الحداثة في برامج الأحزاب المغربية

حجم الخط
0

الحداثة في برامج الأحزاب المغربية

عبد العزيز شبراطالحداثة في برامج الأحزاب المغربية كل الأحزاب المغربية بمختلف مشاربها اليسارية واليمينية، تردد في خطاباتها مفاهيم الحداثة والديمقراطية، وتعلن أنها تعتمد علي هذه المفاهيم في صياغة برامجها السياسية وانتاج مشاريعها المجتمعية، وتطمح لبناء مجتمع حداثي، غير أن ممارستها علي الواقع تخالف ما تحمله خطاباتها، ونجد أنفسنا حائرين أمام ما تعلنه تلك الأحزاب وما يحمله خطابها من مصطلحات ومفاهيم جديدة، وما يقع في العالم الغربي بشأن هذه المفاهيم وتحولاتها وتطوراتها، ففي الوقت الذي يعلن فيه الفكر الغربي أن الحداثة ومفاهيــــمها استهلكت، وأصبح الفكر الغربي أمام فكر جديد ينعت بما بعد الحداثة، نجد الأحزاب المغربية لا تتحدث عن ما بعد الحداثة في أدبياتها، هل هذا يعني أن بلادنا لا زالت في حاجة الي مفاهيم الحداثة وأدواتها لصياغة برامجها ومشاريعها المجتمعية؟! وأن أحزابنا تري أن الحداثة ومفاهيمها لا زالت لم تستنفد بعد ولا تحتاج سوي التطوير والاغناء لتلبية حاجاتنا الفكرية؟! أم أن أحزابنا تردد تلك المفاهيم في خطاباتها، فقط لتبدو أمام شعبنا ومناضليها وكأنها تساير التطورات العالمية، وتواكب المستجدات، لارضاء القاعدة وحسب؟! والواقع أن النقاش حول الحداثة في مجتمعنا وفي المجتمعات العربية الأخري أيضا لم يتبلور جيدا بعد، لنتمكن من صياغة اضافات اليه عوض تكرار ما أنتج في المجتمعات الغربية، ويعود هذا بشكل خاص الي التناقض البين بين من يرفض هذه المفاهيم جملة وتفصيلا، ويعتبرها غريبة عن ديننا وتقاليدنا وثقافتنا العربية الاسلامية، وبين الذين وقفوا عند تحديد المصطلحات ومحاولة توليفها مع الواقع العربي.تعريف مفهوم الحداثة حسب المفكر ستوارت هول وبعض زملائه الذين شاركوه في تأليف سلسلة من الكتب من أجل فهم المجتمعات الحديثة: ان الحداثة هي ذلك الشكل المميز والفريد للحياة الاجتماعية التي تطبع المجتمعات الحديثة واذا كانت الحداثة حسب هذا التعريف ترتبط بالمجتمعات الحديثة، التي برزت في أوروبا بدءا من القرن الخامس عشر الميلادي، ومفاهيمها لم تبرز بشكل نظري ممنهج استوجب البحث والتطوير الا في القرن الثامن عشر، فان هذا يضع مجتمعنا المغربي ومجتمعاتنا العربية بصفة عامة أمام واقع مادي مخالف للواقع المادي للمجتمعات، التي تأسست فيها مفاهيم الحداثة وتطورت ونمت.صحيح أن الحداثة أصبحت اليوم فلسفة كونية لا ترتبط بواقع مجتمع بعينه، ولكن ذلك لا يمنع من كون مفاهيمها لا يمكن أن تتقبلها الشعوب وتندمج فيها بشكل سلس وبدون مصاعب ولا مطبات، لأن ادراك تلك المفاهيم والأدوات المرتبطة بها لا يمكنها أن تنفصل عن الشروط التي نمت وتطورت ضمنها، وعلي رأس ذلك الشروط التاريخية والعمليات المرتبطة بها، والظروف التي أحيطت بها: الاقتصاد الرأسمالي، العلمانية ونظم الحكم، تكون الطبقات وتشكلها بشكل واضح، الانتقال الثقافي من الثقافة الدينية الي الثقافة العلمانية، وتطور هذه الشروط أيضا بتشكل النظام العالمي الجديد ومفاهيم العولمة. وهنا لا بد أن الشروط الموضوعية للمجتمع المغربي، التي تشتغل ضمنها الاحزاب المغربية، وضرورة ربطها بالظروف الموضوعية التي نشأت فيها الحداثة، ونتساءل الي أي حد استطاعت هذه الأحزاب، أن تقوم بتوليف تلك المفاهيم مع هذه الشروط الموضوعية التي نشتغل ضمنها؟! والي أي حد تمكن مجتمعنا من توفير الشروط الموضوعية التي بمقدورها انتاج فكر حداثي متطور وغير مكرور عن ما أنتج في الغرب؟!واذا ما تناولنا برامج أحزابنا المغربية، ليس من خلال ما هو مسطر في الأدبيات، ولكن مما ينعكس منها في الممارسة، (لأنه كما نعلم أن البرامج الحزبية هي في الأصل توضع للممارسة وليس لغير ذلك)، فانه يصعب علينا حقا وصفها بأنها تتضمن تطبيقا لمفاهيم الحداثة! فالمغرب من جهة لا زال حديث الفعل السياسي العمومي الذي تنتجه الاحزاب السياسية وتصوغه وتحاسب عليه، وتؤطره وتؤثر فيه وتتأثر به، فهي (الاحزاب) لا تزال تقف عند حد توفيق سياساتها مع السياسة المركزية للدولة المغربية، ولا تؤثر فيها الا بشكل قليل، ومن جهة ثانية فان المواطن المغربي لا زال لم يصل بعد الي مستوي التأثير في تلك الأحزاب لاجبارها علي الالتزام بما تعلنه وتسطره في برامجها، كما لم يصل بعد هذا المواطن المغربي الي مستوي محاسبة هذه الأحزاب ومعاقبتها حتي، اذا ما أخلت بالتزاماتها تجاهه، فالانتخابات ببلادنا، وكما يعرف الجميع لا تزال رهينة بالمال والنفوذ والعلاقات القبلية، أكثر مما هي رهينة ومرتبطة بالبرامج السياسية الحزبية، والأحزاب ذاتها بمختلف مشاربها وبتعدد برامجها، سواء تلك التي تصيغها بقوالب حداثية أو غيرها، لا ترشح ضمن لوائحها الانتخابية سوي الأعيان، أو من يمتلكون الأموال وكيفما كان مصدر تلك الأموال، وتبقي أفضلية المناضلين وحاملي الفكر الحداثي مجرد منتجين للفكر ومؤطرين للحملات الانتخابية، وتنتهي مهامهم بانتهاء تلك الحملات. ولعل هذه الثقافة التي سادت الي حدود الانتخابات الأخيرة (في انتظار الثقافة التي ستؤطر الانتخابات القادمة)، ساهمت بشكل كبير في تعثر تنمية الفكر الحداثي لدي أحزابنا المغربية وبلورته واعتماده وتنفيذ أدواته، وحالت دون اعتماد تلك الأدوات الحديثة في التدبير السياسي ببلادنا والرفع من مردوديته ونتائجه وانعكاسه علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطن المغربي، وطبعا مثل هذه الشروط لا تفسح المجال أمام التنافسية في انتاج المشاريع المجتمعية الحديثة، وفي فتح المجال أمام الاحزاب للاجتهاد في ابداع ما يمكن من بروز التفاوت في البرامج الانتخابية لفتح المجال واسعا أمام اختيارات الناخب المغربي، ولتتشكل بعد ذلك خريطة سياسية حقيقية بالبلاد، تعكس حقا ارادة الشعب المغربي واختياره، وتفرز حكومة مسؤولة أمام الناخب، وأمام الشعب المغربي بكل مكوناته الثقافية والسياسية.والي جانب هذا طبعا، فان بلادنا غير معزولة عن باقي التأثيرات الخارجية والاملاءات الصادرة تجاهنا من الدول العظمي، التي ترتبط مصالحها بما يحدث من تحولات ببلادنا، وهي تحرص أشد الحرص، علي أن تتم تلك التحولات لصالح حماية مصالحها، قبل ضمان وحماية مصالح المواطن المغربي، وبكل تأكيد ما دامت الاحزاب المغربية تشتغل بالثقافة التي تحدثنا عنها أعلاه، فانها ستكون غير قادرة علي مواجهة ما تفرضه علينا القوي الخارجية من نماذج سياسية، وثقافية، وتكوينية حتي، تحول دون تطبيق هذه الاحزاب لبرامجها وتحقيق تطلعات الجماهير الشعبية المغربية. بلادنا تقع اليوم في موقع الانتقال الديمقراطي، والذي يتطلب من كل هذه الاحزاب والي جانب المجتمع برمته، المساهمة الفعلية في نجاح هذا الانتقال والتعجيل بمدته الزمنية حتي لا نظل ننتقل ديمقراطيا عمرا طويلا كما حدث لنا مع المسلسل الديمقراطي الذي عمر ببلادنا أكثر من اللازم، ويعتبر نجاح هذا الانتقال الديمقراطي علي النحو الذي يطمح اليه الشعب المغربي احد الشروط الأساسية للمرور الي تنفيذ أدوات الحداثة التي ينتظر من أحزابنا أن تعتمدها في برامجها المجتمعية، والتي بواسطتها ستتمكن بلادنا من اللحاق بالركب العالمي، المتميز بالتنمية الاقتصادية والبشرية، القادرة علي تحقيق متطلبات الشعب المغربي والاستجابة للمرحلة التاريخية التي تلبي انتظاراتنا الآنية والمستقبلية. فما تقوم به بعض الاحزاب الجادة في هذا الاتجاه، هو محاولة جعل مفاهيم الحداثة التي انشئت في بيئة غربية، أن تنصهر بشكل صحيح ومقبول في بيئة عربية مغربية، وهو ما يتطلب منها جهدا جهيدا، والماما كبيرا بدراسة الواقع المغربي، وأدوات تطوره وتطويره، لأن بناء المشاريع المجتمعية، وتحديث الثقافة ومفاهيمها الفلسفية ووضع الاطروحات والنظريات السياسية، لا تتم كما نعرف فوق أرضية علمية منفصلة عن المجتمعات البشرية، شأنها شأن النظريات العلمية (كالرياضيات والفيزياء). ہ كاتب مغربي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية