احتجاجات الريف المغربي: أين الخلل؟

حجم الخط
22

■ تشهد منطقة الريف في شمال المغرب ومركزها في مدينة الحسيمة غدا الخميس دعوة لإضراب شامل ومسيرة حاشدة يتوقّع أن تشكل إحدى نقاط الذروة للحراك الاجتماعي والمدنيّ الذي اشتعل منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي على خلفية مقتل بائع سمك طحناً في شاحنة جمع النفايات خلال محاولته الاعتصام بها لمنع السلطات الأمنية حينها من مصادرة أسماكه.
من الواضح أن تصاعد الاحتجـــاجات واستمرارها مرتبط بعدم جدّية السلطات المغربية في معالجة الأزمة، والأدهى من ذلك، صبّ الكثير من مسؤوليها، النار على زيت الغليان الاجتماعي بقرارات وتصريحات تهين الحراك القائم وتسيء لسكّان الريف وتتجاهل مواضعات الأزمة وأسبابها.
وبدلاً من أن تقوم الأحزاب المشاركة في الحكومة والتي انتخبتها الجماهير المغربية لتحقيق الأهداف التي وعدت بها، بالتعاطي الإيجابي مع الاحتجاج والتقاط نبض الشارع الغاضب فقد تبارت في اتهام الحراك، كعادة الأنظمة السلطوية العربية دائماً، بالعمل وفق أجندات خارجية أو بحمل «توجهات انفصالية»، كما فعل وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وغيره من المسؤولين.
وكان حسناً من حزب الأغلبية، «العدالة والتنمية» تبرؤه من تصريحات أدلى بها رئيس الحكومة، وهو أحد زعمائه، سعد الدين العثماني في هذا الاتجاه، وإدانته الإجراءات السياسية والأمنـــــية وتسخــــير البلطجية في مواجهة الحراك وتخوين مناضليه».
منابر إعلامية مغربية تحدّثت عن استعدادات تجري لزيارة الملك المغربي محمد السادس لمدينة الحسيمة، وهي خطوة حكيمة ويمكن، إذا استتبعت بإجراءات حقيقية لرفع الضيم التاريخي الذي يعاني منه الريف، أن تحوّل مجرى الاحتجاجات وتضيف الكثير إلى رصيد المؤسسة الملكيّة المغربية التي كانت، في أحيان كثيرة، قادرة على استشفاف سير الرياح السياسية بحيث تمنع عن بلدها عواصف كاسحة، كما حصل في بلدان عربية كثيرة، وهي ستعطي مجدّداً مصداقية كبرى لهذه المؤسسة ولو كان ذلك على حساب السياسيين والمسؤولين الذين انتخبهم الشعب (أو من عيّنتهم السلطات الملكية نفسها، كما هو الحال مع وزير الداخلية).
تتحدّث الأخبار في المقابل عن وصول تعزيزات أمنية ضخمة ووجود متزايد لعناصر من القوات المسلحة المغربية وهو أمر قد يتناقض مع التوجّه الملكي المتوقع الذي أشارت إليه المصادر المغربية، وينذر باحتمال أخذ التيّار المتصلّب ضمن «المخزن» أو المؤسسة الحاكمة المغربية الأمور نحو مواجهة كبيرة مع الناشطين، وهو أمر لن ينهي الاحتجاجات بكل تأكيد ويمكن أن يرفع من وتيرتها ودمويتها ويفتح صفحة سوداء جديدة مع أبناء الريف لن تستطيع السلطات المغربية طيّها أبداً.
تعكس احتجاجات الحسيمة والريف، من جهة، واقعاً تاريخياً ممضّاً وقاسياً في العلاقة مع المركز و»المخزن»، كما تعكس، من جهة أخرى، الإشكالات الكبرى التي يعاني منها المغرب، والذي تشكّل العلاقة الملتبسة بين المؤسسة الملكية والحكومة إحدى حلقاته.
وتكشف الأوضاع الكارثية العربية بشكل فاقع أن مواجهة الاحتجاجات لا تكون إلا بتفهم أسبابها الجذرية ووضع الخطط الاجتماعية والسياسية للتعامل معها، وبأن اللجوء إلى القوّة المحضة ليس إلا سلّماً لهبوط المجتمع والدولة إلى قعر هاوية مخيفة لا قرار لها، والحكومة التي لا ترى في الاحتجاجات غير دعوات الانفصال والتعاون مع الخارج تحكم على نفسها بكونها حكومة منفصلة عن الواقع ومتعاونة مع الخارج الذي لا يريد الخير لمواطنيها.

احتجاجات الريف المغربي: أين الخلل؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية