شرك من عسل!

حجم الخط
1

 وفر عملا… احد ما في واشنطن درس الخريطة وقام بفروضه البيتية مسبقا. والتقدير هو أن هذا كان عملا مشتركا من جارد كوشنير وجيسون غرينبلت. فهما سمعا ايضا برجال اوباما ومن عدة إسرائيليين (وإسرائيليات) ممن قضوا وقتهم، جهدهم وصحتهم على المسيرة السلمية في السنوات الثمانية الاخيرة بحثا عن كيفية التوجه إلى الصندوق المفزع والقابل للتفجر في النزاع في الشرق الاوسط. فقد فهموا نفسية الطرفين وهو شرط أول لكل محاولة للتوسط بينهما، في السطر الاخير نجح دونالد ترامب في أن يتعلم من تجربة الاخرين، ويستخلص الدروس من الخطأ الفظ والمحمل بالمصير لسلفه، باراك اوباما، الذي تجاوز تل أبيب في رحلته الاولى إلى الشرق الاوسط واكتفى بـ «خطاب القاهرة». وهكذا يكون اوباما خدم نتنياهو، الذي سرعان ما جعله مقتلع إسرائيل ومحب العرب. حتى اوباما، تمتع رؤساء الولايات المتحدة بمكانة رفيعة بين الجمهور الإسرائيلي. فزعيم إسرائيلي تورط مع رئيس أمريكي دفع ثمنا باهظا في البيت.
فالجمهور الإسرائيلي لم يكن متسامحا تجاه من عرض للخطر الحلف الاستراتيجي الحيوي جدا لوجود الدولة. هكذا كان جورج بوش الاب احد العوامل لهزيمة شمير في 1992، وبيل كلينتون في هزيمة نتنياهو في 1999. وعندها جاء اوباما. نتنياهو، بالمساعدة السخية من اوباما نفسه، قلب المعادلة رأسا على عقب. اوباما ببساطة هو الذي خدمه، ونتنياهو استخدم زخم الرئيس كي يقلبها بحركة سريعة. في المرحلة التالية، لم يتردد نتنياهو في أن يدخل بالرئيس جبهويا، بكل القوة، ويجعله ذخرا انتخابيا خاصا وكيس ضربات شخصي. في السنة الاخيرة بدأ نتنياهو حتى يستمتع بذلك (رغم أننا نحن الذين دفعنا الثمن).
وبالفعل، قرر ترامب بأن هذا لن يحصل عنده. فقد طلى الرئيس نتنياهو بكمية تجارية من العسل وأغدق على رأسنا الجماعي اقوالا حلوة وأثر لبنا. ولما لن تكون ابدا فرصة ثانية لترك الانطباع الاول، فيمكن لترامب ان يرفع شارة النصر: فقد بات ثابتا في الوعي الوطني كالرئيس الاكثر صهيونية في اي وقت مضى كمحب  شديد للدولة اليهودية، تماما إسرائيل الجد. وعليه، فعندما يأتي دور الضغوط، سيكون صعبا الصاق اللاسامية به. لن يكون ممكنا التحريض ضده. وعلى الطريق حقق ترامب غير قليل من المرابح التي تعود إلى سلفه. فقد عزا لنفسه الدعم الامريكي الهائل لمشروع «القبة الحديدية» (وهو ربح صاف لاوباما) والمساعدة الامنية السخية والواسعة على مدى السنوات الثمانية الاخيرة (كما هو آنفا)، ولكن تعالوا لا نتصاغر معه. فقد وفر الرجل هنا عملا ويخيل لي ان الوحيد الذي فهم بالضبط ما الذي يحصل هو نتنياهو.

  لا نبيا في مدينته
 
مذهل أنه في إطار الفوضى الرئاسية لدونالد ترامب، كان سلوكه في كل ما يتعلق بالشرق الاوسط بشكل عام وبالإسرائيليين والفلسطينيين بشكل خاص دقيقا وحكيما. في الداخل، لا توجد حفرة لم يتعثر ترامب بها. واذا كان نشأ نقص مؤقت في الحفر، فإنه يحفرها بنفسه. هنا أيضا، واصل افشال نفسه بعوائق واطلاق النار على ساقيه، في كل مرة سُئل عن مفاسده الداخلية. اما في كل ما يتعلق بالقصة الشرق اوسطية فإن ترامب هو، في هذه اللحظة، نجاح مدوٍ.
الدليل: في الزيارة الاولى إلى السعودية وإسرائيل (مع قفزة قصيرة إلى بيت لحم) غير ترامب الشرق الاوسط، او على الاقل الاجواء في الشرق الاوسط، تغييرا لا يوجد منه أكثر دراماتيكية. فحتى قبل نصف ساعة كانت كلمة «السلام» كلمة فظة.
تكاد تكون مثل الجهاد. وها هم الجميع يتحدثون عن السلام. ابو مازن مستعد للدخول إلى مفاوضات بلا شروط مسبقة. إلى اين اختفى الطلب للتجميد، لتحرير السجناء ما قبل اوسلو، الاعلام عن خوط 67؟ بوب، واذا بكل هذه المطالب لم يعد لها وجود.
اما نتنياهو فقد نجح في أن ينتزع من نفسه تصريحات عظمى على نمط «لاول مرة أرى فرصة حقيقية للسلام». وكيفما اتفق، حين غادر ترامب، ترك وراءه الجميع فرحين وطيبي القلب. تماما عائلة كبيرة وسعيدة.
ما يوحد الصقور في هذا المثال الاعلى الغريب، هو الخوف.
احد لا يريد أن يتورط مع الاشقر. وحاليا فإننا نجد أن النمر يرعى مع الجدي. والاحتمال في أن يتفكك كل شيء في موعد ما اعلى بكثير من احتمال ان يجلب ترامب السلام. 
ولكن لا يزال.
يدور الحديث عن أيام مذهلة. لا اقل من ذلك. الرئيس يواصل العناد على أن هذه المهمة ممكنة. ومن خلف ظهره يواصل الجميع (وبالاساس نحن) الهزء.
ولكن هكذا هزئنا حين اعلن في المرة الاولى انه سيتنافس على الرئاسة وسينتصر، اليس كذلك؟ يخيل لي أنه قبل سنتين كان احتمال أن يصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة اصغر حتى من احتماله اليوم أن يجلب السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من جهة اخرى في الطريق إلى الرئاسة الامريكية لم ينتظره الرفاق بينيت، شكيد، سموتريتش، ارئيل الذين يشكلون مجرد المقدمة لحزان. لفين والكين أيضا. وفي صالح اورن حزان يقال انه اصيب في المعركة الاولى، مع السلفي اياه. «ترامب الإسرائيلي، فرض على ترامب الاصلي صورة مشتركة. مشوق ان نعرف ماذا سيحصل اذا كان ترامب الاصلي سيرد له الجميل بفرض تسوية سلمية. 
خلاصة ترامب: بكل ما يتعلق بالاقوال والخطابات كان كاملا. وحتى نفتالي بينيت ما كان سينجح في أن يكتب له خطابات افضل، على طريقته.
فهو لم يقل «دولتين»، لم يتحدث عن البناء في المستوطنات، شدد على العلاقة التاريخية لشعب إسرائيل بالقدس، سافر إلى بيت لحم وقال لابو مازن، عنده في البيت، ان يتوقف عن تمويل الارهاب، تحدث عن الشعب اليهودي وكأن هذه هي الهدية الالهية الاكبر والاهم للانسانية منذ الازل. (وهذا، كما هو معروف، رأينا في أنفسنا). 
ولكن يمكن لنا أن نرى ايضا النصف الفارغ من الكأس: حقيقة أنه رفض بعناد كل مؤشر على السيادة الإسرائيلية على شرقي القدس، ذهب إلى المبكى وحده ورجاله واصلوا التشوش والتعلثم في كل مرة سئلوا عن السيادة على المبكى. والدليل على أن وزير خارجيته تلرسون، روى للصحافيين بأن الرئيس مارس ضغطا على نتنياهو وأبو مازن. الدليل ان إسرائيل توجد في حالة لجم للبناء في المستوطنات، بناء على طلبه.
الدليل هو أن الامريكيين طلبوا من إسرائيل نقل مناطق من المنطقة ج إلى المنطقة ب في شمال السامرة، وهذا يعني نقل اراضٍ من مسؤولية إسرائيلية إلى مسؤولية بلدية فلسطينية.
ويوجد شيء آخر: في محادثات مغلقة يواصل رجال الرئيس التشديد على انه مصمم على الوصول إلى تسوية. يتحدثون عن استئناف المفاوضات في غضون شهر، عن اقتراح صيغة في غضون عدة اسابيع. جارد كوشنير، حسب بعض التقارير، ليس ما اعتقدنا. فهو يعرف ما ينبغي عمله كي يصل إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين وهو يريد أن يفعل هذا. حموه سيكلفه بالتنفيذ. فهو يريد هذه الصفقة. في اثناء حياته السياسية، فإن الناس الذين منعوا عنه الصفقات التي ارادها، لم ينتهوا جيدا. ضربة ترامب سيئة، واحد لا يريد أن يذوقها.
بن كسبيت
معاريف 26/5/2017

شرك من عسل!

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية