موجز تاريخ الرّقابة في الجزائر

حجم الخط
1

في الفترة الأخيرة، ثلاث ندوات أدبية مُنعت في الجزائر، من بينها ندوة كان سيُنشطها الرّوائي كمال داود، في تيزي وزو (حوالي 100 كلم شرق الجزائر العاصمة)، دون أن تقدّم السّلطات شروحات عن أسباب المنع.
هذه الوقائع تُعيدنا إلى واحد من الأسئلة، التي اعتقدنا أننا تجاوزناها: «هل السّلطة تخاف من حريّات الرّأي». الخوف من رأي كاتب ما، هو ما يبرّر المنع، وليس شيئا آخر. إن منع ندوة أدبية لا يستهدف كاتباً بعينه، أو جهة منظّمة، إنها مسألة أعمق من ذلك، تذكرّنا بأن للجزائر تاريخا طويلا في الرّقابة، هذه الرّقابة التي كلّما اعتقدنا أنها انتهت، استفاقت من قيلولتها وبسطت ذراعها مجدداً.
قبل أيّام، عرضت الفضائية الثّقافية (الفرنسية الألمانية) «آر. تي»، شريطاً وثائقياً، بعنوان: «الجزائر، كعبة الثوّار»، عادت فيه إلى السّنوات العشر الأولى التي تلت استقلال البلد (1962-1972)، حين كان مركزاً للحركات التّحريرية في العالم الثّالث. هذا الشّريط بعث نوستالجيا الجزائريين، وعلّقوا عليه كثيراً في الصّحف، وفي مواقع التّواصل الاجتماعي. الجزائريون الفخورون بصورة بلدهم في الماضي، سيصدمهم الواقع، تلك الصّورة، وما صاحبها من سياسة منفتحة، وداعمة للحريّات، ولّت ولن تعود، ﻔ «كعبة الثّوار» تحوّلت إلى «عاصمة الرّقابة» بامتياز. في السّنوات القليلة الماضية، تعدّدت صنائع الرّقيب، من منع كتب وأفلام، مثل فيلم «ديليس بالوما» لنذير مخناش، شريط «الجزائر، قصص لا تروى» لجان بيار ليدو، منع كتابين للصّحافي محمد بن شيكو، منع رواية «بوتاخين» لمهدي الجزائري، منع كتاب «الرّبيع العربي المؤجّل» لبومدين بلكبير، ثم استدعاء كاتب شاب، من طرف الشّرطة، للتّحقيق معه في فحوى رواية له نشرها على الإنترنت، العام الماضي، بالإضافة إلى عشرات العناوين الأخرى، التي تُمنع سنوياً من دخول معرض الجزائر الدّولي، بحجج عديدة، منها السّياسية والدّينية. هكذا إذن، لا تكاد تمرّ سنة أو سنتان، دون أن نسمع عن عودة نشاط الرّقابة في البلد. «تتّخذ الرّقابة أشكالا عدّة تُمارسها السّلطة بوسائلهـا الخاصّـة لتدجين الفكر والثقافة. اللجوء إلى مثل هاته الممارسات هـو تكريس لخطّ السّلطـة القمعـي، وإمتداد لهدر الحقوق المدنية وحقّ الإنسان في الثّقافة والفكر وحريّة الرّأي، فالقمع السلطوي لكلّ أشكال الفكر والثقافـة والفنّ ليس جديدًا، ربما تتذرع السّلطة بذريعة سياسية أو دينية أو أخلاقية، وهي مجرد ممارسات قديمة لكسر الفكر الحرّ، الذي يتخذّ مدارات بعيدة عن السّلطة، فالسلطة لها حساسيـة شديدة ضدّ كلّ بديل حقيقي للثّقافة التي تخرج عن سيطرتها، ومن هنـا تمارس آليات القمع والاستبداد بشكل متزايد، وقد تغلّف الرّقابة بغلاف ديني أو قيمي، أو أخلاقي أو اجتماعي أو أي مبرر جاهز آخر». يقول الكاتب محمد بن جبّار.
الرّقيب، في الجزائر، يتكئ على قانون يشرّع أفعاله، ويوفّر له سلطة على الرّأي وعلى الحريات، ويجد في قانون الكتاب، الذي صادق عليه البرلمان، قبل عامين، سبباً يبرّر به نشاطاته، حيث تمّت الموافقة على هذا القانون، رغم المعارضة الشّديدة التي وُجه بها، حيث تضمن في نصّه بنوداً عقابية، ولهجة بيروقراطية، بشكل يسمح للرّقيب ممارسة صلاحيته، دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الفعل الأدبي. بفضل هذا القانون، صار المنع يتمتع بحماية المشرّع في الجزائر، حيث نقرأ في المادة التّاسعة منه: «تمارس الأنشطة الخاصة بنشر الكتاب وطبعه وتسويقه في إطار احترام الدّين الإسلامي والديانات الأخرى، الدستور وقوانين الجمهورية، السّيادة الوطنية والوحدة الوطنية، الهوية الوطنية والقيّم الثّقافية للمجتمع، متطلّبات الأمن والدفّاع الوطني، متطلبات النّظام العامّ، كرامة الإنسان والحريات الفردية والجماعية». وهي مادّة عامّة وشاملة لم يرد فيها تفصيل، بالتّالي سيمكن لأي رقيب أن يمنع كتاباً بواحدة من الحجج الواردة في القانون. وتضيف مادّة أخرى من القانون نفسه: يخضع «تنظيم التظاهرات حول الكتاب الموجّه للجمهور، لترخيص مسبق تمنحه الوزارة المكلّفة بالثقافة». لتصير النشّاطات المتعلّقة بالكتاب من صلاحية الوزارة، في إقصاء معلّن لكلّ المبادرات الخاصّة. القانون ذاته جاء ليكرّس هيمنة الحكومة على الكتاب، ويضعه تحت يدها. «الرّقابة لم تختف يومًا، في مجتمعنا، وإن تخلّفت الرّقابة السياسية لأسباب ظرفية فإن رقابات أخرى تحلّ مكانها، خاصة الدينية منها، لهذا رغم التحوّلات الاجتماعية والثورة المعلوماتية التي كسرت الحدود ووفّرت الحرية للجميع، والحرية هنا يجب وضعها بين قوسين، لأنها حرية فوضوية أو زائفة، يبقى الكاتب يعيش حالة مضايقة وخوف، تجعله لا يستطيع أن يسمّي الأشياء بمسمياتها، إلا في ما ندر، وإن تجرّأ وفعل ذلك سيجد سكاكين الرّقابة تقف في وجهه». يصرّح الرّوائي عبد القادر ضيف الله.
لكن المُلاحظ أن الرّقابة، في الجزائر، تقوم بدور يُناقض ما وُجدت من أجله، كلّما منعت عنوانا أو فيلماً، زاد الطّلب عليه، وكلّما منعت كاتباً، رفعت من أرقام التّرويج له، الرّقابة تفتح عيني القارئ على الكتاب، تنبّهه لوجوده، قد يمرّ كتاب دون إثارة جدل، ويأتي الرّقيب ليلفت النّظر إليه. كلّما ازداد الرّقيب شراسة، زادت الكتابة مقاومة وحضوراً، فكتب محمد بن شيكو – مثلاً – لم تكن لتثير الاهتمام، فهي ليست كتباً مهمة، من النّاحية الفنية، لكن الإقبال عليها ارتفع بعد منعها، والحال نفسه مع رواية «بوتاخين»، هي رواية متوسطة المستوى، لا شيء فيها يثير فضول القارئ، عدا أنها منعت من الرّقيب، لسبب لا نجد له مبرراً في نصّ الرّواية. والحال نفسه في السّينما، الرّقابة لم تمنع الجزائريين من مشاهدة فيلم «ديليس بالوما»، على مواقع الإنترنت، وحجز كتب – سنوياً – في الميناء أو في المطار، لم يمنع القراء من تحميلها ومن مطالعتها، هكذا تصير الرّقابة فعلا مبتذلاً، في الجزائر، لا تمنع المُتابع من الوصول للسّلعة الثّقافية، بل تحثّه على الاطلاع عليها، عن طريق وسائط غير الوسائط التّقليدية، التي تعوّد عليها، إنها تفتح عينيه على سبل جديدة للوصول إلى كتاب أو إلى فيلم، كلّ ما يمنع يصير من الضّروري الاطلاع عليه.
«المجتمع تتحكّم فيه سلطة الديني وسلطة السياسي، وعليه فإننا نحاول دوما أن نكتب من خلال التّحايل على هذا الرقيب، إما بالترميز أو بتعويم قناعات داخل النصّ، وفتحه على أكثر من تأويل» يعلّق عبد القادر ضيف الله. في الماضي، كانت السّلطة تفرض «أبوية» على القارئ، تمنع عنه ما لا يندرج في خطّها وفي سياستها، ولا يمكن للقارئ وللكاتب أن يُناور أو يُقاوم، أما اليوم، في زمن الانفتاح التّكنولوجي، وانتقال الفعل الإبداعي، من الورق إلى شاشات الحاسوب، تصير الرّقابة عملاً تجاوزه الزّمن. «من المحزن أن تستمر الرّقابـة في عصر التكنولوجيا، لأنها وسائل ليست تقليديـة، ولا يمكن الالتفاف حول الفكر والأدب والثقافـة ومصادرتها أو قمعهـا أو إبداء أيّ تحفظ فيها، وهذه المزية جعلت حريـة الرأي وحرية المنتج الأدبي والفنّي يحلّق بعيدًا عن الدوائر الرقابية التقليدية» يضيف محمد بن جبّار. فلماذا تصرّ السّلطة في الجزائر على تكريس ممارسات انتهى زمانها؟ إن ما حدث، في الأشهر القليلة الماضية، من منع لندوات أدبية، في الجزائر، وما سبقها من منع لكتب وأفلام، ليس يمثّل سوى حلقة مكرّرة من ثقافة الرّقابة، التي باتت ممارسة يومية، تلجأ إليها السّلطة كلّما شعرت بضيق أو إزعاج من منتج ثقافي ما. من المؤكد أنها ستواصل «أبويتها» على القارئ، مستقبلاً، وسيواصل القارئ من جهته، التّحايل عليها، وتجاوزها.

٭ كاتب من الجزائر

موجز تاريخ الرّقابة في الجزائر

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية