كتبتُ الأسبوع الماضي في هذه المساحة أنه «ما لم تحدث معجزة»، ستشارك حركة «حمس» في الحكومة الجزائرية كما يتمنى محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ويطلب.
وها قد حدثت المعجزة وصوّت المجلس الشوري للحركة بأغلبية مطلقة لعدم المشاركة. التصويت مؤشر على أن الحركة تغيّرت، ولو قليلا، وأن رئيسها، عبد الرزاق مقري، يمسك بزمام الأمور، إلى الآن.
لا جدال في أن التصويت بـ»لا» أفاد «حمس» قبل غيرها، وخفف من حجم الضرر الذي أصاب العمل السياسي في الجزائر والمعارضة السلمية كقيمة نبيلة.
لكن مهم التوضيح أن قرار عدم المشاركة ليس سببه احتجاج «حمس» على خراب العمل السياسي كله في الجزائر وإصرار النظام الحاكم على قيادة البلاد نحو المجهول. وليس احتجاجا على استمرار الخنق السياسي والإعلامي والنقابي والشلل الاقتصادي. وليس بدافع الاحتجاج على هذا النظام الحاكم الفاسد والفاشل. السبب هو تزوير الانتخابات بشكل حَرَم الحركة من عدد معين من المقاعد النيابية كانت ستحصل عليها لو كانت الانتخابات أقل تلوثا.
إذاً، هو احتجاج على جزئية غلط في مشهد عام مشوه كله ومنحرف.
هي المرة الأولى، عندما يتعلق الأمر بجلبها إلى مائدة الكعكة الحكومية، تَعدُ الحركة وتفي، تهدد وتنفذ. المرة الأولى يتغلب تيار الزهد والعقل على تيار المصالح والمزايا المادية التي تترتب عن المشاركة الهامشية في حكومة لا تملك من قراراتها شيئا.
البحث في أسباب صمود الحركة هذه المرة يقود نحو عدة اتجاهات، أبرزها أن زعيمها ممسك جيداً بمفاصل القيادة ويحظى بثقة أغلب مكونات صنع القرار.
هناك أيضا اليقين أن الحكومة تتجه نحو طريق مسدود وفشل ذريع، وأنها ليست مؤهلة لقيادة التغيير، وأن السلطة تبحث عن شركاء يتحملون معها عبء الفشل المقبل ويتقاسمون معها كتلة الغضب الشعبي المتراكم. ما يعني في نظر «حمس»، وغيرها، أن الخسارة أكبر من الربح، وأن المشاركة لن تجلب لأصحابها إلا اللعنات.
ويهم كذلك التوضيح أن تعفف «حمس» عن المشاركة في الحكومة لا يجد تفسيره في الحركة وحدها، بل كذلك في الطرف المقابل ممثلا في السلطة. هذه الأخيرة فقدت على ما يبدو أدوات إقناع الناس بالانضمام إلى صفوفها.. لا بالإغراء ولا بالترهيب. (حتى الذين تبنّوا بشراسة خيار المشاركة من قياديي «حمس» دفاعا عن مصالحهم المادية الشخصية وحمايةً لأنفسهم من مفاجآت الدهر، مثل أبو جرة سلطاني، وجدوا أنفسهم أقلية، وقد كانوا في الماضي القريب أكثرية).
هل لاختفاء اللواء محمد مدين، مدير المخابرات السابق، علاقة بهذا التطور؟ يصعب الجزم، لكن يجوز التذكير بأن الرجل كانت لديه طرقه الخاصة في جلب السياسيين والحزبيين إلى ما تريده السلطة. ولا شك أن هذه الطرق كانت تتراوح بين الإغراء والترهيب و»المستمسكات».
بيد أن التصويت بعدم المشاركة في الحكومة ليس النهاية، بل البداية وربما سيكون له ما بعده.
على قادة «حمس» أن يتذكروا بعد اليوم أنهم قالوا «لا» للرئيس بوتفليقة. وفي ثقافة بوتفليقة، الفرد والمجموعة المحيطة به، لا أحد يجرؤ على قول لا لأن «طلب» المشاركة، مثلا، هو أقرب إلى أمر. بوتفليقة من صنف الرجال الذين يرون «لا» هزيمة شخصية وتشكيكا في عبقريتهم.
لن يغفر بوتفليقة (الشخص والمجموعة) للحركة موقفها هذا، وسيدفّعها ثمنه عاجلا أم آجلا.
على قادة «حمس» أن يتذكروا أحمد بن بيتور وعلي بن فليس وعبد العزيز رحابي وعبد الحميد أبركان وغيرهم. صحيح أن هؤلاء كانوا محسوبين على السلطة ودفعوا الثمن عندما حاولوا التمرد، لكن موقف «حمس» اليوم يختلف في التفاصيل فقط.
ستكون هناك محاولات شق صفها بإغراء قياديين آخرين بالالتحاق بالحكومة. وهناك دائما طمّاعون وانتهازيون يستسلمون عند أول امتحان. عندئذ ستكون مشاركة هؤلاء باسم الحركة لكي تجد قيادة الأخيرة نفسها مجبرة على تمضية وقتها وبذل جهدها طول الوقت في إعلان براءتها منهم.
وستكون هناك محاولات إقناع آخرين بالانشقاق عن قيادة الحركة وتشكيل حزب جديد بمرجعية مشابهة. وستُوفر السلطة وأدواتها الإدارية للوليد الجديد التسهيلات المطلوبة لكي ينتشر إعلاميا وشعبيا، ويسحب معه جزءا من منتسبي الحركة في الأوساط الشعبية.
وعلى رئيس الحركة أن يستعد هو الآخر لمعركة الحفاظ على منصبه وتماسك حزبه. فالوارد أن يتحرك قياديون في مستويات مختلفة للطعن في شرعية الرجل وإعلان تمردهم عليه بحجج جاهزة منها تفرده بالسلطة وخروجه عن «الخط الأصيل» للحركة.
وسيحظى أصحاب هذا التحرك من أول يوم بالتغطية الإعلامية والإدارية المطلوبة لأداء مهمتهم المقدســــة المتمثلة في إسقاط رأس مقري.
«حمس» مقبلة على أعاصير لن يخرجها منها بسلام إلا تماسكها وصبرها. ستكون هذه الأعاصير بمثابة الامتحان الحقيقي والإشارة الأقوى على صحة وعمق قرار مقاطعة الحكومة: هل أملته قناعة صادقة، أم غضب من نيل عدد معين من المقاعد البرلمانية بدلا من عدد أكبر.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي