حمالو «سوق واقف»: قصص وحكايات أزقة ودروب عاصرت نهضة قطر

حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: لا تذكر قطر في مذكرات المسافرين والرحالة، أو تأتي سيرتها في أحاديث ضيوف البلد، من دون الإشارة إلى أحد أشهر معالمها السياحية، «سوق واقف». لكن لا يمكن أن يرد اسم المكان، من دون اقترانه بصور أشخاص عاصروا العاصمة الدوحة، وأمضوا نصف عمرهم في أزقتها.
على مداخل ومخارج السوق، وعلى جنبات دروبه الملتوية والضيقة، ينتشر شيوخ في خريف العمر بملامح خطت تكاليف الحياة آثارا راسخة عليها. يسيرون بروية ومهل، ويحتاطون مخافة الاصطدام برواد المكان، وأنفسهم تتمنى الوصول سريعا إلى مواقف السيارات لتفريغ حمولتهم، والعودة بعرباتهم والمضي في رحلة البحث عن زبائن جدد.
مع تدشين السوق الجديد وإعادة ترميمه فرضت الإدارة على الحمالين ارتداء زي مميز، يحمل شارة سوق واقف، وعلى ظهر صاحبها وصف «حمالي».
اللون الخاص بهؤلاء الحمالين، يجعلهم مميزين من أبعد نقطة، وتقود أعين الزبائن نحوهم، ليفتشوا عنهم لحمل أغراضهم، والمضي بها حتى سياراتهم.

هندسة فريدة

الطابع العمراني المميز لسوق واقف، وضيق شوارعه، والمسافات المسقوفة تحت مبانيه، حظر على رواده التنقل بسياراتهم، واضطرارهم لركنها بعيدا عن المحلات التجارية التي تضج ببضائع متنوعة ومختلفة. النمط الاستهلاكي، وحياة البذخ التي تعود عليها الجمهور الزائر للمكان، جعلت مهنة الحمالين تنتشر وتزدهر، وهو ما حدا بالكثيرين لامتهانها.
هي مصدر رزقهم الأساسي على غرار علي الحسين وهو وافد إيراني، وأصدقاء وشركاء كثر اختاروا البلد واختارهم.
أمضى الرجل الذي التقينا به أثناء استراحة أخذها بعد ساعات من الكد، أزيد من ستة عقود في الدوحة التي وصلها وهو شاب في مقتبل عمره. يحصي الثمانيني التحولات التي شهدها البلد منذ وصله لأول مرة، ولم يكن يتصور أن يمضي فيه ما تبقى من عمره، ويرفض عنه بديلا، ولم يطب له العيش في غيره.

حياته في السوق

يتناول الرجل رشفة ماء أثلجت صدره، قبل أن يستكمل ذكرياته في البلد وما عايشه فيه من تحولات غيرت معالمه وحولته لمدينة حديثة.
الحمال الذي عرضت عليه المهنة من قبل كفيله السابق، ووافق عليها استلطف العيش في البلد، وألفه سكانه، وعاشر كثيرين منهم، وبعضهم شكل معهم علاقات منذ كانوا صغارا حتى كبروا وأصبحوا كهولا، ولهم أحفاد.
سألنا الشيخ عن سبب بقاءه في قطر، وكده وتعبه بعد مضي العمر في ذات المهنة، فكان رده سريعا، أنه ألف المكان وشكل له قصة حياة ولم يعد بوسعه العودة إلى الوراء. ويضيف أنه فقد في بلده أي صلة تعيده إلى حياته السابقة، ولم يعد لها من وجود، وعلاقاته الاجتماعية ضاقت، واقترنت بأهله وأبنائه وأحفاده.
يستطرد محدثنا أنه يشعر بالغربة مرات حينما يزور مدينته في الإجازات المتفرقة ويجد نفسه يعود حتى قبل أوانها ليمضي ما تبقى من أيامه في دروب سوق واقف التي ألفها.

عاصروا نهضة البلد

شيخ علي مثلما يطيب لمعارفه مناداته، يستمتع بألفة المكان، وما يحييه من وشائج في نفسه ويطيب له المقام فيه، من الصباح إلى منتصف الليل، حتى يركن عربته، ويمضي لأخذ قسط من الراحة.
يقول الشيخ أنه يأتي صباحا إلى السوق، يتناول إفطاره مع رفقائه، وجلهم من معمري المكان، ثم يمضون بحثا عن بعض الزبائن، إلى وقت الظهر، يصلون في المـــســجد، ويأخـــذون قيــلولة خفيفة في الشارع، يستلقون على استراحة مظللة.
مع المساء ينطلق الحمالون، وتزداد وتيرة عملهم، تزامنا وتوافد زبائن كثر، يرغبون في شراء حاجيات أساسية، لا تتوفر سوى في المكان، الذي يضج ببضائع تقليدية، ومستلزمات الطبخ ومعداته والملابس التقليدية.

وطن للحمالين

انضم إلى اجتماعنا السريع عبد الكريم أحمد، وهو شيخ في السبعينات من عمره، يحصي بدوره نحو نصف قرن من الإقامة في قطر، وفي سوق واقف تحديدا.
يعتبر المكان وطنه ومستقره، ويمضي فيه ساعات يومه، وحتى إقامته على حدوده ويقطن في شقة تقع خلفه مباشرة. يشير إلى أنه عاصر السوق منذ كان مجرد شارع ضيق يعبره الوادي ويقف الباعة على جنباته يبيعون بضائعهم.
سألت الحمال عن أسوء شيء يتعرض له في مهنته، خصوصا مع عمره وكبره، والمشقة التي قد لا يتحملها جسده المنهك، فرد مباشرة، أن أسوء شيء هو قلة أدب بعض الزبائن، الذين يتعاملون بجلافة معه، ولا يقدرون كبره ولا وضعه.
تركنا محدثينا يستريحون استعدادا لاستكمال مشوارهما لاحقا في أزقة السوق، الذي تحول لمصدر رزق الكثيرين، وهو مصدر سعادة أخرين يمضون فيه أوقات راحتهم، وهو لأهل البلد قصة التحول التي شهدتها قطر.

حمالو «سوق واقف»: قصص وحكايات أزقة ودروب عاصرت نهضة قطر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية