رواية «ابنة القس» لجورج أورويل: بداية مشوّقة ونهاية مشتّتة

حجم الخط
0

غربلة الأحداث، وتكديس المعاني، وتوظيف السرد، وتحريض المخيلة ودسّ الحوار، تصبُّ في قدرة وموهبة الكاتب الذي يحرّك روايته كيفما يشاء، ويدعها تنساب كنهرٍ ينحدر بين صخور الغاب، ليملأ الدنيا زهواً وإبداعاً.
جورج أورويل، كاتب بريطاني، آمن بالحريّة الفكرية والاشتراكية الديمقراطية، وسعى لتحقيق عدالة ما، من خلال رواياته وأعماله العديدة.
في روايته «ابنة القس»، ينتقد طبقة النبلاء، الذين يراهم في منظوره الشخصي حكرا ًعلى الكنيسة، وتبعاً لها، بينما يُهمّش الفقراء من قبل رجال الدين، بسبب طبقتهم الوضيعة، ويُركنون جانباً.
ابنة القس حاولت أن تخترق تلك الحدود الآثمة بين الطبقتين، أن تكون صورة مغايرة لوالدها القس الأناني، الذي يودع أمواله في أسهم البورصة، غير آبه بالدَّين الذي يلاحقه من الجميع، حتّى من محل الأقمشة ودكان اللحوم، ويدع ابنته تقترض لتأمين متطلّباتهم اليوميّة.
تواظب «دوروثي» وهذا اسمها، على تفادي غضب أبيها القس بشتّى الطرق، فتقوم بكلّ الأعمال التي يتوجّب عليه هو القيام بها، وتذهب إلى بيوت الفقراء لتدلّك أقدام المرضى منهم، وتلعب مع أطفالهم البؤساء بملابسهم القذرة المتّسخة، وتقرص ذراعها كلّما أحسّت بالقرف أو التعب من مهامها الشاقة، حتّى لا تؤخذ بإثمٍ تُعاقب عليه في الآخرة التي تنتظرها، والتي تعيش من أجلها. ورغم الثوب الملائكي الذي تتلفّع به في بداية الرواية، نرى بأنّها تخفي جانباً أليماً مظلماً بين طيّات روحها، إذ أنّها تعرّضت يوماً للتحرّش والاغتصاب من قبل صديقها الذي يكبرها سنّاً بكثير، ويدعى «السيد ووربيرتون»، وهو صديق مقرّب منها، مرح دائم الابتسام، ميسور الحال، يقف موقفاً عدائيّاً اتجاه الدين ورجاله، ولا يؤمن إلا بكلِّ ما هو ملموس ويبعث في نفسه اللذة والراحة الجسدية. وهي تذكر بأنّه كرّر محاولة التحرّش بها لمرات عديدة، ورغم هذا، لم يصبها النفور منه كصديق قد يبعث بالقليل من الرفاهية في نفسها المتعبة، التي كادت تُصاب بالجفاف، وهي تركض في سباق الحياة الروتينيّة اليوميّة متألّمة، حانقة، من كلِّ البلاء الذي يرشقها بوابل سهامه، وهي صابرة تتمسّك بمسبحة الإيمان والتقوى. وفي آخر لقاء بينهما، قامت بصدّه وعادت إلى منزل أبيها القس منهكة مُجهدة، لتستفيق في اليوم التالي وقد فقدت ذاكرتها.
وتبدأ من هنا رحلتها في عالم بوهيمي مادي، بين أصدقاء سوء تعرّفت إليهم في الطريق، وهي تمشي بلا هدى، لتستقرّ عاملة في بستان لقطف الحشيش.
وعندما تعود إليها ذاكرتها، تبعث برسائل عديدة لأبيها القس، وقد خال أنّها هربت مع رجل ما، بعدما أشاعت عجائز القرية خبر هروبها مع عشيق لها، ولكنّه لا يأبه بها ولا يقوم بالردّ عليها.
في آخر الرواية، تعود «دوروثي» إلى القرية، وإلى منزل أبيها القس، فيطالعها الروتين اليومي، وكأنّها لم تتركه يوماً، حتى أنَّ أباها القس يلقاها بالوجه نفسه يوم غادرته، بلا اكتراث أو أيِّ عتاب، وتتابع عملها في الحديقة كأنّ شيئاً لم يكن.
في الرواية، ندرك أن الكاتب أراد أن يصوّر لنا «دوروثي» كشخصيّة ضعيفة، راضية بقدرها، حلمها أن تدرك الجنّة التي وعدتها بها الكتب السماوية، فتُساق معصوبة العينين إلى عملها اليومي، الذي ينسيها نفسها وشغفها بالحياة، وهو يطبق هنا قوله المعروف: «الولاء المطلق لا يدلّ إلا على شيء واحد: انعدام الوعي».
لم يفصّل الكاتب أحداثه بأسلوبٍ جّذابٍ، بل كثّف من الحوار، وقلّل من السرد، وبالغ في الوصف حتى بلغ بالقارئ حدّ الملل. البرودة تطغى على الرواية، التي بدأت مشوّقة تدفع للتلهّف على متابعتها، لتنتهي مع تثاؤبٍ خائب لحدثٍ ممل وأضواء خافتة، لم ينجح فيه الكاتب، الذي عُرف بروح السخرية وانتقاده اللاذع للمجتمع والدين، بأن يتلقّفه بمهارة، كما فعل في العديد من رواياته الأخرى، التي ظهر فيها كمفكر خلاق، ينبش القرائن ليدين مصائب المجتمع.
هذه المباغتة للكاتب جورج أورويل في روايته «ابنة القس»، لا تُحسب له هدفاً من أهدافه التي لطالما أصاب بها لبّ المشكلة، وبثّ من خلالها ثورة لامرئيّة انتهجها الكثيرون من بعده.
كاتبة لبنانية

رواية «ابنة القس» لجورج أورويل: بداية مشوّقة ونهاية مشتّتة

نسرين بلوط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية