قســـــوة
عبد اللطيف الزكريقســـــوة ثم رأيت القطة، تحمل في شدقها صغيرها المولود حديثا، تمشي به في خفة الي مكان آمن من الشارع الفرعي للحي الذي أسكنه، حدقت في القطة أختبر أمومتها وهي تشد علي صغيرها، كانت قطة صهباء…. ثم تذكرت ما قاله حسن الرباطي عن الطفل الرضيع الذي وجدوه، في بكرة الصباح، مركونا الي باب بيتهم، في الحي الراقي، ملفوفا في قماط أبيض موضوعا في صندوق من الورق المقوي. كان الرضيع يبكي بشدة تمتحن آدمية المدينة كلها، ولم يكن من بد في اخبار الشرطة لتقوم بواجبها، وعرفت من بعد أن الرضيع منح الي احدي الجمعيات الخيرية…. ثم صرت أتجول في شوارع المدينة، فارغا من كل شغل كأني لا أتطلع الي شيء، وكانت بي رغبة قوية في معرفة أعراض مرض القسوة الذي ألم بكثير من ناس مدينتنا، بحثت عن سر هذا المرض في الصحف اليومية والأسبوعية، فما وجدت الا نثارا قليلا من المعلومات أكثرها غير موثوق بها! وكان حالي في هذا البحث كالقابض علي الماء…. ثم عدت الي المنزل متعبا خائبا أبحث عن لحظات هدوء أسترخي فيها وأشبع نهمي من التفرج علي قنوات التلفاز، فما وجدت من قناة تروقني لحظات قليلة الا أصابني معها ملل مفاجئ كأنه ضربة شمس في شتاء قارس البرد!… ثم حاولت أن أبدد الملل بالقراءة، ووجدت بغيتي في كتاب جميل، كان خير جليس لي، صرت أقرأ بدون توقف، حتي عثرت علي جملة أصابتني بالدوار من جراء قسوة كاتبها، فنفضت يدي من الكتاب، وخرجت من المنزل، من جديد…. ثم بحثت عن القطة فوجدتها قد كومت سبعة صغار يموؤون بصوت واحد منسجم، كأنهم بصدد تلاوة نشيد… حدقت في الصغار وكانت أمهم غائبة…… ثم صرت أتجول مفكرا في حياتي، فما وجدت حلا لما ينتابني من شرود غير مبرر، طوال أيام، بل طوال أسابيع… كنت وأنا أتجول أقرأ في وجوه الناس الكالحة، فما أستطيع فك شيفرة هذه الوجوه. وأحيانا كنت أري وجوها صبوحة كأنها تضيء بالنور فأتعجب من حياة هؤلاء الناس، كيف يسودون وكيف يبيضون في الآن نفسه. وبينما أنا أسير في الشارع الرئيسي للمدينة اعترضتني طفلة صغيرة تستجديني صدقة، فما ترددت في الاستجابة لطلبها وان كان الأمر أفدح من أن أعالجه بالاستجابة الفورية، فهؤلاء المتسولون قد كثروا في المدينة، تتردد علي شفاههم طلبات الصدقة بمذلة لا نظير لها…ثم وأنا أسير، عثرت بحجر ناتئ من حفرة كبيرة . توقفت برهة قبل أن أستأنف مسيري، أفكر في اشكالية الحجر والبشر…ثم عدت الي بيتي مهدودا مكدودا لا ألوي علي شيء، وما بي حاجة الي شيء أكثر من الحاجة الي النوم، وتذكرت قول الشاعر:(ناموا ولا تستيقظواما فاز الا النوم)رددت في نفسي قول هذا الشاعر، وأنا أكن الاعجاب له كيف عرف أحوال البشر الذين هم كالحجر، ونمت دون تردد ! … ثم استيقظت في الصباح علي أصوات عمال البناء في العمارة المجاورة لمنزلي، كانوا يرفعون الألواح والحديد الي الطابق السابع …ہ قاص من المغرب0