مرة اخرى يجد القصر الملكي الاردني نفسه مضطرا امام الواقع الموضوعي للاستفسار والتصرف والعمل على ايجاد حلول مقترحة لمشكلات ينبغي ان تناقشها وتدرسها الحكومة او تقع ضمن مسؤوليات عشرات المسؤولين الذين يتقاضون رواتب كبيرة من الخزينة.
هي مفارقة اصبحت دائمة ومؤسفة حيث تضطر المؤسسة السيادية والمرجعية للتدخل في معالجة تقصير مؤسسات ادارية لا تفعل شيئا في الواقع سوى ادامة بعض المشكلات والتحديات والاجتهاد في صناعة المزيد من العبث والسلبية بمعنى اختراع مشكلات جديدة.
بين ما علمنا به مؤخرا معلومة تتعلق بلقاء خاص بين المرجعية الملكية وخمسة اطباء اردنيين حققوا نجاحات باهرة في العالم وبينهم جراحون كبار ومستشارون اكبر تعتد بهم مؤسسات طبية دولية.
وجهت أسئلة لهؤلاء عن تفسيرهم لأسباب الركود المفاجئ في القطاع الطبي الاردني حيث تشتكي المستشفيات في القطاع الخاص وحيث تقلص مردود السياحة والزيارة العلاجية للأردن الى مستويات حرجة وغير مسبوقة .
سمعة القطاع الطبي الاردني كانت عبارة عن انجاز كبير طوال العقود الخمسة الماضية وقد فوجئ حتى القصر الملكي بان بعض الحالات الطبية الامريكية المستعصية لمواطنين يحملون الجنسية الأمريكية كانت تشخص وتعالج في الاردن ليس فقط بسبب مهارة وسمعة وكفاءة العاملين في القطاع من الاردنيين ولكن ايضا بسبب قلة التكلفة قياسا بالولايات المتحدة وغيرها .
عموما نجح طرفان في تحويل استثمار ناجح ليس بالمعنى المالي والرقمي فقط بل بالمعنى الوطني والانساني والاخلاقي ايضا الى استثمار بائس يقال انه بدأ يلفظ انفاسه الاخيرة حيث اختفت تلك الفورة الطبية التي رفعت اسم الاردن بالعالي.
وحيث بدأت المراكز الطبية الحديثة التي تميزت بالكفاءة الطبية تشتكي من تقلص الدخل والمردود الذي ينعكس بالنتيجة على واردات وعائدات الخزينة من الضرائب خلافا لأنه ينعكس على مجمل تلك الخدمات المرافقة لخدم السياحة العلاجية او الزيارة بقصد الاستشفاء والعلاج .
جهتان مسؤولتان بالضرورة عن الوضع المتردي الذي دفع حتى القصر الملكي للاستفسار والتساؤل وقبل ذلك للاهتمام حيث يبدو واضحا ان الحكومة لا يوجد لديها نفس طويل للمتابعة وان وزارة الصحة مشغولة بذلك التراكم المألوف والطبيعي للموظفين والمستشارين الذين يعيقون الحركة فيما بدا ان سمعة القطاع الطبي الرسمي التي كانت مفخرة على المستوى العربي والدولي تنحسر لصالح اطراف اخرى في المنطقة من بينها تركيا مثلا .
الجهة الاولى تمثل اخفاق القطاع الطبي الاردني نفسه في ترسيم حدود اخلاقية ما بين المهنة وعوائدها الربحية الطبيعية وما بين تحويلها الى بزنس مرضي مهووس بالأرباح استمر لسنوات وسط تراكم جشع المستثمرين في القطاع وبعض كبار الاطباء وبصورة ادت الى ولادة طبقة طفيلية من سماسرة المرض والامل والشفاء الاردنيين الذين يرغبون بدورهم في اصطياد المرضى الاجانب والعرب والوافدين مما زاد من تكلفة وفواتير العلاج .
ليس سرا هنا ان حالة ثراء فاحشة طالت العديد من الاطباء خلال العقد الماضي وان بعض عمليات النصب والاحتيال من ضعاف النفوس في القطاع اضرت بسمعة الطب الاردني التي كانت ولازالت ايجابية وتبعث على الاعتزاز .
وليس سرا ان بعض العاملين في القطاع ابتكروا مبالغات في العلاج لأسباب مالية وان المؤسسات الرقابية المعنية سواء كانت رسمية او اهلية اخفقت في ضبط سلوك من خطط ودبر للاستثمار والربح على حساب المهنة كما اخفق في منع السماسرة من استغلال المرضى الوافدين .
لا احد يريد ان يعمل في الاردن على معالجة حقيقية لجذر المشكلات .. كنا نغني دائما هذه الاسطوانة في وجه السلطة والحكومة لكن حتى في القطاع الخاص تذوب تلك القيم والمعايير الاخلاقية والاحترافية لصالح معادلات الارقام والاموال .. نقولها بنفس الجرأة ايضا في بعض القطاعات الخاصة وعلى رأسها القطاع الطبي ثمة تقصير شديد في معالجة مؤشرات الشذوذ في المهنة وفي مواجهة الجشع والاستغلال والارتجال .
رواد البزنس الطبي حققوا عوائد بالمليارات طوال السنوات العشر الماضية وبعضهم استغل حتى الاطباء لأن الفريق الطبي في المملكة ينقسم الى جزأين الاول محظوظ جدا والثاني اقل حظا ويعمل اكثر . بكل حال ساهم القطاع الطبي نفسه ببروز المشكلات التي يعاني منها الان لان التخطيط لم يكن استراتيجيا بقدر ما انتشرت مظاهر الغيرة والرغبة في الاثراء السريع بين الاساسيين في هذا القطاع فكانت النتيجة مماثلة لما يحصل اليوم : حصل البعض على ارزاقهم خلال فترة طفرة مستغلين عناصر الامن والاستقرار في البلاد ثم توقفوا عن الربح والعمل في كثير من الاحيان الآن .
مدير لاحد اكبر المشافي في القطاع الخاص في العاصمة عمان اقر بوجود خلل في التخطيط الاستراتيجي .
لكنه سلط الضوء بالمقابل على الجهة الاخرى التي يمكن تحميلها المسؤولـــــية فقــــرار امني بيروقراطي صغير جدا من طراز اجبار المواطنين اليمنيين على الحصول على تأشيرة مسبقة قبل زيارة الاردن للعلاج انتهى بان خسر القطاع الطبي ما لا يقل عن 650 مليون دولار حيث كانت عمان محجا للمرضى من السودان وليبيا واليمن واليوم تقطف تركيا هؤلاء الذين يدفعون مئات الملايين من الدولارات .
غريب جدا ان الحديث عن الخسائر الكبيرة والركود في القطاع الطبي لا يحاول تحديد المسؤول عن قرار تقييد التأشيرات ولا اسباب هذا القرار والاغرب انه لا احد يتحدث عن الغاء هذا القرار لاستئناف النشاط في القطاع وتلك بحد ذاتها قصة اردنية اخرى .
٭ مدير مكتب «القدس العربي»
بسام البدارين