أتذكر السنة الـ 21. كنت في الثانوية. اندلعت الانتفاضة الاولى والشبان المقيدون ومضمدو العيون ملؤوا شاشات التلفزيون. الخط الاخضر، الذي شطب من الخرائط التي علمونا بها الجغرافيا والوطن، احترق بلهيب اطارات السيارات المشتعلة على طوله، وبدأ الفهم البسيط يتسلل إلى العقول: في المكان الذي يوجد فيه احتلال يوجد فيه محتلون.
أتذكر السنة الـ 21 لان الانتفاضة عربدت على مسافة امتار قليلة عن بيتي، على خط التماس الذي بين القدس الغربية والشرقية، ولانه تشكلت ايضا حركة احتجاج بهذا الاسم: «السنة الواحدة والعشرون». اولئك الذين اقاموا المنظمة مع اسم لتاريخ انتهاء مفعول على هذا القدر من القصر، لن يتصوروا على اي حال ان يصل الاحتلال إلى يوبيل من السنين ولا يزال لا تبدو مؤشرات خروج على التقاعد. وهم بالتأكيد لم يتصوروا بأنه بعد انتفاضتين و 25 سنة «مسيرة سلمية» الاحتلال سيتعمق فقط والاستعمار الإسرائيلي سيزدهر ويتعاظم.
في الثلاثين سنة التي قضت تصرف المعسكر السياسي الذي تبنى تقسيم البلاد في معظمه كطرف في الخلاف الداخلي، الذي يأخذ على عاتقه القيود المفروضة على الجدال بين موقفين شرعيين. هذا النهج يمكن أن نراه من خلال النقاش الذي جرى في الجناح الذي يسمي نفسه «معسكر السلام» على شرعية رفض الخدمة العسكرية في المناطق. في الهوامش كان هناك من ايدوا الرافضين باسم حرية الضمير ولكن لم ترى اي جهة ذات مغزى في الرفض اداة شرعية لاحداث التغيير، وبالتأكيد لم يدعُ احد للرفض. فإسرائيل هي ديمقراطية، وفي الديمقراطية يتم الاقناع وليس الاملاء.
المنطق ذاته هو الذي كرس النشاط الإسرائيلي في الخارج من أجل انهاء الاحتلال. «نحطم الصمت»، «بتسيلم»
والإسرائيليون الحقيقيون الآخرون الذين يقولون بالانجليزية بالضبط ما يقولونه بالعبرية، اي عندما لا يسكتونهم بالعنف وبالتشريعات.
وهذا المنطق يغذي ايضا معارضة الكثيرين من مؤيدين انهاء الاحتلال لكل نوع من المقاطعات، حتى تلك التي تركز على المستوطنات. إذ في الديمقراطية يتم الجدال، وليس المقاطعة. غير انه في نظرة إلى الوراء، وفي سياق الاحتلال، من الصعب الدفاع عن فكرة إسرائيل كديمقراطية، وبالتالي فإن الموقف الذي يقول انه يجب تقييد اساليب النضال ضد الاحتلال باعمال الاقناع الداخلية، ليس فقط مغلوط بل وغير اخلاقي.
ان النظام الذي يسمح فقط لقسم من رعاياه بالمشاركة السياسية ليس ديمقراطيا. وبالتالي صحيح أنه يوجد لإسرائيل سلطة تشريعية منتخبة، فصل للسلطات وحرية صحافة (كل الثلاثة توجد في خطر في هذه الايام)، ولكن منذ خمسة عقود وهي تسيطر على ملايين البشر معدومي الحقوق للترشيح والانتخاب للاجهزة التي تحكمه. فإسرائيل لا تعلق فقط حقوق المواطن لهم بل تسطو على اراضيهم ومقدراتهم في ظل نقلها للمتميزين من مواطنيها، وتمنع عنهم بالقوة والوحشية الاستقلال والتأثير على مستقبلهم.
حتى لو كان ممكنا في بداية الطريق القول ان هذا وضع مؤقت وليس مناسبا بسبب الاحتلال نزع لقب الديمقراطية عن إسرائيل فإنه كلما مر الوقت نجد أن العلائم الديمقراطية للنظام يصعب عليها أن تحمل على ظهرها العبء الثقيل لواقع الطغيان الذي تفرضه. لعله في السنة الثانية كان ممكنا الادمان على الوهم بأن إسرائيل تبحث عن حق لا يتضمن تنكرا علنيا لفكرة ان لكل انسان، حتى لو كان فلسطينيا، توجد حقوق. اما اليوم فملف الادلة المدينة للمحتل للمؤامرة على تثبيت السيطرة على الارض وفرض نظام هو عمليا نظام أبرتهايد على الفلسطينيين وحفظه يبرز كمسدسات مدخنة.
في بداية سنة الاحتلال الـ 51 يجب أن نقول بصوت عال وواضح: إسرائيل المستوطنة، المستغلة والمانعة لحقوق ملايين البشر على مدى عشرات السنين لا يمكنها ان تعتبر دولة ديمقراطية. لعله في اليونان القديمة كان يمكن وجود ديمقراطية بينما يحبس عبيد تحت بيوت المواطنين.
ولكن منذ أن اعترفت الانسانية بالحقائق الواضحة من تلقاء ذاتها – ان لكل الناس حقوقا متساوية في الحياة، الحرية والسعي إلى السعادة – فإن نظاما يحكم عشرات الاف الناس معدومي الحقوق ويفعل كل شيء كي يثبت هذه السيطرة، ليس ديمقراطيا. ويستنتج من ذلك بأن استمرار الاحتلال ليس شرعيا، ولا يهم اي اغلبية بين مواطني إسرائيل يؤيده. مثلما هو الفصل العنصري غير شرعي، ومثلما هو الابرتهايد غير شرعي.
كإسرائيليين مسؤولين جماعيا عما يجري باسمنا، علينا أن نكافح ضد الاحتلال بكل وسيلة غير عنيفة دون أن نقبل بالقيود المفروضة على الجدالات الداخلية الشرعية في الديمقراطية. يجب أن ترفض المساعدة في استمراره، مقاطعة اقتصاده واقناع العالم بوجوب الضغط على إسرائيل لانهائه.
لو كان المعسكر المعارض للاحتلال مصمما بما يكفي. لو كف على الادمان على كذبة الديمقراطية الإسرائيلية، لكان يوم اليوبيل للاحتلال على الاقل يوم اضراب سياسي. يوم يترك فيه المعلمون والمحاضرون صفوف التعليم، ويلغي الممثلون العروض ويغلق التجار دكاكينهم. يوم يتلقى فيه الجمهور الإسرائيلي رسالة واضحة: مقاومة الاحتلال هنا وهي ستبقى، وهي لن تذهب إلى اي مكان.
المقاومة المدنية هي موضوع الساعة كي تكون السنة الـ 51 هي السنة التي بدأ الاحتلال فيها يتفكك.
ميخائيل سفراد
هآرتس 30/5/2017
صحف عبرية