بالطبع، ليست هذه أول مرة تعلن فيها الحرب على الفساد في بر مصر، لكنها ربما تكون أعنف مرة، فقد طلب الرئيس السيسي تصفية مافيا الاستيلاء على أراضي الدولة في أسبوعين، وكان الإعلان حاسما بألفاظه في مؤتمر «المراشدة» بالجنوب، وعلى طريقة «احنا مش في طابونة»، وهو تعبير مصري يراد به رفض الفوضى، أعاد الرئيس التأكيد عليه في حوار مرتب مع رؤساء تحرير الصحف الحكومية، هدد فيه باستخدام السلاح وصلاحيات حالة الطوارئ ضد النهابين الكبار.
وقال السيسي، إن كل الأراضي جرى الاعتداء عليها، بما فيها أراضي الزراعة والبناء والظهير الصحراوي والسياحة، وكل صور ملكية الدولة للأراضي، وإن استثنى الأراضي الموجودة في حوزة القوات المسلحة، واعتبر أنها الوحيدة الناجية، وقد لا يكون من تقدير مالي نهائي لقيمة الأراضي المسروقة، وإن كانت التقديرات تذهب في المتوسط إلى ثلاثة تريليونات جنيه، أي ما يساوي مجموع ديون مصر الداخلية والخارجية معا، وقد ضرب الرئيس مثلا بقيمة أراضي العاصمة الإدارية الجديدة، وقال إنها نحو 175 ألف فدان، تساوى في أقل تقدير مالي 750 مليار جنيه، وقاس على ذلك ما يمكن توقعه من حصاد حملة استرداد أراضي الدولة المنهوبة، التي تزيد قيمة فدان الظهير الصحراوي فيها إلى مئة ألف، وفي أماكن أخرى إلى ملايين، وقد تصل مساحاتها الكلية إلى ثلاثة ملايين فدان، والأرقام فلكية عموما، ويترقب الناس ما قد يسترد منها، ونتائج الحرب الجديدة على امبراطورية لصوص الأراضي، وقد هدد الرئيس باستخدام السلاح، إذا رفع اللصوص سلاحهم في وجه الدولة، وهو ما يرفع من سقف التوقعات، خاصة أن السيسي تعهد بعرض الأمر كله على الرأي العام، وقرر عقد مؤتمر يذاع على الهواء، يجمع فيه المسؤولين وقادة الجيش ومديري الأمن وأجهزة الرقابة، على أن يعرض كل طرف ما جرى استرداده في الأسبوعين المضروبين.
ولا نريد أن نستبق الحوادث، ولا أن نصادر على المطلوب، وإن كنا نؤكد أن هذه الحرب ليست سهلة، وأن صدمة الرأىى العام ستكون كبيرة، لو أن النتائج جاءت كما في كل مرة سبقت، فقد سبق أن تشكلت «اللجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة»، ووضع الرئيس على رأسها المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق والمساعد الوحيد المعين لرئيس الجمهورية حاليا، وأعطيت اللجنة كافة الصلاحيات، وجعلوا سكرتاريتها من اختصاص الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وكانت تقاريرها في البداية تصدر أسبوعيا، وأعلنت أنها فحصت نحو 60 ألف فدان من الأراضي المنهوبة، وأقامت بعض مزادات بيع لأراض مستردة، لم تتجاوز عوائدها بضع مئات من ملايين الجنيهات، ثم بدا فجأة، أن اللجنة أصيبت بما يشبه السكتة الدماغية، ولم يعد أحد يسمع لها صوتا، وضاعت أعمالها في دهاليز ما يسمونه «توفيق الأوضاع»، إلى أن قرر السيسي تشكيل اللجان الجديدة في مؤتمر «المراشدة» أواسط مايو 2017، وطلب استرداد الأراضي كلها في أسبوعين، وقرر الاعتماد المكثف على ذراع القوات المسلحة هذه المرة، وجعل قادة الجيوش والمناطق العسكرية في وضع المسؤولية المباشرة.
وسبق للرئيس أن أعلن قبل سنة عن رقم مفزع، وقال إن 300 ألف فدان جرت سرقتها من أراضي مشروع المليون ونصف المليون فدان الجديدة، وأصدر أمرا بوضع كل الأراضي المحيطة بشبكة الطرق الجديدة تحت إشراف الجيش، ومن وقتها، لم يعلم الرأي العام حقيقة ما جرى، وهل جرى استرداد شيء من الأراضي المنهوبة قديما أو حديثا؟ وإن ظل لسان حال الرئيس على حاله، فقد شكا الرئيس علنا من أدوار معيقة للوزارات والجهات البيروقراطية، وحملها ـ في مؤتمر الشباب الأخير ـ مسؤولية تعطيل مشروع المليون ونصف المليون فدان، بعدها توالت عملية توزيع الاتهامات المتبادلة بين وزارات الزراعة والري وشركة «الريف المصري» التابعة لرئاسة الوزراء، وهكذا ضاعت القصة كلها في فوضى، وتحولت الدولة إلى «طابونة»، كما يخشى الرئيس، وهو ما نخشى أن يتكرر مع حرب الرئيس الجديدة ضد مافيا الأراضي، فقد سارعت البيروقراطية الحاكمة للتحرك على طريقتها، واجتمع مجلس الوزراء مع المحافظين، وصدر عن الاجتماع بيان لافت، يقول إن عشرات الآلاف من المعتدين على أراضي الدولة، تقدموا بطلبات لتوفيق الأوضاع، وإن الدولة سوف تنظر في طلبات من أسمتهم «الجادين»، وهكذا جرى إلقاء دش بارد مبكر على دعوة الرئيس الحارة الغاضبة، وجرت محاولة «لف الفيل في منديل»، وإغراق الناس في أنباء تشكيل اللجان المتفرعة عن اللجان، والبحث في عمليات «توفيق»، هي «كلمة السر» التي لا ينفد مفعولها، ولا تنتهى أبدا إلى غير إقرار الأمر الواقع الناهب، وعلى طريقة ما جرى في سوابق لجنة محلب، التي قدرت في مرة مبلغ مليار جنيه مقابل 18 ألف فدان سرقها رجل أعمال نافذ، وصمم الرجل على عدم دفع ما يزيد عن 250 مليون جنيه، ثم ضاعت القصة كلها في دهاليز المساومات واللجوء الصوري للمحاكم، وهو ما قد يتكرر مرة أخرى ومرات، ونجد أنفسنا أمام سلال وتلال من التقارير، لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، ويجري إعلانها في مؤتمر المسؤولين الذي دعا إليه الرئيس، ثم يقال لك بعدها، «إن كل شيء تمام» بلغة البيروقراطية المصرية العتيدة، وهو ما ينكره الرئيس في حواره الأخير مع رؤساء تحرير الصحف الحكومية، ويعترف بصراحة بأن كل شيء ليس تماما.
نعم، هناك خطر حقيقي أكبر من مافيا الاستيلاء على الأراضي، هو مافيا الاستيلاء على القرارات التنفيذية، وزرع الشياطين في التفاصيل، والتحايل على قرارات الرئيس، وسلبها من قوة الاندفاع فيها، وبدعاوى الملاءمات والدرس والفحص، والتخوف على مناخ «الاستحمار» الذي يسمونه استثمارا، والوصول إلى غاية إلغاء قرارات الرئيس نفسه، والأمثلة فوق أن تعد.
فقد سبق أن جرى إلغاء قرار الرئيس بفرض «ضريبة اجتماعية» إضافية على الأغنياء، وجرى إيقاف قرار الرئيس بفرض ضريبة متواضعة على الأرباح الرأسمالية في البورصة، بل جرت إعاقة إعادة فرض دمغة الواحد في الألف بالبورصة، وقد لا تكون من حاجة إلى تذكر ما جرى بدعوة الرئيس الأولى لإنشاء «صندوق تحيا مصر»، فقد توقع الرئيس في أول عهده، أن يجمع الصندوق مئة مليار جنيه في أول أسبوع، واجتمع مرات مع من يسمونهم برجال الأعمال، وفوجئ بإحجام ملياريرات النهب العام عن الدفع، وهو ما دفعه إلى تهديدهم علنا بعدها بشهور، وأطلق قولته الشهيرة في خطاب عام «هتدفعوا يعنى هتدفعوا»، وكانت النتيجة على ما نعرف، فلم يدفع أحدهم مليما، بل زادت وطأة التحالف القاتل بين البيروقراطية الفاسدة وملياريرات المال الحرام، وفرضت شروطها كاملة، وحمل الفقراء والطبقات الوسطى أعباء وفواتير الاقتصاد المنهك، واحتكرت السلع، وألهبت الأسعار، وجعلت حياة غالبية المصريين جحيما، وزادت في جنون الدولار وهلاك الجنيه، وهربت مئات المليارات إلى الخارج ومناطق «الأوف شورز»، ودون أن يفكر أحد في استرداد حق الدولة، ولا في تحصيل الموارد الضائعة، ولا في وقف التهرب من الجمارك والضرائب، وقد بلغت فاتورة التهرب الضريبي وحدها 400 مليار جنيه سنويا بالأرقام الرسمية، بينما جرى دفع الرئيس إلى الموافقة على خفض الحد الأقصى لضرائب الدخل، وجعلها 22.5% بدلا من 25%، مع أن «الضريبة التصاعدية» مبدأ معترف به في الدنيا الرأسمالية كلها، ويصل متوسط حدها الأقصى إلى 50%، بل تصل في دول متقدمة إلى 70%.
كل ذلك جرت تنحيته جانبا، والتركيز فقط على قرارات إعدام فرص حياة الفقراء والطبقات الوسطى، بدعوى «إصلاح اقتصادي» لا يقوم أبدا، فلا تكاد تلحظ في الصورة العامة سوى إنجازات كباري وطرق وأنفاق ومحطات طاقة، تنهض بها غالبا هيئات الجيش، وسوى اكتشافات غاز وبترول مثيرة للأمل، وحرب ضد الإرهاب، ثم ضع من فضلك خطا فاصلا، لا تجد بعده سوى السيطرة المتفشية لامبراطورية اللصوص، وسيطرة ممثليها بالذات وبالواسطة على أغلب دوائر الحكومة والبرلمان والجهاز الإداري، وسيطرة جماعة البيزنس على أغلب وسائل الإعلام بالشراكة مع جماعة الأمن، وهو ما يصنع البيئة المعاندة لأي قرار إيجابي يتخذه الرئيس، وبحسب الوصفة المشهورة في ميراث البيروقراطية اللعينة، وهي أن تبدي التأييد والحماس الظاهر، ثم تتفرغ بعدها لوضع العصي في العجلات، والوقف العملي لتنفيذ ما لا يروق للمصالح الكبرى المتحكمة، والتعويل على قاعدة أن كل شيء ينسى بعد حين، وهذا أكبر خطر يواجه قرار إعلان الحرب على مافيا الأراضي.
وليست القصة في تأخر قرار الرئيس، فقد قال إنه يتحرك طبقا لخطة في ذهنه، وإنه حرص على تثبيت الدولة أولا، وبث الاطمئنان العام، قبل أن يقرر أخيرا الضرب بيد من حديد على مافيا الفساد، وهو ما نأمل يقينا أن يحدث، حتى لو كانت البداية بتصفية مافيا الاستيلاء على أراضي الدولة، وإن كان كسب المعركة يستلزم تعبئة شعبية عامة، واختيارات اقتصادية أخرى، واختيارات سياسة تفكك احتقانا عاما، وتطلق الحريات العامة، وتقشع الظلام الذي تحتمى به خفافيش الفساد.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل