التّدقيق اللّغويّ: تقمُّصٌ شخص الكاتب واستدراكٌ لهفواته

حجم الخط
2

الجزائر – سلمى قويدر: في مجال الكتابة، لا يكون كافيا البتّة أن يصير «الكاتب مرآة لنفسه»، ولا أن يكون «ناقدًا أمينًا للذّات»، فالمدقّق اللّغويّ ضروريّ جدّا، ليكون النّاقدَ اللاّذعَ الّذي يبعدُ الكاتبَ عن ذاتيّته، وعن قناعته المفرطة بصحّة ما يكتبه، وهو الّذي يوجّه دفّة لغته في الاتّجاه الصّائب.
والتّدقيق اللّغويّ، مجال صعب ودقيق بالطّبع، فهو يتطلّب فطنة وقوّة ملاحظة، وتفرّغًا تامًّا للذّهن، وفترات راحة له أثناء العمل، خاصّة إذا كان الأمر يتعلّق بتنقيح إصدارات الشّعر والرّواية والكتب الأدبيّة عمومًا. ومهما كان الكاتب حريصًا على صحّة كتاباته وخلوّها من الأخطاء اللّغويّة والتّركيبيّة، ومواظبا على الابتعاد عن السّهو والتّكرار، فإنّه كثيرًا ما يقع في مصيدة الهفوات غير المقصودة، جرّاء التّعب واستعجال تسليم المادّة المكتوبة. وهنا، تأتي وظيفة المدقّق الّذي يستلم المادّة الخام، فيصقلها ويشذّبها، ويحذف الشّوائب منها، وهي ليست بالوظيفة، بقدر ما هي تقمُّصٌ لشخص الكاتب واستدراكٌ لهفواته ليكون الكتاب قابلاً للنّشر.
يتصوّر أغلبيّة النّاس أنّ المدقّق عليه أن يكون أستاذ لغة، وذا شهادات عالية، فقط ليتمكّن من امتهان هذه الوظيفة، في حين أن عليه أن يكون مُلمًّا باللّغة وبقواعدها وبمفرداتها، وقارئا متوسّعا، ذا ثقافة كبيرة وثروة معرفيّة تسمح له بالتّوسّع بأريحية. هو ينقّح ويصحّح مختلف أصناف الكتب باختلاف توجهاتها وتوجّهات كتّابها، وهذا لا يملكه بالضّرورة أساتذة اللّغة، «حسب ما لاحظته شخصيًّا من خلال تنقيحي لكتب لأساتذة في اللّغة العربيّة!»
بعد مشوار مع عدد من دور النّشر والمجلاّت في الجزائر، وعشرات الكتب باللّغة العربيّة، تكوّنت لديّ نظرة و آراء قد تكون سلبيّة بعض الشّيء، فكان عليّ كتابتها لتطفو نحو السّطح ويتمكّن أصحابها من علاجها.
كنت قد تلقّيت في الفترة الأخيرة مجموعة من الكتب، تختلف بين ما قيل أنّها «روايات» ودواوين وكتب «للتّنمية البشريّة»، لمجموعة من الأقلام الفتيّة، المفرح في الأمر هو التّوجّه المهول إلى الكتابة في السّنوات الأخيرة، بعد أن شهدت السّاحة الأدبيّة الجزائريّة عزوفا من الشّباب عن الكتابة إلاّ القليل منهم، واقتصار السّاحة على بعض الأسماء الّتي صارت علامة مسجّلة في الأدب الجزائريّ، حجبت النّور عن الأقلام الشّابة، وكذلك ظهور قويّ لدور نشر واعدة تشجّع الشّباب على الكتابة والنّشر.
بعد أن باشرتُ العمل على هذه المخطوطات، لاحظت خلطًا فظيعا في التّسميات، وفي انتماءاتها، وغيابا للجنس الأدبيّ لهذه الكتب، حيث حُشرت جلّها في خانة الرّواية، في حين أنّ معظمها يكاد يخلو من عناصر كتابة الرّواية، بل إنّها تميل في معظمها إلى كونها مجموعة من النّصوص المحشوّة والمُلصقة في بعضها البعض، كنوع من «البوح المتقطّع»، فلا هي ظلّت في عباءة الخاطرة الأدبيّة، ولا هي بالقصّة، ولا هي بالرّواية بالتّأكيد.
هذا اللّغط الّذي دخلت فيه هذه النّصوص، جعلها تبدو كمحاولات إنشائيّة اجتهد صاحبها لبضع ليال، ليبلغ بها نصاب النّص، لكنّه لم يراعِ قواعد الكتابة الأدبيّة، ولم يحترم جنس نصّه، وراح يحشره في قالب لا يسعه، أو بالأحرى أكبر من مقاسه، لهذا وجبت المطالعة ودراسة الأجناس الأدبيّة والتّدرّب على الكتابة بكثافة قبل قرار النّشر.
هناك أيضا مشكلة عدم تحقّق الكاتب من مصادر معلوماته التّاريخيّة والدّينيّة، حيث يغفل عن المصداقيّة الّتي يجب أن يتّسم بها كتابه، من خلال المعلومات الّتي يمنحها، وكذلك الاقتباسات الّتي لا يذكر أصحابها، أو أن يقع مثلاً في فخّ خلط التّسميات والألقاب والأماكن، وحتّى في السّور الّتي يستشهد منها بالآيات القرآنية، فإذا لم يتفطّن المدقّق اللّغويّ لهذه الهفوات وراجعها مرارا، فقد الكتاب مصداقيّته، وقد يتعرّض صاحب الكتاب وصاحب دار النّشر على حدّ سواء للمُساءلة القانونيّة.
أمّا بالنّسبة للمحتوى فقد لاحظت خاصّة لدى «بعض الأقلام الشّابّة» نقلا حرفيًّا لأفكار مجتمعيّة صارت بالية، متداولة وبليدة، فلا تحسّ أنّ هناك في الأفق قلمًا من بينهم قد يتبنّى تغييرا فكريًّا صحّيا، أو قد يجلب فكرًا عميقا يفيد هذه الأجيال العربيّة التّائهة، فتحسّ أنّ ذلك القلم معبّأ بإفراط، بفكر يتلقّاه عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ وعبر كتب تسمّى زورًا بالدّعويّة والدّينيّة، فكر يدعو إلى الانغلاق على الذّات بحجّة الخوف من الآخر، ومن الأفكار المقبلة من الجهة الأخرى من الكرة الأرضيّة، فلا هو استطاع أن يجلب منها جيّدها، ولا هو عرف كيف يتعامل مع سيّئها، فظلّ يكتب عنها كغول مخيف يعرّض المقترب منه للموت، في حين أن ما هو إلاّ الموت بعينه أن تخاف الآخر.
كنت سأتجنّب الحديث عن هذه النّقطة المقبلة، لحساسية الفرد الجزائريّ والعربيّ تّجاهها عمومًا، لكنّ قلمي لا يمكنه أن يغفل عنها، فقد صارت هناك موضة تدعى «الرّواية المحافظة»، سقط في جعبتي الكثير منها، «رواياتٌ» بعيدة عن جنس الرّواية، يستهلّها أصحابها بالأحاديث والآيات القرآنيّة، وأدعية التّوفيق والنّجاح الكثيرة، لا خوفًا من الله، وإنّما لكسب احترام القارئ للكتاب، وحشد المؤيّدين، وخلق فئة معيّنة من القرّاء الّذين ينأون بأنفسهم عن التّوسّع في مطالعة ما يسمّونه «بالأدب الماجن»، كتبهم هذه، يتجنّبون فيها التّوغّل في الذّات الإنسانيّة والتّساؤلات الوجودية الّتي تنغّص على الفرد منّا حياته، ويدّعون بذلك الابتعاد عن التّكفير الّذي صار سلوكا مجّانيا وعاديًّا في مجتمعنا، لكن دعني أقول لك شيئا أيّها الكاتب «المحافظ»:
كما ليس عليك الكتابة عن الجنس وجسد الأنثى وتكذيب وجود الله تعالى مثلا ، ليُسمّى ما تكتبه «رواية» ، كذلك ليس عليك لجم قلمك بلجام المجتمع وأفراده، لتجلب أكبر جمع من «القرّاء المحافظين»، فقط عليكَ أن تكتب ذاتك ودواخلك، وما ينغّص على جوفك الحياة، عليك أن تعرّي كلّ تلك الأردية وتُسقط كلّ تلك الأقنعة، لتكتب رواية من أعماق صدقك وشفافيتك، لمَ عليك أن ترضي مجتمعًا لن يرضى عنك إلاَّ إذا سقطتَ راضخًا؟
التّقليد والاستنساخ أيضا صارا موضة في الكتابة، فقد تشاهد كاتبا «كبيرا» يتمشّى على صفحات بعض الكتب الفتيّة، فلا تكاد تلمح ملامح الكاتب الحقيقيّ، إنّ التّأثّر ببعض الأسماء ظاهرة صحّية، لكن أن تكون نسخة منها وتقدّم أشكالا مشابهة لكتاباتها وأنت تحتمي بظلّها، فهذا لن يحرّر قلمك من التّبعيّة، ولن تكون كاتبا ذا قلم مستقلّ، ولا ذا بصمة خاصّة، إذن عليك أن تخلق شخصيّتك الخاصّة في الأدب، وهذا لا يمنع أن تطلب العون والتّوجيه، فلا أحد منّا خُلق عارفا بخبايا الكتابة، ولا أحد صار كاتبا معروفا من فراغ، فإذا كنت تصبو إلى احتراف الكتابة الأدبية كن أنت بروحك، واشرب من جبّ التّجارب، لا من جبّ التّقليد.
هناك العديد من الكتّاب ممّن يتحفّظون من ملاحظات المدقّق اللّغويّ، ولا يقبلون بتصحيحاته، لاقتناعهم بجدوى أسلوبهم، وصحّته، وهذا قد يدخل في طبع نرجسيّ قد يعصف بالكاتب، لكنّ هذا لا ينفي وجود نوع سيّئ جدّا من المدقّقين قد يُجهزون على الكتاب، ويسلبون منه روحه، لهذا حريّ بالكاتب أن يختار جيّدا مدقّقيه، وحبّذا أن يمرّر كتابه على أكثر من مدقّق لغويّ ذا ثقة.

التّدقيق اللّغويّ: تقمُّصٌ شخص الكاتب واستدراكٌ لهفواته

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية