عاصمة الحرية

حجم الخط
0

عاصمة الحرية

عزت القمحاوي عاصمة الحريةكان المشهد مهيباً صباح أول أمس الخميس لحظة خروج المستشارين هشام البسطاويسي ومحمود مكي من نادي القضاة إلي المحكمة محروسين بزملائهم من أعضاء النادي بالأوشحة تزين صدورهم، فرغم الحائط الأمني العازل الذي نجح في منع تدفق المؤازرة الشعبية للقضاة، ورغم التحرشات المحدودة بهم بغرض الاختبار تراجعت الهراوة في مواجهة الوشاح، وأفسحت طريقا لمسيرة القضاة، فكان الحق فوق القوة شعاراً مجسداً. ولم يكن تأجيل محاكمة المستشارين أمام ما يسمي بـ لجنة الصلاحية إلا نوعاً من الهروب إلي الأمام، ليظل صراع القوة مع الحق مفتوحاً حتي إشعار آخر في شارع عبد الخالق ثروت، ذلك الشارع صار مكاناً للأخبار، تجسد فيه الحراك السياسي المصري منذ التعديل المنقوص للدستور قبل عام، مروراً بانتخابات الرئاسة والانتخابات البرلمانية التي فجرت ممارسات التزوير بها احتجاجات القضاة الذين رفضوا أن يكون التزوير باسمهم، ليتضافر غضبهم مع غضب الصحافيين والمحامين في مسافة لا تتعدي المئة متر من شارع عبد الخالق ثروت، حيث تتجاور وتتساند نقابتا المحامين مع الصحافيين مع نادي القضاة. لكن هراوات قوات الأمن التي تعرضها الفضائيات في لقطات مقربة قد لا تنقل حقيقة هذا التجاور.احتضان الشارع الذي يحمل اسم السياسي الشهير عبد الخالق باشا ثروث لقلاع الحرية الثلاث من المصادفات المؤثرة، وقد ضمن وجودها معاً خلوداً لسيرة الزعيم الوفدي ورئيس الوزراء الذي أدار أول انتخابات برلمانية نزيهة في مصر سقط شخصياً فيها.وما يتابعه العالم هذه الأيام من صمود رهبان العدالة في نادي القضاة دفاعاً عن استقلال القضاء ليس الصفحة الأولي التي تكتب في تاريخ مثلث الحرية هذا. وليس المستشاران محمود مكي وهشام البسطاويسي وأقرانهما من قضاة مصر نبتاً عشوائياً، كما أن صلابتهم ليست حدثاً جديداً بل خطوة جديدة علي طريق المائة متر الذي يجمع قلاع الحرية الثلاث، وسار فيه من قبلهم مستشارون وصحافيون ومحامون أفذاذ من الفصيلة النادرة نفسها التي أنجبت المستشار الراحل ممتاز نصّار والكاتب الصحافي كامل زهيري الذي لايزال رغم ظروفه الصحية يتقدم الصفوف، وقد حولت نضالات هؤلاء الرجال شارع عبد الخالق ثروت عاصمة حرية للمصريين، مثلما تمثل الفاتيكان في قلب روما عاصمة روحية للأوروبيين.ہہہالبناءات الثلاثة كانت تشكل حتي وقت قريب وحدة معمارية واحدة، لقصور من طابقين وحدائق صغيرة تفصلها وتصلها في ذات الوقت عن الشارع وعن بعضها البعض سياجات من الحديد المشغول، ولم يكن الاحتجاج يبدأ في أحدها حتي يمتد إلي البناءين الآخرين، في تعاضد وتفاهم علي الأولويات الوطنية والقومية لم تتخلف عنه يوماً أي من الهيئات الثلاث. لكن الوحدة المعمارية وجدت من يتكفل بفصمها، حيث تم استدراج الصحافيين إلي تغيير مبناهم القديم بدعوي الضيق وبأنه لم يعد يليق بنقابتهم العريقة، حسب تقاليد المرحلة المولعة بفخامة المبني وخواء المعني! وتم تشييد برج فظ، بأعمدة مخيفة ترشحه ليكون مقراً لأحد الأجهزة القمعية وليس لنقابة، وكان هذا البرج الذي ترهق تكلفة إضاءته الميزانية المحدودة للنقابة هو المأثرة الكبري للنقيب إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام السابق (وهو غني عن التعريف خصوصاً في هذه الأيام، حيث تحقق له اتهامات بالفساد لمعاناً لم يتمكن من تحقيقه بعمله طوال حياته المهنية) تلك المأثرة التي ألغت الحديقة ولم تترك مساحة للتظاهر والاعتصام إلا السلم المفتوح علي الشارع في متناول هراوات رجال الأمن وقبضات البلطجية المأجورين الذين ينتهكون أعراض المتظاهرات. ومع ذلك لم يحقق العازل المعماري الذي شق به مبني نقابة الصحافيين مثلث عمارة الضمير عزلاً في السلوك بين الصحافيين والمحامين عن يمينهم والقضاة عن يسارهم، حتي أن الجمعية العمومية لنادي القضاة تزامنت مع جمعية الصحافيين في السابع عشر من آذار (مارس) الماضي ولا تزال الجمعيتان في انعقاد مستمر، وإن زاد القضاة في احتجاجهم باعتصام يتوخون فيه حتي الآن عدم تعطيل المحاكم حرصاً علي مصالح المواطنين.وعشية تقديم المستشارين البسطاويسي ومكي للمحاكمة أول أمس كان عدد من الصحافيين في رهن الاعتقال، ولم تقف جموع المحامين بعيداً رغم الموقف الموالي لنقيبهم.ہہہوهذه المرة لم يعد أعضاء هيئات العدالة الثلاث وحدهم، كما في مناسبات سابقة عديدة، لأن مطالب القضاة بقانون يضمن استقلال السلطة القضائية التي تتواصل منذ منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، تتصاعد اليوم في ظل ظرف سياسي مختلف، يشهد حراكاً عاماً لم ينجح القمع في إبطاله. وقد جذب نادي القضاة بوقفته التاريخية كل الحالمين بالتغيير من أدباء وفنانين من أعضاء حركة كفاية ومن غير المنضوين تحت أية حركات، بل ومواطنين لم يكن لهم من قبل أدني اهتمام بالشأن العام في مشهد للمؤازرة يذكّر بالتفاف المصريين حول وفد التفاوض علي الاستقلال، ولم يكن هؤلاء الزعماء بعرف سلطات الاحتلال سوي مجموعة من مثيري الشغب ومكدري السلم العام، تماماً مثلما يوصف صحافي ينشر خبراً أو قاض يطالب باستقلال القضاء ونزاهة الانتخابات!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية