ثنائية الهامش والمركز في رواية «يوليانا» للعراقي نزار عبدالستار

حجم الخط
0

يشكل التراث الميثولوجي رافدا للأعمال الروائية التي تحاولُ إكساء موضوعاتها رداء عجائبيا، وتأتي هذه الرغبة للعودة إلى الحكايات الشعبية المُطعمة بما هو أسطوري وله جذور فانتازية في إطار مساعِ رامية لتأسيس خطاب مغاير لما تتنباه المركزيات الأيديولوجية والسلطوية، ناهيك عن مُعالجة العمل الروائي للمشتركات الإنسانية، ودعم مادته بما يقعُ خارج المرويات الرسمية، التي تعملُ على قولبة المُعطيات الحياتية في مفاهيم مُصاغة على مقاس مُتطلبات آنية، من هنا غالبا ما تلتقطُ الروايةُ من الهامشِ وتُغطي مساحاتٍ حجبت عنها الأضواء، هذا ما يتجلي أكثر في أسلوب الروائي والكاتب العراقي نزار عبدالستار في روايته «يوليانا» الصادرة من دار أنطوان 2016، إذ تتداخل في تجاويف منجزه السردي وقائع أسطورية وتاريخية ولاهوتية، ناهيك عن صراع بين العلم والدين، كل هذه الموضوعات مُجتمعة تُصبحُ قواما لهذا العمل.

البلدة المنسية

يطالعُك في الصفحات الأولى من الرواية تاريخ بلدة كرميلس، وهي واقعة في حدود قضاء الحمدانية في سهل نينوى، حسبما ينقلهُ الراوي العليم، وهو الكاتب الضمني، فإنَّ كرميلس مُنذ أن مرَّ عليها الإمبراطور الروماني تراجانوس إلى أن انتهت الحرب العالمية الأولى، كانت متوارية في الظل، غير أن زيارة رئيس وزراء المجر السابق إلى البلدة تدفع بهذا المكان إلى الواجهة، بعد أن يتسربَ ما دونه الموفد الأوروبي كملاحظات في أوساط دينية، حيثُ سجَّلَ أن أهالي البلدة يعتقدون أن عظام القديسة بربارة وخادمتها موجودة لديهم. وهذا التوهم يخالفُ مع ما ذكر في وثائق متوفرة لدى الأوروبيين عن المكان الذي توجد فيه عظام القديسة، ومن ثُم يشارُ في هذا السياق الذي يوكل إلى الراوي دورا توثيقيا إلى وصول حارس الذخائر المقدسة إلى كرميلس، حاملا عظاما حقيقية للقديسة بربارة، وهذا التطور يكون متزامنا مع ولادة ججو ابن بنيامين، فهو من أسرة يعاني أفرادها عاهة، لذلك يعتقدُ بأن التوقيت الذي يبصرُ فيه ججو النورَ وحضور حارس الذخائر المُقدسة في البلدة، مؤشران إلى أنَّ الوليد عندما يكبرُ سيكون مُعافى من التشوهات الجسدية، وكانت أم ججو من أجمل نساء البلدة، ارتبط بها بنيامين آملا بأن جمالها سيقضي على العاهات الجسدية المتوارثة في سلالته. لكن بنيامين يموت بداء السل قبل أن يرى تجليات ما اعتبره معجزة ماثلا على جسد ابنه.

وارث العاهة

يُتابعُ المتلقي ما تشهده بلدة كرميلس من التحولات، لاسيما بعد مجيء إسماعيل دنحا برفقة ابنته أراسيا، مدعيا أنَّه ممثل شركة ساس الزراعية العراقية الأمريكية، وما يُعقبُ ذلك من ظهور منشآت معمارية، ودعم القطاع الزراعي في البلدة وافتتاح كازينو صوفيا وزيارة عفيفة اسكندر إلى البلدة، بموازاة مراقبة أطوار شخصية جيجو، الذي تعرض لمحاولة الاغتيال، فالأخير يسكنه هاجس بأن يكون قسيسا، ويتفانى في واجباته الدينية، إذ يُحدد له القس يوسف كوماني مهمة العناية بضريح القديسة، كما يتجول ججو في البلدة واعظا الناس وما يتلقى مقابل هذا النشاط التبشيري إلا الاستخفاف والسخرية، ورغم ذلك يوجد من يدفعه شعور غامض لمعرفة سر ججو، إذ تقطعُ أراسيا أحيانا الطريق على ججو سائلة إياه هل أنت مجنون؟ كما أن ججو مقتنع بأن ما يقوم به ما هو إلا استجابةُ لما كلف به مار أدي الرسول، وحين لا يأخذ يوسف كرماني كلام ججو على محمل الجد، يردُ الأخير بما يتضمنُ رغبة للتمرد قائلا، لماذا نضع صلاتنا بين الجدران؟ ذهبت كل محاولات روز لاستعادة ابنها من أوقيانوس تهويماته سدى، لذلك اضطرت للتنازل عن أراضيها الزراعية في ترجلة. شمونيا هي الوحيدة التي تحدب على ابن خالتها بالعطف وتطرز له ثوبا مزركشا. يُذكر أن شمونيا تُحافظ على موقعها الأساسي في بنية الرواية، وما يُفَعِلُ دورها في مراحل مختلفة هو تناميها مع استمرارية سلسلة حلقات السرد، أضفْ إلى ذلك أن شمونيا لا يلتقي مسارُها بما يعملُ من أجله كل من أبلحد وأراسيا. ولم يكن ججو كما توقع والده بأنَّ ستناله البركة، ومنه ستقطع صلة العاهة في شجرة العائلة. حملَ ابنُ بنيامين إرثه الثقيل غير أنَّ ما يتلفظ به يشي بما يكمن في أعماقه من حب التمرد، إذ يفاجأُ القس بأنه سيرتادُ الكازينو ويوزع ما يربحه في القمار على الفقراء، لا يتوقف عند هذا الحد بل يلقي بأسئلته المدوية في سكون الكنيسة قائلا، لماذا الخير فقيرُ والشر غني، هذا ما يجعله في حالة اصطدامية مع الجميع بما فيهم أمه روزا. ومن هنا يتواطأون عليه لإقصائه من البلدة. يوهمه أبلحد الذي له جذور إيطالية من جهة أمه بوجود أتباع كثيرين في ديترويت، معتقدين بأن ابن بلدة كرميلس قديس جديد.

المُفارقة

يتحايلُ أبلحد على ججو حيثُ يقنعه بأن ابنته مثل بريجيت باردو في جمالها، إذ يزوجه تريزا وهي أقرب إلى الجنون وصورة مُناقضة تماما لما أسبغَ عليها أبلحد من مواصفات باهرة، هكذا يتبدد حلم ديترويت ويقيم القديس في الموصل مُبتعدا عن ضريح يوليانا، طاويا شوقه في مكنون قلبه لخادمة بربارة، كما أنَّ غيابه يخلف فراغا لدى شمونيا أيضا. يمتهنُ ججو في مكانه الجديد الخياطة ويتوافدُ عليه الضُباط والعسكريون، ومن ثُمَّ يموت بداء السل أيضا، ليتصدر ابنه حنا المشهد، مرافقا مع شخصيات جديدة مثل بتول بقلاوة، وهي تدير بيت الهوى وتشتغل لديها البنات. يقضي حنا جل أوقاته عند بتول، حيثُ يلعبُ مع ياسمين هنا تتوارد الحكايات ضمن الحكاية المؤطرة للعمل، إذ تعرض كل قصة ما مر به العراق من الحرب والتقلبات، وينقل الراوي على لسان (بتول بقلاوة) جملة تختصر لك تاريخ هذا البلد، إذ تقولُ صاحبة بيت الهوى (العراق بلد لا تعيشُ فيه المتعة ولا يستطعم البهجة، ولا يستطيع العيش لفترة طويلة بلا حروب) يتآلفُ حنا مع أجواء بيت بتول ويستأنسُ بياسمين، لكن عندما يُصابُ حنا بالسل يُرحلونه إلى دير الربان هرمز طلبا للشفاء، إذن على غرار والده يغادر البيئة المتآلفة. في الدير تستشفُ وجود صراع بين اتجاهين الأول يؤمنُ بدور العلم وضرورة الاقتناع به. أما الثاني ينكر اللجوء إلى العلم وينعت من يخالفه في هذا الاعتقاد مهرطقا. جدير بالإشارة أن ثمة مفردات وعبارات منتشرة في ثنايا الرواية، تضاعف الشعور بالطابع الروحاني للمناخ الروائي، مثل ما تسمعه من يوليانا مخاطبة ججو بأن الإنسان يكون حيث يشتاق لا حيث يُدفن، هذه الصيغ أقرب إلى لغة المتصوفة، ولا تختفي النزعة الاجتماعية أيضا، خصوصا في الحوارت المتبادلة بين الشخصيات، ويحسب للكاتب التطابق الواضح بين ملفوظات الشخصيات ومواقع محددة لها في الرواية، كما يستفيدُ من بعض الحوادث كومضات لتعزيز الترابط بين أقسام الرواية في ذهن المتلقي، من خلال التكرار. بعد تجربة الدير وتماثله للشفاء لا يجد حنا مأوى إلا عند ياسمين التي صارت بائعة الهوى، مشبعة رغبات المحاربين الذين يصرفون فلوسهم في شراء المتعة. بالتأمل في ما تعيشه ياسمين تتضح لك محنة النساء اللائي يمارسن هذا العمل رغما عَنهنَّ، وتتمثلُ المُفارقة بظهور يوليانا في بيت ياسمين، كما أن الأخيرة تتحول إلى تابعة للقديسة، هاجرة مهنتها مغطية جسدها. ويعطي الكاتب الكلمة الأخيرة لحنا وهو يلقي خطبة تنضح بنفحات دينية بحضور رجال الدين المطالبين بعودة يوليانا، ويضعك المشهد الأخير أمام المركز الذي يريد احتكار تمثيل الدين والهامش الذي لا يرى بأن موقعه يحول دون ظهور المعجزة لديه.

كاتب عراقي

ثنائية الهامش والمركز في رواية «يوليانا» للعراقي نزار عبدالستار

كه يلان مُحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية