أنا الشاعر، الأنا السيرذاتي: يشكل المكون السيرذاتي في تجربة الشعر المعاصر واقعة نصية بارزة، بعدما صارت القصيدة تتخلّلها نصوص وشذرات واستدعاءات مقطعيّة يُميّزها استعمال «أنا» سيرذاتي مرتبط بالاسم الشخصي أو الرمزي للشاعر؛ الأنا كنسقٍ ناظمٍ لأصوات مُتشظّية، نلتقي به في أكثر من مكان. وبدلا من أن نتحدّث عن أنا مرجعي – واقعي، يمكن لنا أن نكشف عن أنا تخييلي- لاشخصي- مجازي يتوتّر في العلاقة بين طرفي الكتابة والمرجع، ويمكن أن يتلبس بالأنا الغنائي ويتجاوز ما هو فرديٌّ إلى ما هو جمعيّ. ذلك ما يدعونا إلى قراءة النص الشعري كـ»سيرة ذاتية للأنا التخييلي، الأنا المُتخيَّل»، فالأنا لا تُقال إلّا بإنطاق أنا آخر، والشعر نفسه حالة أخرى من اللغة، وحالة أخرى من الذّات في اللغة: حياة محلوم بها، سحرية، مثالية، لاواعية، ومهزوء منها.
وإن كان من الصعب، في أحيان ما، أن نحكم في ما إذا كانت هذه العناصر السيرذاتية مُستقاة من حياة الشاعر، أو تاريخ شخصيّته. لكن المسعى الجمالي والإيحائي – أيّا كان- يجب أن لا يصرف اهتمامه عن قول الحقيقة، بل على أنا الشاعر، الأصلي والمتلفّظ في آن، أن يراعي في سرد تاريخ حياته شعرا بما يقتضيه ذلك من بذلٍ فنّي وقدرة على التخييل، فيكون الشعر مثل نظيره النثر أَهْلا لاحتضان السيرة الذاتية وكتابتها من منظوره الجمالي الخاصّ، وقادرا على استعادة حياة الأنا والوعد بالكشف عن ماضيها الشخصي، ولكن وفق ميثاق سيرذاتي- تخييلي مغاير جديد.
فالكتابة السيرذاتية في سياق الشعر تتطلّب من الشاعر أن يقول أناه ويستعيده بصدق وتعبيريّة نوعية من جهة، ومن جهة أخرى عليه أن يستلهم سيرته البيوغرافية من داخل رؤية أنواعية تتقيّد بقوانين الكلام الشعري وفضاء تكوّنه، بقدر ما تنفتح على تقنيّات جديدة يستوجبها السرد.
عندما نعود إلى المتن الشعري العربي، الذي كُتِب منذ عقدين، على الأقل منذ أن كتب محمود درويش سيرته الشعرية «لماذا تركت الحصان وحيدا» (1995)، نكتشف أن جزءا غير يسير من الشعراء في المشرق، كما في المغرب، كان واعيا بالأنا السيرذاتي وقيمته النصية وفاعليته في تشييد قصيدته الجديدة.
«تحوُّلات يوسف المغربي»:
نعنى، هنا، بدراسة قصيدة « تحولات يوسف المغربي» المطولة للشاعر المغربي عبد الرحمن بوعلي، فيما نحن نسأل: ما هي صور الأنا الشعري؟ كيف تتوتّر هذه الصور الممكنة بين السيرذاتي المرجعي والمجازي التخييلي؛ أي بين الشخصي واللاشخصي؟ كيف تشتغل آلية القناع في توليد هذه الصور؟ وما الذي يبقى من قناع يوسف وما الذي يتحوّل إليه في لعبة الكلمات وتوقيعها؟ ثمّ ما المقاصد التداولية التي يكشف عنها بحث الأنا داخل فضاء الذاتية في العمل ككلّ؟
من المغانم التي تتيحها لنا القصيدة عنوانها «تحوُّلات يوسف المغربي»، الذي صِيغَ بوعيٍ وقصد تداولي يستنفر طاقتنا التأويلية:
دالّ (تحولات) بحمولته الترحالية الرمزية نجد شائعا في مراحل معينة من تاريخ حركة الشعر الحر، وبالأخص في مرحلتيها التموزية والصوفية، كما عند عبد الوهاب البياتي وأدونيس تمثيلا (تحولات عائشة، عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق، كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل..)؛ وهو دال يصلنا بأنا الشاعر المتشظي ورؤياه المتحركة في عبورها اللازمني ليس في القصيدة الواحدة، بل في مجمل أعماله الشعرية، على نحو يوحي بطفرات متصلة داخل التجربة الشعرية.
دال (يوسف)؛ ويُمثّل به كنائيّا النبي يوسف عليه السلام، كما تؤكد ذلك الآية القرآنية التي اسْتُشهد بها في التصدير، والأرجح أنّ الشاعر يتخذه قناعا على شاكلة ما نجده في النصوص الكبرى لشعراء الحداثة عندما استخدموا القناع كآلية تعبير، وارتفعوا به إلى مستوى رفيع من التوحد والتكنية، لكن نسبة هذا الدالّ إلى (المغربي) ينتهك نسق الأمثولة الكلية بقدر ما يخصصها، ومن ثمة يوجّه القارئ إلى تصور احتمالات ممكنة تدور معظمها حول هجرة القناع من المشرق إلى المغرب، عبر معراج القصيدة كشكل تخيُّلي وطرس تأويلي في منظور الذات الكاتبة.
تتساند هذه الدوال الثلاثة مع ثلاثة استشهادات (هل للتثليت – هنا- من معنى؟) صدر الشاعر بها قصيدته. فالاستشهادات تمثل بحدّ ذاتها مراجع تناصية للقصيدة عبر أفقها الكتابي ورؤياها الشمولية. والطريف أن الشاعر وضع كلّا منها بشكل ترتيبي مقصود يلمح إلى تطور فكرة القصيدة وتحوُّلات الأنا عبرها، وهو لعمري مَغْنم ثانٍ يُضاف إلى الأول: تُحدّد الآية القرآنية حيثيات اشتغال القناع من خلال علاقة يوسف المتوترة بإخوته، لينفتح باعتباره أمثولة شمولية على أي علاقة صراع بين الإنسان وأخيه. فيما يبئر استشهاد سعدي يوسف على الانتساب العربي تحديدا للأنا المتلفظ. أما استشهاد عباس بيضون فهو يفتح القناع كآلية اشتغال على المرآة، بما هي امتداد لحضور الذات في الغياب وعلاقتها بالآخر.
ومن هنا، فإن بحث الذاتية التي تتشخص في الخطاب، ولا سيما في بعدها السيري، يكون من خلال مؤشرات تلفّظية متعددة داخل النص وخارجه؛ فهي تتجاوز ضمير المتكلم لتشمل حقلا من الصور والاستعارات والتعبيرية القيمية.
أنا القناع: ترحيل واختراق
ما إن نطالع استهلال القصيدة حتى نجد أنفسنا وسط غَمْر من الصور المشهدية لرؤيا مترحلة: «في مملكة الوقْتِ/ تأخذني الريحُ/ على كتفَيْها../ وتتوّجُني ملكا/ يحلم بالكلماتْ..»
وإذ هي تتمُّ بالكلمات وعبرها، فهذه الرؤيا لا تسافر إلى المكان بقدر ما هي تسافر في الزمان، ويُكنّى عنها بالريح، بوصفها فعالية تحويلية يتخذها الأنا الغنائي داخل القصيدة، ذريعة نصية وجمالية ليس لقول ما لا يُقال وحسب، بل للنبوءة عن عالم متداعٍ باستمرار: «فأرى مدنا فارغة/ وأرى/ صورا/ وقرى ضائعة ولغاتْ،/ وأرى وطني/ يهجره الأحبابُ/ ويسكنه البؤساءْ»
وعلى هذه الرؤية التي تنبئ بالدمار والأهوال، نكتشف أن هذا الأنا المتعالي والمجاوز لواقعه وشرطه الأرضي ليس مفردا، بل متعدّدا وملتبسا وحائرا في إنّيته؛ إنّه أنا جماعي وحضاري جريح ومتخبط في موته: « وأرى كفني/ وعليه تصاوير/ وعظامٌ/ وقبور/ ورفاتْ».
لنقل إنها رؤيا فجائعية، وهي لا تبقى في حدود ملفوظات اللغة، بل تخترق جسد الأنا وهو يكتب ويشكّ، وجسد الكتابة وهي تحترق وسط علاماتها: «وأرى لغتي تعبرني لاهبة». ومن ثمة، يجد الأنا نفسه محاطا بكوابيس وأسئلة وتواريخ منسية يخترقها صوتٌ متعالٍ، يواجه الأنا ونزعتها التشكيكية، بمثل ما واجه به الله نبيَّه إبراهيم: «أو لم تؤمنْ». وفي خضمّ هذا الصوت، وتجاوُبا معه، ينشأ صوت القناع، قناع يوسف، كأنّما الأنا يريد أن يعيد تأويل الرؤيا الذاتية داخل أمثولة إنسانية شمولية، وليس تبريرا سهلا ولا جوابا عن مأزق حضاري كبير يعيش وقائعه المادية في حاضره. وابتداء من هذه اللحظة يلتبس أنا الشاعر كفاعل الخطاب، مع صوت يوسف الذي يواجه الإخوة شهود الزور بحكمة وتجلُّد.
إن الملفوظ التالي: «أنا يوسفُ/ يا أبتِ/ وهمُ الإخوةُ/ باعوني/ برغيفٍ/ وأتوْكَ بقطعة ثوبٍ..» يحيل على النبي يوسف بسبب تقاطعه مرجعيّا مع حياته، ومع بعض تجلّياته، بداعي إيحائها الديني والعرفاني (ما علموا أنّ الحكمة زادي، حقول القمح تعالَتْ فوق رؤوس الحمقى، يضايقني سأمٌ يجثو فوق الروح)، ومن ثَمّة تشد القارئ إليها وتستدعي ذاكرته الجماعية، لكن في المقابل، ثمّة عناصر أخرى متنوعة تتساند تخييليّا مع الأولى لا علاقة لها بهذا النبي، بل ترجع إلى الفضاء الرؤياوي الذي يعكس رؤيا الشاعر الفجائعية، وموقفه الرافض من أوضاع البلاد العربية، التي طغى فيها السلطان السياسي، وتفّشت المادة والفساد والفقر والجوع، كما في قوله: «في مملكة الوقتْ/ لم يُبْقِ لنا/ هذا الزمن الأخرسُ/ غير النّـوْحِ/ وغير الموتى/ لم يُبْق لنا/ غير رقابٍ/ أخطأها السيّافُ/ وغير طيوف الروع/ وأضغاط الأحلامْ»، أو قوله: «مدنٌ تمرحُ في الأرضِ/ وعلى جثّتها/ يقبع نسْلٌ تصنعهُ الكلماتْ،/ ويُغنّي ليلاهُ الموؤودة/ في صحراء الربع الخالي،/ وفي صحراء البحر الميّت/ وجبال الأوراسْ». مثلما يعكس هذا الفضاء شذرات من خيبة واقعه الشخصي وشعوره بالتصدُّع في وعي المرآة كما في قوله: «آهٍ ما أبلغ الصمتَ/ وما أبهى الصورةَ يا يوسفُ في المرآةْ/ وما أوسع هذا الجُبَّ/ وما أقسى عيشك يا يوسفُ/ بين ذويكْ..»، أو في قوله: «هل سيفتّش عنّي إخواني/ في جوف الجُبّ/ إذا ما انتبهوا/ في الصحراء، لصوتي».
تتساند هذه الملفوظات مع بعضها بعضا نصّيا بشكل يصعب التمييز بينها، فأنا القصيدة ينتقي من القناع الأصلي المعطيات والنُّبَذ، التي يبني عليها الرؤيا ويغيب فيها على النحو الذي يعيد تأويل سيرته الشخصية، بالقدر الذي يفجر من خلاله مفهوم التطابق. فلا يحيل الصوت الحاضر أو ضمير المتكلم على الذات الشاعرة، وإنما على الشخصية المفارقة التي تتشكّل مما هو غير شخصي، يغتني بإيحاءات القناع الروحية والرمزية، ومما هو شخصي يستضيء بأصداء من طفولة الشاعر وبتجربته في حاضره. إنه يتخذ وضعا توسُّطيا بينيّا، يتموضع بين المرجعي والتخييلي؛ ينطلق من واقع الذات قبل أن يتشابك مع واقع آخر يعبر عنه محتوى الملفوظ الذي انتهى إليه مسار إنتاج المعنى، بما تضمّنه من إحالات ميثولوجية ودينية وتاريخية. وإذا استعرنا مقولات كيت هامبورغر، فإنّ هذا الأنا، وإن كان يُطابق بمعنى ما أنا الشاعر، إلا أنه ينبغي التمييــز بين واقع الذات وواقع محتوى الملفوظ، أو بعبارة هيو سلفرمان، لا تتخذ السيرة مكانها في النص إلا عند السطح البيني القائم بين التذكر والتخيل.
حكمة الخسارات:
يمثل قناع يوسف أنا الشاعر ولا يمثلها في آن. يوسف آخر، يوسف المغربي بوصفه صوت الأنا المحوري، الذي يتمُّ التبئير عليه في القصيدة، لكن سرعان ما تصدر عنه أصوات أخرى تتقاطع معه تناصيّا، سواء المرجعية (إبراهيم الخليل، نوح، مريم العذراء، محمد بن عبد الله – عليهم أجمعين السلام- طارق بن زياد، المتنبي، سقراط، هوراس)، والأسطورية (سيزيف، ميدوزا، مينرْفا، كاسَنْدْرا) والمتخيلة (المفتون بالوقت، الموعود برائحة الجنة، الطالع من أبراج الوقت، صاحب الرحل)، فتتبادل وإيّاها مواضع تلفُّظه، إما من جهة المونولوغ الداخلي أو الحوار القصصي، على نحو يشطر القناع ويؤكد على الالتباس أو التماهي بين ضمائره الشخصية، فيما هو يؤكد على حكمة الخسارات في وعي الأنا الحاضر.
بهذا المعنى، ليس للأنا من مرجع قارّ، بل يمنح صوته لأنوات ممكنة، خبيئة ومكبوتة عبر متواليات القصيدة، التي تترك له مكانا واسعا للاستيهام وتفتحه على نفسه من جديد عبر شرط الغيرية، إلى الحد الذي لا يغني الاسم الرمزي بمعانٍ جديدة وحسب، بل أن تضيع منه الأسماء ويضيع منه صوته في آخر القصيدة: «فمن سيعلّمني الأسماء إذن؟/ ومن سيكلّمني/ أو يهتف بي:/ آهٍ يا يوسفُ../ أنت إذنْ:/ جسدٌ/ وفلاةْ».
على هذه الشاكلة من إنجاز السيرة تبعا لطبيعة المشروع الشعري، يحرّر أنا الشاعر بوجهيه الشخصي واللاشخصي معاني الجوهر الفاعل للقناع المتمثّلة في الاستشهاد من أجل قول الحقيقة، ويحميها من شهود الزُّور والسلطان، ومن الانقطاع في التاريخ، ليحقّق ديمومتها بفعل التأويل، من خلال مسار إنتاج المعنى في منحاه الذاتي الغنائي، الذي يحفز على تدفُّقه بحرُ الخبب ببنيته التكرارية وتشكُّلاته الوتدسببية، التي تناجز السرد، ثُمّ في بعده الدرامي الذي يعقلن هذا التدفق ويحدّ منه بقدر ما يعمل على مسرحة الصوت وإطالة ترجيعاته الممتدة في البئر، من بئر يوسف إلى بئر الصحراء العربية.
فالمقصد التداولي من استدعاء شخصية يوسف إذن، يتمثل – بعكس ما يبدو ظاهريّا- في ضرورة أن يكون للشاعر الحديث والمعاصر، رسالةٌ إنسانيّةٌ يعمل بها ويدافع عنها حتى وإن استشهد من أجلها، ضدّا من كل أشكال السلطة والجور والزور، وانتصارا لصوت المقموعين والمعذّبين في كل مكان وزمان. حتى إن كانت الحكمة لسان حاله، تقول: «أتُرى سيقولون/ نسَيْنا/ أن نخبره../ أنّ اسمَهُ يوسفُ../ أنّ بدايتَهُ/ كنهايتهِ:/ سفرٌ…/ وجنونٌ/ وكلامْ». ما أضيع هذا الكلام الذي تتلفّظه الأنا وتنبئ به؛ إذ لا يسمعه أحد، أو بالأحرى لا أحد يريد أن يسمعه أو يسمع له.
لئن كانت رؤيا يوسف قد أنقذت وأغاثت، فإن رؤيا الشاعر ضاعت أدراج الرياح في الصحراء، حتى وقعت المأساة، فلا نسمع إلا صوته مبحوثا ومشظّى من العالم السفلي؛ وهو صوت ما زلنا نسمع ترجيعاته من ذات إلى ذات، ومن قصيدة إلى قصيدة. وهل ثمّة من حكمة الخسارة مثل هذه الحكمة التي تبكي وحدها في الكلمات وعبرها؟
عبد الرحمن بوعلي،
الأعمال الشعرية، الجزء الثاني، مطبغة تريفة، بركان، ط.1، 2006
٭ كاتب مغربي
عبد اللطيف الوراري