيها هو خاتمي.
ويرى أن فوز محمود أحمدي نجاد عام 2005 جاء لرفض الناخب علي هاشمي أكبر رفسنجاني الذي كان يعتبر من أعمدة الثورة الإيرانية لأنه مثل تجسيداً للمؤسسة.
وفي انتخابات عام 2009 أصبح وضع نجاد مختلفا فمن مرشح للناخب المعادي للمؤسسة إلى مرشح يحظى بدعم من المرشد ولهذا ظهر مرشح شعبي آخر واسمه مير حـسين موسـوي.
وهي الإنتخابات التي قادت لما يعرف بالثورة الخضراء حيث احتج المواطنـون على النـتائج الـتي اعتـبروها مزورة.
واستمرت ظاهرة التصويت المعادية للمؤسسة في عام 2013 حيث عاقب الناخبون مرشح المؤسسة سعيد جليلي والذي قاد المفاوضات حول الملف النووي.
وكان الجميع يعتقدون أنه مرشح خامنئي لكنه لم يحصل إلا على نسبة 11.31% من الاصوات وكانت ضربة غير متوقعة منحت روحاني الفرصة للتقدم. ونقل بارسي عن مسؤول في إدارة باراك أوباما قوله «فوجيء الجميع» لخسارته.
ويقول بارسي إن الفكرة التي تتحدث عن دعم خامنئي لفوز روحاني عام 2013 فيها نظرية للمؤامرة ترى أصابع المرشد في كل شيء. وحسب نائب مستشارة أوباما للأمن القومي بن رودس «فقد انتخب روحاني رغم اعتراض خامنئي».
وفاز روحاني مع أنه كان من داخل النظام ولم يعرف عنه أنه معاد للمؤسسة إلا ان الرأي العام اعتبره كذلك وبسبب دعم رفسنجاني وخاتمي المعاديين للمؤسسة.
ويقول إن فوز روحاني جاء بعدما قرر الإصلاحي محمد رضا عارف الخروج من السباق. ولم يكن هذا ليخرج لولا خاتمي الذي أقنع نائبه السابق بالإنسحاب.
ولعب كذلك رفسنجاني دوراً. ويقول بارسي إن روحاني قبل قرار عارف الذي جاء بعد مناقشات طويلة ومحاولات إقناع من خاتمي، لم يكن وضعه جيدا في استطلاعات الرأي. وتغير كل شيء عندما ظهرت أشرطة الفيديو التي حاولت إقناع الرأي العام بعدم الجلوس يوم الإنتخابات والمشاركة فيها وتناسي ما جرى في الإنتخابات التي زورت عام 2009. وارتفعت شعبية روحاني قبل أيام من الإنتخابات إلى 38% وهو تحول مهم بعدما كانت شعبيته لا تتجاوز 10%.
ويرى بارسي أن مصادقة خامنئي على مرشح تعني بالضرورة هزيمته لأن الناخب يراه تجسيدا للمؤسسة.
وما يهم في كل هذا هي الشخصيات التي ظلت هامشية على السياسة الإيرانية ولكنها استطاعت التواصل عبر الناخب من خلال وسائل التواصل الإجتماعي ويمثلها خاتمي فهل ستنقذ دعوته عبر رسائله المسجلة روحاني مرة ثانية؟