قوس الكراهية ونبذ الآخر لا يزال مشرعا في وجه شعوب الأرض جماعات وأفرادا، بينما تتغول جرعات لا يستهان بها من الأفكار والممارسات العنصرية واليمينية المتطرفة في المجتمعات الغربية، ويعلو صوت خطابها الفاشي المنادي بإلغاء الآخر وإقصائه، من خلال محاولات بائسة لاحتكار الحقيقة ولعب دور الضحية والادعاء بأنها الضحية الوحيدة في العالم، التي تمتلك حق التعبير عن نفسها، وحق تضامن الشعوب الأخرى معها وكسب العقول والقلوب، مثلما تدعي امتلاك الحق في اضطهاد ضحية أو ضحايا أخر.
هذا النوع من الفكر الفاشي المتطرف، الذي لا يملك المرء من خيار آخر سوى ادانته واستنكاره بأشد العبارات، يشق طريقه بين منعرجات النظم الديمقراطية الغربية، مستغلا الحق في حرية التعبير المتاحة هناك، والشواهد على هذا المسلك كثيرة لا تعد ولا تحصى، فلقد تجلى ملمح من هذا الفكر المتشدد إثر مسيرة جابت شوارع مدينة يوتيبوري السويدية، إحياء ليوم العمال العالمي في الأول من ايار وشارك فيها، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية سويدية عديدة، ناشطون فلسطينيون، رفعوا رايات وطنهم المغتصب، وأطلقوا هتافات مناهضة للاحتلال، وأخرى داعية إلى مقاطعة الدولة العبرية، ومنادية بتلبية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ما أثار حفيظة عدد من الأشخاص الموالين للحركة الصهيونية ولدولة الاحتلال، فأطلقوا حملة مسعورة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام المحلية، في محاولة منهم لكبح جماح حركة التضامن العالمية المتنامية مع الشعب الفلسطيني.
صحيح أن هذا المظهر العنصري لا ينتمي، بأي حال من الأحوال، إلى مجموعة القيم والمفردات الانسانية الحضارية، التي راكمها الشعب السويدي عبر تاريخ طويل من النضالات والتضحيات، التي نجحت وأسفرت عن انبلاج شمس الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وروح التضامن مع الشعوب المضطهدة حول العالم، في الوعي المجتمعي ونظام الحكم السويديين على حد سواء، إلا أن التقاليد الديمقراطية، التي تكفل للجميع حرية التعبير، تسمح، عادة، لمثل هذه الأصوات اليمينية المتطرفة النشاز، باختراق جدار احدى واحات الحضارة البشرية، ولو إلى حين، الأمر الذي يستدعي دق ناقوس خطرها على منظومة القيم الديمقراطية في المجتمع السويدي، وأي مجتمع آخر أصبحت تلك المنظومة جزءا لا يتجزأ من فكره ومعاشه اليومي، مثلما يستدعي رفع الصوت على الجانب الآخر من المعادلة، والإعلاء من شأن مفرداتها النابذة للاضطهاد والاحتلال والظلم بكافة أطيافها وأشكالها وتنويعاتها المختلفة.
لا أحد ينكر، وليس من الحكمة بمكان إنكار ما تعرض له يهود أوروبا من اضطهاد، وما لحق بهم من مجازر وتهجير على يد النازية، أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن في المقابل، فإن أصحاب تلك الأصوات الفاشية لا يملكون الحق وليس في وسعهم على الاطلاق، إنكار ما تعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال واغتصاب لآدميته ولأرضه، وما لحق به من تهجير جماعي على يد العصابات الصهيونية عام 1948 وعام 1967، بما في ذلك انشاء الدولة العبرية على أشلاء هذا الشعب المشرد بلا رحمة، ومنذ تلك اللحظة الكارثية في تاريخ الشعب الفلسطيني، يسعى مناصرو الحركة الصهيونية حول العالم، إلى لي عنق الحقيقة الماثلة أمام الجميع، التي تدك بوضوحها وشفافيتها أركان الرواية الصهيونية حول ما جرى في فلسطين، من احتلال واغتصاب وتهجير، والتي قامت على أساسها دولة الاحتلال عام 1948 رافعة شعار»أرض بلا شعب لشعب بلا وطن»، ناكرة بذلك وجود شعب بأكمله اسمه الشعب الفلسطيني، الذي أطلق، إثر الاحتلال مسيرة كفاحية عادلة ومشروعة في مقاومة الاحتلال، يشهد لها العالم والمجتمع الدولي، أو بعض أركانه، التي تحاول تدارك حقيقة ما تعرض له هذا الشعب المناضل، واعترفت له بحقه في إقامة دولته المستقلة وتقرير مصيره وعودة أبنائه إلى ديارهم التي رحلوا عنها مجبرين بقوة الحديد والنار.
من هنا كانت مملكة السويد سباقة في الاعتراف بتلك الحقوق الثابتة، وفي الاعتراف بدولة فلسطين، وفي اتاحة المنابر الوطنية والديمقراطية أمام ناشطي فلسطين وأحرار العالم المتضامنين مع قضيتهم العادلة، للتعبير عن آرائهم بكل حرية وشفافية، لتأتي هذه الحملة الفاشية المسعورة وتحاول كسر هذا التقليد الانساني الحضاري، لا لشيء إلا لأن القائمين عليها ضاقت صدورهم برؤية راية فلسطين ترفرف في سماء ثاني أكبر مدينة سويدية، ما يشي بأنهم يفتقرون للحجة والمنطق في إقناع الناس بادعاءات عنصرية لا تمت للحضارة الانسانية بصلة، ولا تخلو من عدوان، فضلا عن أن تلك الادعاءات تنافي حقائق التاريخ الماثلة أمام أعين الجميع.
في هذا السياق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، إلى أي مدى بات الفكر الصهيوني يشكل تهديدا جديا لمنظومة القيم الديمقراطية والحرية والمساواة في المجتمعات الديمقراطية؟ طبعا، تقضي محاولة قراءة ملامح هذا التهديد الذهاب بعيدا في تقصي حقيقة الأساليب الماكرة والملتوية، المباشرة وغير المباشرة، التي يعتمدها أصحاب هذا الفكر المنبوذ في فرض تهديدهم على المجتمعات الديمقراطية، واستثماره من خلال الترويج لخطاب المظلومية التاريخية التي ألحقتها النازية بسكان أوروبا من اليهود في لحظة سوداء من تاريخ البشرية، وكذلك محاولتهم الإعلاء من شأن تلك المظلومية، بأسلوب يسد الطريق على مقارنتها بأي من مثيلاتها حول العالم، وصولا إلى صناعة وطغيان الأسطورة الصهيونية ومنع أصحاب المظلوميات الأخرى، التي لا تقل شأنا عن المظلومية اليهودية، من التعبير عن أنفسهم.
ما يشكل بالتالي، تهديدا واضحا لحرية التعبير، التي تعد إحدى أهم ركائز النظم الديمقراطية، في مشهد يشي بمحاولة بائسة، لكنها خطيرة، لاختراق تلك النظم من خلال ابتزازها ومجتمعاتها، وفرض نوع من «الإتاوة» على كل من تسول له نفسه انتقاد فكر وممارسات الحركة الصهيونية وربيبتها دولة الاحتلال، ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، التي تحتل الدولة العبرية جزءا من أراضيها.
لكن الأخطر من كل ذلك يتجلى في واقع أن طغيان الأسطورة الصهيونية لا يقف عند حد تحريم مقارنتها ومقاربتها مع مظلوميات مشروعة أخرى، دفع أصحابها أثمانا باهظة، جراء جشع وعدوانية وجبروت قوى عظمى، بل يتعدى ذلك ويتماهى مع غرور القوة، في بعض الحالات، وصولا إلى إجبار أصحاب المظلوميات الأخرى على خفض سقف خطاباتهم، وحتى التخلي عن حقوقهم أو عن جزء منها، لا سيما في ظل حمى محاربة الارهاب على مستوى العالم، حيث وجدت العديد من الشخصيات والقوى السياسية نفسها مجبرة على تبني خطاب همه أولا تبرئة الذات من تهمة الارهاب، على حساب قضايا حيوية عادلة ومشروعة، ما أفقد تلك القضايا بعضا من بريقها وبعضا من أهميتها، وهذا بحث آخر شرحه يطول.
كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة