غالبا ما كان الكبار يسألوننا حين كنا أطفالا صغارا إن كنا نصوم أم لا؟
وغالبا ما كنا نهز رؤوسنا ونجيبهم، من دون تردد أو تفكير، إننا بالطبع صائمون. حتى المفطرون منا لم يكونوا يجرأون على الكشف عن إفطارهم أو التبجح به، مثلما يفعل بعض الشباب اليوم، وكانوا يفضلون كتمانه واعتباره سرا دفينا لا يجوز إعلانه أو البوح به لأحد، ربما من باب الخجل أو الخوف من المهانة والعار الذي قد يلحقهم، متى عرف الآخرون أنهم لم يستطيعوا مقاومة الجوع والعطش وفشلوا في واحد من أصعب الاختبارات وأكثرها مشقة.
كان رمضان يعني لنا في اواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات أكثر من مجرد فرض ديني، فقد كان مناسبة للمقاومة والتحدي، وشكلا من أشكال التعبير عن الرفض والاحتجاج. وكنا نشعر بأن صيامنا هو الذي سيجعلنا قادرين على أن نثبت أن لنا وجودا وكيانا مستقلا عن العالم. وكنا نحس أيضا بأننا بالصوم نواجه سلطة كنا شبه متيقنين انها لم تكن ترتاح كثيرا لا للصوم ولا للصلاة، ولا لأي مظهر من مظاهر التدين. وبقينا سنوات نرى شبابا يفوقوننا في السن والتجربة يستبقون السلطات كل عام ويتناقلون اخبارا عن دخول شهر رمضان، أو بداية العيد، مؤكدين ان اعتماد البلد على الحسابات الفلكية من دون تحري رؤية الهلال، امر باطل ومخالف تماما لأحكام الشرع، ومرددين أنه مادامت الرؤية قد ثبتت في بلد من البلدان الاسلامية فإن جميع المسلمين بلا استثناء ملزمون بها على اختلاف مللهم ودولهم.
لقد جعلنا ذلك نشعر بأننا غرباء نعيش في بلد منفصم، يعلن حكامه انه مسلم من دون ان يكونوا مستعدين أو قابلين لان يمارس الناس شعائر الإسلام وعباداته بحرية، ومن دون أن يفسحوا المجال للاجيال الشابة، حتى تتعرف على الدين عن قرب وبلا حواجز. وكثيرا ما تساءلنا في قرارة انفسنا ما الذي يجعلهم يخافون الى تلك الدرجة الهستيرية من أي علامة أو مظهر يشير إلى الإسلام؟ ولماذا تحول الصوم وهو طقس فردي يربط الإنسان بربه، إلى قضية تمس كيان الدولة وتهدد أمنها واستقرارها كما كانت توحي بذلك كل مواقف السلطة وتصرفاتها؟ وكنا نحاول ان نفهم بلا جدوى أي اسلام هذا الذي نعيش؟ ولماذا نحن مختلفون عن باقي الشعوب والدول الاسلامية؟ وهل أن بورقيبة الذي أقدم على شرب كأس عصير على الملأ في نهار رمضان، ودعا شعبه الى الافطار حتى يقوى على محاربة الجهل والتخلف، كان هو النموذج الحقيقي والأصلي للمسلم المعاصر، الذي يجمع بين التزامه الديني والروحي وواجبه الدنيوي والعملي؟
ظلت تلك التساؤلات تدور طويلا في أذهاننا حتى غاب «المجاهد الأكبر» وانتهى به المصير الى العزل في بيت بمسقط رأسه، واختفت صوره العملاقة وسقطت تماثيله التي كانت تملأ بعض الشوارع والمقار الرسمية، بانقلاب مخملي قاده وزيره الاول. كان انطباعنا الفوري وقتها ونحن شباب على ابواب الجامعة، أن الرجل القوي الذي خلفه في السلطة سوف يبدد كل تلك التناقضات وينهيها، وأنه سوف يسير في الاتجاه المعاكس لسياسات بورقيبة. لقد حسم في اشياء بسيطة كانت تصور زمن الرئيس الاول، وكأنها قضايا أمن قومي، ولم ير مانعا أو مبررا حتى لا تعتمد رؤية الهلال في اعلان بداية رمضان أو انتهائه، وهو ما وضع حدا لحالة الانقسام التي كانت تحصل كل عام في تونس، بين شباب يبادر للصوم والافطار مع اعلان اول بلد مسلم عن رؤية الهلال، وأجيال اخرى من الشيوخ التقليديين كانت ترى ذلك نوعا من الفتنة، وتردد انه لا بد من اتباع الحاكم مخطئا كان أم مصيبا، مادام ذنب اعلان الصوم أو الافطار سيكون في كل الاحوال في عنقه وحده. ثم زاد الرئيس الجديد وقطع خطوة اخرى، حين سمح للمرة الاولى ببث الأذان في الاذاعة والتلفزيون الرسميين، قبل ان يقوم في الشهور الاولى من حكمه بزيارة البقاع المقدسة لاداء العمرة. لكن ما لم يدركه الكثيرون وقتها هو ان كل ذلك كان طعما رماه بن علي حتى يصطاد من كان يعدهم، اعداء دائمين لدولته وليوهم العالم ألا مشكل له مع الاسلام، وانما المشكل فقط مع من يستغلونه للوصول الى السلطة وتحقيق أهداف ومآرب سياسية.
وطوال التسعينيات وتحت مبرر الحرب على «الارهاب الاسلامي» ظل النظام يشن هجوما عشوائيا على كل مظاهر التدين، ولم يميز بين اتباع الجماعات الاسلامية ومن كانوا يرغبون بممارسة الشعائر والعبادات من دون ان يكونوا منتمين لاي حركة أو تنظيم. وكانت النتيجة، أن جيلا كاملا من الشباب اليافع تربى على فكرة الخوف من الاقتراب من الدين، ولم يجد ادنى فرصة لاكتشافه خارج القوالب الرسمية، التي كانت تصوره على أنه دين انفتاح وتسامح، من دون ان يعني ذلك شيئا اخر غير السماح بالتحلل الكامل من واجباته والتزاماته.
ولكن الصوم ظل هنا بمنأى عن رقابة السلطات وسيطرتها، والسبب انها لم تكن تملك وسيلة للتدقيق فيما اذا كان الناس يصومون رمضان أم لا، ولم تكن لها الجرأة حتى تصدر قانونا يحظر الصوم مثلما فعلت الصين مع اقلية الايغور. صحيح ان الوضع لم يصل ذلك الحد، ولم يحصل المنع الصريح بالشكل الذي كان موجودا مثلا في الدول الشيوعية السابقة، ولكن ما عمل النظام عن قصد أو عن غير قصد على تكريسه، هو إما القطع الكامل مع الصوم، واعتباره إرثا ثقيلا لا حاجة أو ضرورة للاستمرار فيه، أو استبقاء نوع من الصوم التقليدي ينحصر في الثنائية المعروفة، كسل ونوم بالنهار، وسهر ومجون بالليل.
والمفارقة انه حتى بسقوط الاستبداد، بقي الوضع ثابتا على حاله، بل ان الاجيال الشابة التي انساقت وراء موجات الاحتجاج المتواصل، لم تجد حاجة لمثل ذلك الصوم الاحتجاجي الذي عرفناه أيام بورقيبة، واستبدلته باشكال اخرى من الاحتجاج، كاضرابات الجوع المفتوحة والتهديد بالانتحار الفردي والجماعي وحتى تجربته في كثير من المرات. وربما عاد ذلك للفتور النسبي للمشاعر الدينية، أو لغياب ما كان يعرف بالاسلام الاحتجاجي بعد عملية التطبيع التي حصلت بين الدولة واكبر الحركات الاسلامية في البلد، وربما أيضا لشدة التأثير القوي للربط الإعلامي المتعمد بين كل أعمال القتل والرعب، التي حصلت وتحصل في الداخل والخارج، والاسلام.
ولكن مهما تكن المبررات فإن اللافت هو ان تقلص الشعور بوجود حالة من العداء المستحكم للاسلام في تونس بفعل تراجع التضييقات القديمة على الدين لم يترك عكس ما كان منتظرا، أثرا فعليا ومباشرا على التونسيين ولم يصحح ويعدل بشكل جذري علاقتهم برمضان وبالصوم. فمازال معظمهم حتى الآن يكرر ما كنا نقوله أيام كنا أطفالا صغارا، من أننا بالطبع صائمون، من دون أن يفهم سبب صومه أو يدرك الهدف منه أو تنعكس أقواله تلك على حياته.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية