هناك معرض صغير في هذه الايام ينظم في الجامعة الامريكية في القاهرة. لا تعرض فيه الرسومات أو التماثيل، بل أغراض شخصية لنساء مميزات، بعضهن معروفات، مثل الممثلة اللبنانية ريم الجندي، أو المناضلة المصرية من اجل حقوق الفلاحين، شاهندة مُقلد، وأخريات غير معروفات ظهرت أسماؤهن في السجلات التاريخية. مثلا المرأة النوبية صفية جمال التي تم طردها من بيتها الذي يوجد في موقع سد أسوان، أو راوية محمد التي بدأت تعمل وهي في جيل 12 سنة. والمعرض هو جزء من مشروع التاريخ الشفوي للمركز المصري الذي أنشيء في العام 1992 ويسمى «المرأة والذاكرة».
الهدف من المشروع حسب الادارة فيه ليس فقط تقديم النساء الشجاعات للجمهور، بل ايضا خلق رواية بديلة عن الرواية الرسمية. وتقديم هؤلاء النساء اللواتي ناضلن من اجل حقوقهن ونجحن في احداث التغيير في المحيط القريب، حتى لو لم يؤد ذلك الى ثورة وطنية.
بهذه الروح تم اختيار الأغراض المعروضة، مثل صور عن جوازات سفر نساء من الدول العربية للاثبات أن حركة النساء من اجل التحرر ليست حركة محلية فقط. وفي المعرض توجد اغراض لـ 21 امرأة. وتطمح ادارة المشروع الى اقامة متحف عربي للنساء.
من ضمن المعروضات يمكن رؤية شهادة دكتوراة في الطب حصلت عليها كواكب حفني ناصف في العام 1933. وقد كانت كواكب هي المرأة المصرية الاولى التي أنهت دراستها في معهد طب النساء في جامعة لندن، في الفترة التي كان فيها سفر النساء من اجل الدراسة موضوع استثنائي جدا.
وهناك ايضا عدد من المفاتيح الملونة التي تشير الى عدد الشقق التي اضطرت عائلة احدى النساء الى السكن فيها عندما انتقلت الى القاهرة، كاشارة الى معاناة النساء بشكل عام.
المعرض لا يقتصر فقط على الحديث عن الذاكرة الجماعية للنساء ، بل هو ايضا يعرض التاريخ المصري والعربي من زاوية الحنين الى الماضي، بما يشبه «لا تقلقوا، أنا في حالة جيدة»، وهو ايضا يعيد الزائرين الى عهد أنور السادات الذي قام بقمع معارضيه في اليسار بشدة.
ضحية من ضحايا مطاردة الرئيس الذي فتح أبواب مصر أمام الغرب، كانت شاهندة مقلد، إبنة قرية كمشيش في المنوفية.
اضافة الى كونها نشيطة يسارية، كان زوجها النشيط الماركسي صلاح حسين، كان هي نفسها مؤيدة متحمسة لجمال عبد الناصر. وقد قامت بتنظيم رحلة لخمسين شخص من أبناء القرية الى بور سعيد بعد هزيمة مصر في حرب الايام الستة للتعبير عن تأييدهم للرئيس عبد الناصر. ولكن علاقتها بعبد الناصر كانت شخصية ايضا. وقبل ذلك بسنة، في العام 1966، قتل زوجها كما يبدو على أيدي اشخاص من عائلة الفقي التي كانت تسيطر على اراضي القرية.
وفي حينه أمر عبد الناصر باجراء تحقيق في القتل وتمت مصادرة أراضي عائلة الفقي. وحسب كتاب المؤرخ حمادة حسني الذي نشر في العام 2011، سمحت السلطات المصرية لمُقلد بأن تطلع على تفاصيل التحقيق وأن تشارك فيه ايضا.
هذه العلاقة الوطيدة بين عائلة شاهندة وبين عائلة الرئيس بدأت قبل ذلك بسنوات، اثناء زيارة تشي جيفارا الى مصر في 1950، حيث ذهب جيفارا برفقة عبد الناصر لزيارة القرية التي ذاع صيتها. ومقلد قررت استغلال هذه الفرصة. فقامت بتعليق لافتة على الجسر كتب عليها «سيدي الرئيس، نحن منقطعون عنك، لا يسمحون لنا بالتحدث معك، لكننا قرية ثورية ونحن نقف الى جانبك». وقد توقفت قافلة جيفارا وعبد الناصر قرب اللافتة، ونزل الرئيس والضيف من السيارة وقاما بمعانقة الثورية الشابة.
لا حاجة الى تفسير ماذا كان فعل هذا العناق على مقلد ومكانتها كمناضلة من اجل الفلاحين. وقد كان هذا الموقف حاضرا أمام السادات عندما أصبح رئيسا فيما بعد، فأمر باعتقالها. لقد تم اعتقال مقلد ثلاث مرات، إلا أنها في المرة الثالثة هربت من السجن فتم ادخال إبنها ناجي بدلا منها الى السجن. وعندما كانت مقلد في السجن قامت بارسال رسالة كتبتها على ورق المراحيض الى ريم سعد، إبنة وداد المطري، المناضلة من اجل حقوق الانسان والنشيطة اليسارية المعروفة. وختمت رسالتها بكلمات «لا تقلقوا، أنا بحالة جيدة». وقد تم تبني هذه الكلمات من قبل منظمات المعرض، وتحولت الى رمز يهدف الى التعبير عن مخاوف النساء أي طالما أنهن يستطعن النضال من اجل حقوقهن فهن بحالة جيدة حتى لو كن في السجن.
الحقيقة بعيدة عن ذلك.
فمكانة النساء في مصر لم تتحسن بعد الربيع العربي. صحيح أن القانون يمنحهن أدوات جيدة للدفاع عن أنفسهن، إلا أن القيود الاجتماعية تمنعهن من استخدام هذا القانون بشكل ناجع. ورغم ذلك هناك ادراك في الرأي العام المصري حول تحسين مكانة النساء. هذا التغيير في الوعي تم بفضل منظمات النساء التي بدأت تنتهج طرق عمل جديدة، مثل المتحف الذي كُتب عنه هنا قبل بضعة اسابيع والمعرض الحالي.
هآرتس 22/5/2017