ما الذي يجب أن يقوم بفعله صحافي يرافق القوات التي تحرر مدينة الموصل وهم يطلبون منه المشاركة في التحقيق العنيف؟ عليه أن يرد عندما يرى أن القوات تسمح له بتصويرها وهي تقوم بالتعذيب والاغتصاب أو تقوم باعدام المواطنين؟ علي اركادي هو مصور في المجلة الالمانية «دير شبيغل»، وقد عرف أنه كي يبقى على قيد الحياة، يجب عليه الخضوع للامر الذي أعطي له من قبل قائد «قوات التدخل السريع» العراقية في مدينة الموصل.
يجب عليه الاسهام بشيء في التحقيق. في مقابلة مع الصحيفة الكندية «ستار» قال إنه اضطر الى صفع أحد من يتم التحقيق معهم. نظرة الرعب التي وجهها اليه القائد لم تترك له خيار، إما أن يقوم بالصفع أو يموت.
لقد انصاع اركادي، لكنه لم يتنازل. صور الفيديو المزعزع الذي يظهر فيه معتقلون وهم معلقون من ارجلهم، والمحقق الذي يضع اصابعه في عيون أحد الذين يتم التحقيق معهم، شاهده كل العالم في نهاية الاسبوع. الحكومة العراقية سارعت الى الاعلان عن اجراء تحقيق، ووصلت تنديدات كثيرة من منظمات حقوق الانسان، لكنها كما يبدو لن توقف الفظاعة التي تقوم بها القوات العراقية الخاصة ضد المواطنين في الموصل.
لقد حظي هذا التعذيب بمباركة دونالد ترامب، حيث أعلن في كانون الثاني/يناير بأنه لن يسمح فقط باستخدام «الاغراق في الماء»، حيث يتم اغراق السجين حتى فقدان الوعي. «بل سأسمح بأكثر من ذلك»، قال ترامب. «سألت جهات استخبارية رفيعة المستوى اذا كانت هذه التعذيبات تنجح. فأجابوا، بالتأكيد نعم». صحيح أن الجنود العراقيين لم يحتاجوا الى موافقة ترامب من اجل تعذيب السجناء، لكن ترامب بالتأكيد لن يضرهم.
اركادي هو مصور استثنائي. عندما كان طفلا اضطرت عائلته للهرب من بيتها في خانقين خوفا من القوات الامنية التابعة لصدام حسين. ومنذ ذلك الحين انجذب للرسم والتصوير. وفي النهاية قرر تعلم التصوير عن طريق الانترنت وأصبح مصورا يتم نشر صوره في صحف كثيرة في العالم.
وفي موقعه الخاص «اركادي دوت. نت» ينشر صور من الحرب العراقية حصل بفضلها على جوائز دولية.
الحديث يدور عن صور حساسة من ناحية انسانية، تعرض فظائع الحرب من زاوية رؤية استثنائية غير موجودة لدى مصورين آخرين. وبعد نشر صور التعذيب قررت قيادة القوات الخاصة تقديم شكوى ضد اركادي بسبب «سرقة» أدوات تصوير. وهي تهدد ايضا بتوجيه طلب الى الانتربول من اجل تسليمه.
صور اركادي هي جزء من التقارير الشديدة التي تنشر في اطار تغطية ما يسمى «الانتصار العراقي الكبير على داعش».
وهناك تقارير كثيرة اخرى حول تعذيب مواطني الموصل بدأت في الوصول مؤخرا من شهود عيان تحدثوا عن التصرف الفظيع للقوات المحررة على الحواجز الكثيرة التي وضعت في الموصل، وعلى الطريق بينها وبين بغداد يقوم الجنود بتوقيف المواطنين الذين يريدون العودة الى بيوتهم المهدمة.
وهم يحملون في أيديهم قوائم مطلوبين، ومطلوب من كل مواطن الخضوع للتحقيق في الحاجز للتأكد من عدم ارتباطه بداعش. ويرافق التحقيق الضرب والاهانة.
لقد عاد حتى الآن الى شرق الموصل فقط 8 آلاف شخص مشرد، أما في الجزء الغربي، حيث تدور المعارك بين القوات العراقية وداعش، فقد هرب حوالي 200 ألف شخص ومؤسسات الامم المتحدة لا يمكنها الوصول اليهم، وهم يعيشون في الخيام بدون خدمات اساسية وينتظرون اللحظة التي يمكنهم فيها العودة، وهم لا يعرفون اذا كانوا سيجدون بيوتهم أم أنها دُمرت.
اعمار المناطق المحررة هو مشكلة بحد ذاتها. وهذا الامر يعرفه سكان الرمادي في محافظة الانبار الجنوبية التي تحررت من سيطرة داعش في كانون الاول/ديسمبر 2015. وبعد سنة ونصف ما زال السكان يجدون صعوبة في العودة الى الحياة الطبيعية.
صحيح أن الحكومة بدأت في عملية الاعمار، وهي تقترح قروضا بدون فوائد على المواطنين الذين هدمت منازلهم، إلا أنه يتبين أن هذه القروض لا تساعد.
فعلى اصحاب المنازل أولاً اثبات ملكيتهم لهذه المنازل، ومعظمهم لا يملكون الوثائق أو أن منازلهم بنيت بناء على ترخيص شفوي من اصحاب الارض، وبالتالي هم غير مسجلين في سجل العقارات الحكومية.
وفي الحالات التي يستطيع فيها السكان عرض الوثائق، والحصول على القرض، فإن الدفعات الشهرية المطلوبة تبلغ 350 دولار، وهذا المبلغ أكبر من قدرتهم.
وحسب تقديرات جهات حكومية عراقية، هناك حاجة الى مليارات الدولارات من اجل اعادة اعمار شبكات المياه والكهرباء واصلاح الشوارع التي تضررت من القصف ومن العبوات الناسفة.
ورغم الانتصال، فإن المعارك ضد داعش في الانبار لم تنته بعد، وهي تتركز على طول الحدود بين العراق وسوريا والاردن.
وقوات داعش تقوم باستغلال تمركز الجيش العراقي في الموصل، وغيابه عن مناطق اخرى، من اجل تمركزه في القرى على طول الحدود.
وقد أرسل الجيش العراقي مؤخرا تعزيزات الى المناطق الحدودية الغربية للدولة، لكن عندما تكون المسافة بين مدينة واخرى 200 300 كم يكون من الصعب، وربما المستحيل، ضبط عبور قوات داعش بين سوريا والعراق.
هآرتس 30/5/2017