لا أعرف بالضبط من يشير على الرئيس السيسي، إن كان هناك بالفعل من يقوم بذلك. بالتأكيد هناك مستشارون معينون في شتى المجالات من الإبرة إلى مشاريع غزو الفضاء، برواتب ومكافآت لا شك أنها كبيرة.
فعلى الورق نحن لسنا أقل من الديمقراطيات العتيدة والدول الكبرى، إلا أنهم إما يتآمرون عليه، وإما لا يُسألون عن آرائهم، ولا يكترث بهم الرئيس، وإما أنهم يسمعونه ما يريد. والأرجح لدي، بل أكاد أجزم، أن الواقع يراوح بين الفرضيتين الأخيرتين. فالرئيس أخبرنا، لا فض فوه، بأن الله خلقه طبيباً وأن الفلاسفة نصحوا بالاستماع له (وأن لم يسم منهم أحداً)، ويقيناً وبدلالة الحوادث فإن الأعلى صوتاً بينهم (إن أشاروا) هم الأكثر ضرراً له ولمصر، وانحيازاً إلى الطبقة المستغِلة من الوصفة النيوليبرالية.
أكتب هذا بصدد جملة من التصريحات والتحركات السريعة الرعناء، التي زحمنا بها النظام، وأتحفتنا بها أجهزته خلال الأسبوع الماضي.
أكثرها إدهاشاً وإضحاكاً وإزعاجاً، في آن معا، ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي خاصةٍ من احتداد الرئيس السيسي، حين قاطع النائب عن دمياط أثناء احتفالية فتح مدينة الأثاث، لما طالبه بإرجاء رفع أسعار الوقود حتى يرتفع الحد الأدنى للأجور بدوره، إلى ثلاثة آلاف جنيه، تحاشياً لتحميل ارتفاع سعر التكلفة على المواطن البسيط. سأله الرئيس منفعلاً: «إنت مين؟!» ثم إذ أجابه أكمل الرئيس: «نواب إيه؟! انت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه ده؟». الأمر الذي يحدوني للتساؤل عما إذا كان الرئيس نفسه يدرس المواضيع الخطيرة التي تصدى لها فأوصلتنا إلى ما نحن فيه من وضعٍ مزر،ٍ بل وشبه كارثي كالاقتصاد، وتيران وصنافير، على سبيل المثال لا الحصر. أشك بشدة، ورأيي في ذلك بدأت به المقال.
لكن بعيداً عن انعدام التوفيق في اختيار كلماته المتسائلة في تعالٍ وتسفيه من شأن المخاطب، بما يستدعي إلى الأذهان كلمات الراحل القذافي، التي لم يبعد العهد بها فتتوارى في حنايا الذاكرة المظلمة، ولم ننس بعد إلام أفضت ولا كيف انتهى صاحبها، فإن الرئيس أسدى إلينا أكبر خدمة برده الحاد المنفعل ذاك، إذ في اقتضابه يختزل ملخِصاً رؤيته للأمور، وأسلوبه في التعامل مع معارضيه، أو حتى مثيري التساؤلات ومتسولي المطالب في احتفالية شكلية كتلك، لا وزن لها.
ثم من بعد ذلك فوجئنا بالقبض على المحامي الحقوقي الشهير، والمرشح الرئاسي السابق والعضو البارز في فريق الدفاع عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، خالد علي واحتجازه ليلةً في السجن قبل الإفراج عنه بكفالة ألف جنيه، في دعوى قدمت ضده تتهمه بالقيام بفعل خادش للحياء في الطريق العام، عبارة عن صورة يظهر فيها مشيراً بأصابعه في إشارة بذاءة (وهي مصطنعة).
هذه بالمناسبة ليست مزحة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما سببه الحكم في قضية تيران وصنافير للنظام من حرج، خاصةً أنه يضربه على أرضية السيادة الوطنية، التي حرص بخلفيته العسكرية على الظهور كمدافعٍ عنها، مقابل تفريطٍ مزعوم من قبل الإخوان، وأن خالد علي كان قد حذر لتوه من تمرير اتفاقية تيران وصنافير، أثناء رمضان، وندد مع ستة أحزاب وشخصيات حقوقية وسياسية بحملة الاعتقال التي طالت ما يقارب الأربعين ناشطاً، وتذكرنا القضايا السابقة التي رفعها المحامي نفسه، الذي أقام تلك الدعوة الهزلية عليه، والتي تصبح مواضيع للفرقعة الإعلامية، فإن الصورة تكتمل وضوحاً.
وأخيراً وليس آخراً في هذه الباقة من البلايا، كان حجب واحدٍ وعشرين موقعاً إعلامياً، على رأسها، «مدى مصر» و»مصر العربية» بدعوى نشرها مضموناً يدعم الإرهاب والتطرف والأكاذيب. هذه أيضاً ليست مزحة.
لعل أول تساؤلٍ تثيره تلك الموجة الشرسة المتصاعدة الوتيرة من العصف بالحريات، والتضييق من قبل نظامٍ يتعامل مع المعارضة بهذا التحقير والازدراء، في ضوء ضآلة حجم المنضمين رسمياً إلى التنظيمات (عدا الإخوان المسلمين بالطبع) هو: ما المبرر وراء كل تلك العصبية؟ لماذا هذا التوتر؟
أقرب الإجابات إلى ذهني هو تقارير لا بد أنها تصل إلى السيسي وأركان منظومته الأمنية، بتردي الأحوال جراء سياساته الاقتصادية والاجتماعية المعادية للجمهور الأوسع، بما تسببت فيه من تأثيرٍ سلبي للغاية، إن لم يكن مدمراً على قدرتها الشرائية الضعيفة أساساً، خاصةً أن ذلك التدهور مرشحٌ للتمادي، لاسيما وأن هناك تخوفاً من رفع اسعار الطاقة، وما لذلك من تأثيرٍ على أسعار كل شيء دون استثناء تقريباً.
حتماً ستتضح خبايا ذلك المبرر في مقبل الأيام، إلا أن ما يهمني الآن هو الرسائل التي لن أقول إن النظام يبعث بها، وإنما يكررها تكراراً مملاً ودؤوباً.
أراني حين أكتبها أعيد الاستشهاد بمقالاتٍ سابقة أو الاقتباس منها. قلت مراراً إن نظام السيسي لا يحتاج إلى مؤامراتٍ عليه، فهو كفيلٌ بذاته، وما أراه إلا مؤكِداً ذلك، وأن التهم جاهزة، يكفي أن يشار إلى أي شخصٍ بأنه «إخوان» أو «إرهابي» ليعتقل فيقبع في زنزانةٍ عطنة إذا حالفه الحظ، أو يصفى في «تبادلٍ لإطلاق النيران» إذا قرروا التخلص منه. كما أنه في اندفاعه للثأر ممن يعتبرهم أعداءه (حتى حين يدعي بضآلة حجمهم وتأثيرهم) لا يعرف كيف ولا أين يختار معاركه، وأكبر دليلٍ على ذلك، حبس خالد علي الذي لمعه ورفع من أسهمه وصنع منه بطلاً (وهو يستحق الاحترام بكل تأكيد).
مازلت كما كنت دائماً، لا تراودني أي أوهام ولا أخلقها عن مضمونٍ ما فكري عميق، أو حتى سطحي، لدى الرئيس ورهطه من العسكر ومنظومة الأمن، كما ما زلت على يقين من أن رؤيتهم للعالم (إن صح أن نصف بضاعتهم من الأفكار والمفاهيم) ليست سوى جملة متوارثة ومختلطة يغلب عليها التناقض، إذا ما أُخضعت لأي تمحيصٍ جاد أو تحليل، فالرئيس مثلاً لم يخبرنا لمن يقرأ (إن كان قد قرأ) طالما أنه يتحدث عن دراسة المواضيع، وأكاد أجزم أنه لو سئل عن أكثر من أثر في حياته لأجاب بأنه الشيخ الشعراوي في دروسه كل يوم جمعة.
إلا أن ذلك الخواء الفكري لا يعني غياب الاتساق مع الذات والموقف، ولا وضوح الهدف، وإنما تعني فقط ضحالة ما انبنى عليه. على ذلك، فإن «من أنت» هذه مع حجب الصحف وحبس خالد علي، هي أبلغ تعبير عن ذلك، فهي تختصر احتقاراً عميقاً للأفكار والحريات والأشخاص، فهم لا قيمة لهم ـ المهم الوحيد هو صنم الدولة والقائد المفدى. وفي حقيقة الأمر فإن ذلك يترجم إلى الحفاظ على مصالح المستفيدين من الوضع القائم. أما المثقفون والحقوقيون والسياسيون والناشطون، «الأفندية» فهؤلاء يكن لهم احتقاراً خاصاً، ويراهم «أراذل» محاكياً بذلك الرئيس «المؤمن» السادات الذي تعددت أوجه الشبه به.
العجب كل العجب، أننا بعد كل ذلك العصف بالحريات، وعلى رأسها حرية التعبير، نجد أقطاب النظام والمدافعين، من إعلاميين وغيرهم عنه يتباكون ويترحمون على قوة مصر الناعمة، التي يفرمونها ويدوسون عليها بأحذيتهم العسكرية الغليظة، دون أدنى تقديرٍ أو تمييز.
على عكس كل الأحاديث الممجوجة والمعادة حد الغثيان، عن المؤامرة الكونية على مصر والسيسي، فالأكيد بأنه ينعم بلحظة إجماعٍ ودعمٍ إقليميٍ ودوليٍ نادرة، فالولايات المتحدة وروسيا والصين، بالإضافة إلى أوروبا والمملكة السعودية ودول الخليج (عدا قطر)، ومنتشياً، يبدو أن الرئيس السيسي يستعيد لحظةً فارقةً من التاريخ المصري، حين دعا محمد علي باشا المماليك إلى مأدبةٍ في القلعة وفتك بهم، تلك الواقعة التي يحتفي بها الكثيرون في مصر، ويعتبرونها دليلاً على الحنكة والحسم، وفاصلاً بين تأسيس الدولة الحديثة وبقايا التشتت والخراب المملوكي. لكن كما يقول الخواجة ماركس فإن التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا بدا أنه يفعل ففي المرة الأولى مأساة وفي الثانية مهزلة.
والحال أن ما يحدث على دمويته وعنفه عبثيٌ وهزلي، ليس فقط لاختلاف السياق، وإنما لأن العكس هو ما يحدث تماماً، فإذا كان محمد علي قد وقّع شهادة الوفاة الفعلية لدولة المماليك وعهدهم وأسس الدولة الحديثة بحق، فإن الرئيس السيسي يدير حقبةً مملوكيةً باقتدار تأتي على ما تبقى من أطلال ما وصفها بـ»شبه الدولة» وتجهز عليها.
الأقرب شبهاً بما يحدث (ويؤكد الجانب غير الجاد) هو فيلم الأب الروحي، حيث يعصف آل باتشينو، زعيم العصابة، بكل أعدائه في يومٍ واحد. بالطبع آل باتشينو (وسائر فريق العمل) أكثر جاذبيةً وذكاءً، والفيلم أفضل حبكةً بمراحل، أما في حالتنا، وتمشياً مع حالة الترهل العامة، فإن الممثل الأول والمخرج شحيح الموهبة والقدرات، والأداء كله رديء.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل