نواصل رحلتنا مع النص المذكور في حلقة الأسبوع الماضي، فنقول:
ونظرا لحب العرب لخيولهم اختاروا لها أسماء تغيظ أعداءهم وتزرع في قلوبهم الخوف والرعب والفزع. ولقد كان ضمرة بن جابر واحدا من فرسان العرب وقد سمى جواده الوبال، وهو الجواد الذي ساعد صاحبه على النصر في معركةٍ قربَ عينِ ماءٍ سُمّيت باسمه.
ثم جاء في النص من بعد ذلك:
فلا يحيل بين شهوتي/ وبين العودة إلى حبك
قوله: فلا يحيل، يأتيه الخطأ من استعمال يحيل، لأنه أراد أن يقول: لا يمنع. وهذا المعنى يؤديه (لا يَحول). فحالَ الشيءُ يحول بمعنى انقلب عن وجهه وامتنع تحقيقه. ومثاله قولك: الجهل يحول بين المرء والتقدم. ومن حال يحول، يُشتق الحول بمعنى القوة وبمعنى العام، كما تقول: حال الحول عليه، أي: مرّ عام عليه. أما يُحيل فكقولك: إن المؤلف يحيلنا إلى مصادره. والماضي منه: أحالنا، كأنه ينقلنا إليها، وأصله: أحال يُحيل. وهذا الخلاف الدلالي لم يلتفت إليه كاتب النص.
ثم يأتي قوله: بين شهوتي وبين العودة، حيث تكررت، بين، بلا ضرورة. والفصيح عدم تكرارها والاستعاضة عنها بحرف واو، كما في التنزيل العزيز (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) ولم يقل: واعلموا أن الله يحول بين المرء وبين قلبه. إلا إذا كان المعطوف عليه ضميرا فقد يصلح التكرار، فلك أن تقول: هذا أمر بينك وبين صاحبك.
وعلى فرض أن النص تضمن يحول، بدل يحيل، فيجب أن اعترف بأني عرفت، لأول مرة، أن المطر يحول بين المرء ومن يحب. فإذا كان يخشى البلل أو أن يصاب بالزكام، فليلبس ثقيل الملابس، وليحمل مظلته، ولا بأس بشيء من الليمون الساخن.
لقد علمنا فن الشعر أن نتوحد مع الشاعر العاشق في عشقه ووجده، وإليك ما قاله أحد العشاق الجديرين بصفة العشق، العارفين مسالك الشعر، وخفايا التصوير الفني المموسق:
ما لقلبي تهزه الأشواقُ/
خبريني أهكذا العشّاقً//
فارحمي يا بثينَ لوعة صبٍّ/
شفّه الوجدُ بعدكم والفراقُ//
كاد يقضي من الصبابة لولا/
أن تحاماهُ في الوداعِ العناقُ//
ثم أتمنى من كاتب النص أو من الناقد المزبور في الحلقة السابقة أن يوضح لعباد الله المساكين هل هو الذي سيعود إليها، أم شهوته وذلك قوله: بين شهوتي وبين العودة إلى حبك؟ فأي حب هذا؟ ما معنى أن تعود شهوته إلى حبها؟
وبينما كنت أحاول أن أخلص نفسي من الوابل العابر وآثاره، وصلت إلى المقطع الثاني:
حين لا ينحني الجسر/ لن يمر النهر/ أنا فوق الجسر/ ذبابة/ عنكبوت/ وتحت الجسر/ سمكة/ كلمة/ حرف.
صورة عقيم، وغير صحيحة. لا من حيث اللغة ولا من حيث الرمز، فإن الأنهار تمر سواء كانت الجسور محدبة أم مقعرة أم مسطحة. ولا وجه لانحناء الجسر، حتى إن اعتبرها قائلها وناقدها صورة رمزية أو صورة سريالية. وعلى هذا فإن بوسع أي طالب في المرحلة الابتدائية أن يقول: (حين لا يطير العصفور ينحني الغصن/ وحين يطير العصفور/ لا ينحني الغصن/ وأنا تحت الشجرة/ حصاة/ وفوق الشجرة/ تمساح.. إلخ).
ومن الطريف أن الناقد قد فسر هذا المقطع تفسيرا فرويديا، مؤكدا أن العنكبوت رمز لعقدة أوديب، وأن الشاعر يرمز لحالته بالذبابة التي يصطادها العنكبوت. وفي هذه الحالة من حق القارئ أن يتساءل: ما علاقة هذه الصورة الفرويدية بالسمكة التي تحت الجسر؟ ومن حيث اللغة هل تكون كلمة سمكة خبرا لقوله (أنا) أي إنه فوق الجسر ذبابة عنكبوت، وتحت الجسر سمكة؟
وما الرابط بين السمكة والكلمة والحرف؟
حقا إن الانحطاط لا يمكن أن يكون في جانب واحد من جوانب الحياة.
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
هادي حسن حمودي