قرأت في مجلة صقيلة الصفحات كمرآة الغريبة لمعانا، مقالا نقديا كتبه الدكتور (…) عن ديوان الشاعر (….) قائلا: (وما كدت أنتهي منه (أي من ديوان الشاعر المذكور) حتى صرخت: لقد وجدته، وجدته، هذا شاعر مدهش، بسيط، وعذب وعميق وجريء وحاد ومر ومعذب ومفاجئ، وذو إحساس إنساني جارح… إلى آخر آخر آخره). ولو لم يكن كاتب هذه الفرقعة النقدية أستاذا للنقد الأدبي في إحدى الجامعات العربية، لما شغلت وقتكم بهذه المقالة.
أتعرفون لمن وجه هذا المديح؟ لن أدعكم تخمنون، لئلا يذهب بكم الظن أنه موجه لشاعر جدير بصفته ما بين المشارق والغارب. فأسارع وأخبركم بأنه موجه إلى صاحب هذه القصيدة /الخط المائل يفصل بين بيت وآخر/:
(فلم يكن المطر/ إلاّ وابلٌ عابرٌ/ فلا يحيل بين شهوتي/ وبين العودة إلى حبك.
حين لا ينحني الجسر/ لن يمر النهر/ أنا فوق الجسر/ ذبابة/ عنكبوت/ وتحت الجسر/ سمكة/ كلمة/ حرف).
بغض النظر عن تصنيف النص، هل هو شعر أم نثر، فإن الأخطاء اللغوية والنحوية هي التي تستوقفنا هنا.
الاستهلال: فلم يكن المطر إلا وابل عابر. البدء بالفاء شيء غريب. والقول كله لا معنى له. ثم لماذا جاءت: وابل عابر، مرفوعة؟ فالمعروف في النحو أنّ (لم) حرف نفي، وأنّ (إلاّ) أداة استثناء، وأداة الاستثناء يُلغى عملها بسبب النفي، فكأنك قلت: كان المطر وابلا عابرا، لأن: وابلا، خبر كان منصوب، وعابرا: صفته. وصفة المنصوب منصوبة.
وهذا الخطأ يأخذنا للحديث عن شيء من الاستثناء في النحو العربي. حيث إن الإنسان قد يحتاج إلى أن يستثني شيئا من شيء آخر، أو من جملة أشياء، كأن تقول: جاء أصدقائي إلاّ واحدا منهم. حيث أعطيت (إلاّ) معنى: أستثني. فأنت قد استثنيت واحدا منهم وأخبرتنا أنه لم يأتِ إليك. ولذا جاء ما بعد إلاّ منصوبا، فكأنه مفعول به للفعل أستثني الذي تؤدي الأداة إلاّ معناه.
ونلاحظ في هذا المثال أن كلمة أصدقائي هي المستثنى منه، أي الكلمة التي تشمل كل الأصدقاء ومنهم هذا الواحد. ولو فرضنا أن الجملة كانت خالية من هذا المستثنى منه، كقولك: ما جاء إلا واحد، فقد قرر النحويون أن أداة الاستثناء إلاّ أُلغي عملها لوجود ما النافية، وما، هذه، أصبحت لا تفيد النفي، بمعنى أن أسلوب (ما… إلاّ) هو للتوكيد، وليس فيه معنى النفي ولا الاستثناء، فكأنك قلت: جاء واحد. ونظيره قولهم: ما الشاعر إلا المتنبي، فالشاعر مبتدأ، والمتنبي خبره، وكلاهما مرفوع.
فالجملة في النص تقتضي نصب الوابل العابر، خبرا لقوله: يكن.
وانظر إلى تعبير وابل عابر، هذا التعبير خطأ وغلط. فالوابل هو المطر الشديد الغزير الدائم الذي لا يمكن أن يوصف بأنه عابر أبدا. وهما نقيضان لا يجتمعان.
ذلك أن الوبل والوابل: المطر الكثير الدائم والضخم القطر. وتوصف به الكثرة عادة. ومن هذا المعنى اشتق لفظ الوابلين، الذي يُراد به أوسع الكرماء عطاء. وينتقل معناه من الخير الكثير إلى الشر الكثير. ومنه الوبيل، وهو المرعى الوخيم الذي كثر ضرره على الماشية. والوبيل: المال الحرام الذي يؤخذ بسرقة أو خيانة أمانة أو اختلاس أو سحت أو رشوة. واستوبل فلانٌ الأرضَ إذا لم توافق صحته حتى لو كان يحبّها. والماء الوبيل الذي لا يُستساغ طعمه، بسبب مرارة أو ملوحة. والوبال: الشدة والثقل. وفي التنزيل العزيز (فذاقت وبال أمرها) وقوله: (فأخذناه أخذا وبيلا) أي عنيفا شديدا. والضرب الوبيل هو الشديد.
فهل ينطبق على هذا النص تقويم الناقد المذكور؟ فيا ليت وسائل إعلامنا تنقذنا وتنقذ نفسها من هذا الوبال الوبيل.
وأما بقية الأغاليط فإلى الحلقة المقبلة.
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
هادي حسن حمودي