أمريكا لإيران شكرا

حجم الخط
1

تميز خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام القمة الأمريكية الإسلامية في الرياض يوم الأحد 21 مايو الجاري بألفاظ دقيقة، توهم السامع بأنه جاء ليقدم المساعدة لإخراج المنطقة مما تعانيه من ويلات ومصائب وحروب وصراعات، وبالأخص في مواجهة العدوان الإيراني على الدول العربية وشعوبها منذ ثلاثة عقود. فقد كان من المتوقع أن يوجه ترامب، وهو أمام رؤساء خمسة وخمسين دولة إسلامية، تحذيرا كبيرا وتهديدا خطيرا لإيران بتغيير سياستها في المنطقة، وإلا فإن أمريكا سوف تتخذ إجراءات قوية لإلزامها بذلك، وبالأخص أن هناك إجماعا عربيا وإسلاميا على أن إيران ما قامت بهذا العدوان على الدول العربية، إلا بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية السابقة في عهد باراك اوباما.
ولكن ذلك التوقع لم يحصل، بل أخذ ترامب أولاً يذكر التهديدات الإيرانية في المنطقة، فقال: «إن حرمان الإرهابيين من أراضيهم وتمويلهم والجاذبية الكاذبة لايديولوجياتهم الجبانة، ستكون أساساً لهزيمتهم. ولكن لن يكون هناك نقاش حول القضاء على هذا التهديد بالكامل، من دون الإشارة إلى الحكومة التي تعطي الإرهابيين الملاذ الآمن، والدعم المالي، والمكانة الاجتماعية اللازمة للتجنيد. إنه نظام مسؤول عن عدم الاستقرار في المنطقة. أنا أتكلم عن إيران. من لبنان إلى العراق إلى اليمن، تقوم إيران بتمويل وتسليح وتدريب الإرهابيين والميليشيات والجماعات المتطرفة الأخرى، التي تنشر الدمار والفوضى في المنطقة.
على مدى عقود، غذّت إيران حرائق الصراع الطائفي والإرهاب. إنها حكومة تتحدث صراحة عن القتل الجماعي، وتتعهد بتدمير إسرائيل والموت لأمريكا، والخراب لكثير من القادة والأمم في هذه القاعة. ومن بين أكثر التدخلات زعزعة للاستقرار، تدخل إيران في سوريا. إذ ارتكب الأسد، بدعم من إيران، جرائم لا توصف، واتخذت الولايات المتحدة إجراءات حازمة رداً على استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية المحظورة، حيث أطلقت 59 صاروخا من طراز توماهوك على القاعدة الجوية السورية حيث نشأ هذا الهجوم القاتل».
هذا تشخيص مهم من ترامب، وكبير وصحيح لما اقترفته إيران وحرسها الثوري وميليشياتها من مآس في المنطقة، وكان المنتظر أن يقدم الحل الشافي والدواء الكافي وليس التشخيص الصحيح فقط، لأن ذلك سيكون مثل المريض الذي يذهب إلى الطبيب ليقول له الطبيب: أنت مريض بكذا وكذا، ولا يعطيه دواء، فلم يستفد منه المريض شيئا، لأنه كان يعرف أنه مريض، وهو يريد الدواء وليس أوصاف المرض فقط، وعندما جاء ترامب ليقدم العلاج والحل، أحال الموضوع على غيره، وعلى غير امريكا أيضاً، فقال: «يجب على الدول المسؤولة أن تعمل معاً لإنهاء الأزمة الإنسانية في سوريا، والقضاء على داعش، واستعادة الاستقرار في المنطقة»، وهذا كلام يقوله الجميع منذ ست سنوات، فما الجديد فيه.
ثم تباكى ترامب على ضحايا النظام الإيراني مرة أخرى فقال: «وأكبر ضحايا النظام الإيراني هو شعبه. لدى إيران تاريخ وثقافة غنيتان، ولكن الشعب الإيراني عانى من المشقة واليأس، في ظل سعي قادته بتهور للصراع والإرهاب». وهذا تشخيص لا جديد فيه ومتفق عليه بين كل المتابعين للشأن الإيراني الداخلي، ومن الشعب الإيراني نفسه. ولكن الغريب ان الحل في نظر ترامب عدم التزام أمريكا بعمل شيء لوقف العدوان الإيراني، فقال ترامب:» وحتى يرغب النظام الإيراني في أن يكون شريكاً في السلام، يجب على جميع الدول أن تعمل معاً لعزله، ومنعه من تمويل الإرهاب، وأن تدعو أن يأتي اليوم الذي يتمتع فيه الشعب الإيراني بالحكومة العادلة الصالحة التي يستحقها».
اذن الحل بعزل إيران أولاً، ومنعها من تمويل الإرهاب ثانيا، وثالثاً واخيراً الدعاء للشعب الايراني بالخلاص، فهل منعت العقوبات الأمريكية في السنوات العشر الماضية إيران من غزو العراق وسوريا واليمن، وادعاء السيطرة على أربع عواصم عربية، وتهديد دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك تهديد السعودية بالتدمير الكامل باستثناء مكة والمدينة، وربما تركتهما للحوثيين، الذين سبق لهم ان ضربوا صواريخهم باتجاه مكة والمدينة، والغريب أن يطالب دول العالم الاسلامي بمنع إيران من تمويل الإرهاب، فهل تنتظر إيران الإذن من الدول العربية والاسلامية لتمويل الارهاب؟ ام أن الواجب ان تقوم الدول الكبرى بذلك، وأن تقوم امريكا برعاية وتبني قرارات دولية من مجلس الأمن يحمّل إيران هذه المسؤولية وعواقبها الدولية؟
هذه الحلول الأمريكية لمواجهة العدوان الإيراني والجرائم التي ارتكبها الحرس الثوري والمليشيات الإيرانية لن تنفع شيئاً، بل إن الخطورة أن تزيد من المخاطر الإيرانية، فلربما أن العقود التي وقعها ترامب مع السعودية وتقدر بـ400 مليار دولار، بحسب قوله، ما هي إلا من نتائج العدوان الإيراني على المنطقة، وكأن حال ترامب والادارة الأمريكية السابقة هو توجيه الشكر لإيران، لأنها دفعت الدول العربية والخليجية والسعودية إلى زيادة نفقاتها على التسلح، وشراء المعدات العسكرية والحربية من امريكا، لمواجهة المخاطر الإيرانية، وإلا لكان نصفها أو ربعها يكفي لحماية هذه الدول. فالشكر الأمريكي لإيران يأتي من جعل الدول العربية والاسلامية والسعودية، تتوجه إلى طلب التحالف مع أمريكا، سواء بشراء الأسلحة او تصنيعها، أو البدء بمناقشات مع العديد من البلدان الحاضرة للقمة بشأن تعزيز الشراكات الحالية، وتشكيل شراكات جديدة لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، بحسب ترامب أيضا.
الرئيس الأمريكي قال في القمة هذا الكلام بوضوح تام ومستغرب: «لكن دول الشرق الأوسط لا يمكنها انتظار تدمير القوة الأمريكية لهذا العدو بالنيابة عنهم. على أمم الشرق الأوسط أن تقرر نوع المستقبل الذي تريده لنفسها، وبصراحة، لعائلاتها وأطفالها. إنه خيار بين مستقبلين – وهو خيار لا يمكن لأمريكا أن تأخذه بالنيابة عنكم». إنه دعوة امريكية لأن تأخذ الدول العربية على عاتقها محاربة إيران بنفسها، وأن لا تنتظر الجيش الأمريكي لوقف التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، وهذه رسالة تحذير من ترامب للدول العربية والخليجية بأنهم هم من يحمون انفسهم من التمدد الإيراني والتوسع الفارسي وليس امريكا، وأن امريكا لن تأخذ هذا بالنيابة عنهم، وهذا عين ما كان يقوله باراك اوباما لقمة مجلس التعاون الخليجي في أكثر من مناسبة، وهذا ما أغضب الدول العربية والخليجية والشعوب العربية والاسلامية منه، وربما الفارق أن أوباما منع تنفيذ اتفاقيات عسكرية كبيرة سابقة بين أمريكا والسعودية، بينما ترامب وافق على تنفيذها، وهذا سوف يلزم إيران ان تزيد من قوتها العسكرية، ومن تهديدها للدول العربية، وكأن قدر العرب والايرانيين والشعوب الإسلامية أن تشتري أسلحتها وتبني مصانعها العسكرية لمحاربة بعضها بعضا، وفق الرؤية الأمريكية الجديدة، فهل تعي القيادات الإيرانية المتهورة خطورة ما تقدم عليه من حروب ضد الدول العربية؟
إنها حروب استنزاف لكل دول المنطقة، وما اتهامات نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، للإدارة الأمريكية السابقة بتأسيس «داعش»، أو بالتآمر على تسليمها الموصل قبل ثلاث سنوات، إلا حلقة من هذه اللعبة الخبيثة، فإيران أهلكت اقتصادها وجوعت شعبها لبناء ترسانة عسكرية تقليدية، تقتل بها شعبها وامتها. والدول العربية تدخل في سباق عسكري معها وهي مضطرة له، طالما بقيت القيادة الإيرانية على تهورها وعدوانها في سوريا والعراق واليمن ولبنان وغيرها، بينما تستطيع القيادة الإيرانية أن توقف هذا الاستنزاف على نفسها، إذا تخلت عن الأوهام الطائفية، والاهتمام بقضايا شعبها الداخلية، فهو أحق بهذه الأموال المستنزفة.
كاتب تركي

أمريكا لإيران شكرا

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية