القاهرة ـ «القدس العربي»: ما بين هجمات تلاحق الصحافة والإعلام من كل اتجاه، وتحرش بمؤسسة العدالة على مدار الساعة، وتجاهل تام من قبل السلطة لمشاعر الأقباط على قتلاهم، إذ لم تعلن الدولة الحداد على ما جرى في المنيا مؤخراً، فيما تولت الأردن القيام بهذا الواجب، وسط دهشة انتابت القوى الوطنية، باتت مصر على موعد مع لحظة فارقة ترشحها الأقدار لاسترداد تركة ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، التي ذهبت أدراج الرياح.
فقد اكتشف المصريون مع اقتراب نهاية الولاية الأولى من حكم الرئيس السيسي، أن الفقر لم يراوح عتبات بيوتهم، والقهر ارتفع منسوبه عن زمن المخلوع مبارك، الذي لم يجرؤ طيلة سنوات حكمه على أن يغلق عشرات الصحف والمواقع الإلكترونية بجرة قلم، وهو ما فعلته السلطة الراهنة، مستخدمة مهندسي القمع من أصحاب الخبرات على مدار العقود الماضية، كي تحقق أهدافها بتصفية أي صوت معارض.
باقتدار باهر أعادت السلطة الجديدة زمن زوار الفجر، وعصر الصوت الأوحد على ضفاف المحروسة، التي لم تجن بعد أيا من وعود فارسها الجديد، وهو الأمر الذي أسفر عن ارتقاع وتيرة النقد ضد السلطة، التي لم تجد أمامها سوى اختصار حركة التاريخ والعودة لزمن عصور الاستبداد، بملاحقة المعارضين لسياستها.
تناولت الصحف المصرية أمس الخميس 1 يونيو/حزيران عددا من الموضوعات والتصريحات منها: وزير الدفاع: الضربة الجوية ضد معسكرات الإرهاب حق أصيل للدولة المصرية، «الوزراء»: امتحانات الثانوية العامة في موعدها ولا تغيير في الجداول، تعديل قوانين العقوبات والنقل والجامعات والشركات، مصر تدين تفجير الحي الدبلوماسي في كابل، إزالة 42٪ من التعديات على أراضي الدولة مع انتهاء مهلة استعادة «حق الشعب»، مشاورات سياسية لـ»حصار الخلافات» مع السودان السبت، «الأمن الوطني»: عناصر خلية «البطرسية» نفذت حادث المنيا.
طاقية الإخفاء
«هل أعطى ترامب خلال زيارته الشهيرة للشرق الأوسط شيكا على بياض للقمع وكبت حرية الصحافة عبر حجب مواقعها الإلكترونية؟ يتساءل فراج إسماعيل في «المصريون». هل عداؤه للصحافة في بلاده وعجزه عن مواجهتها انعكس علينا فقامت حكومتنا بالواجب؟ في بلاده قوانين تحترم ومؤسسات قوية لا تترك للبيت الأبيض مجالا لأي استبداد وانفراد بالقرارات. هذا الحجب الجماعي للمواقع المصرية المرخصة التي تعمل بشكل قانوني، مساو لإغلاق الصحف ومصادرتها، لأن بعض تلك المواقع مؤسسات صحافية قائمة ومرخصة في المجلس الأعلى للصحافة، وتصدر صحفا ورقية، وصحافيوها أعضاء في نقابة الصحافيين، كما أن المعينين فيها تقبلهم النقابة في عضويتها، مثل جريدة «المصريون» وجريدة «البورصة». لا أحد حتى الآن يعرف مبررات الجهة التي اتخذت قرارات الحجب غير القانونية أو الدستورية، ولماذا تلبس طاقية الاخفاء. وما الذي يضيرها مثلا من جريدة لا تنشر سوى الأخبار الاقتصادية وأخبار المال مثل «البورصة»؟ وما حساسيتها تجاه موقع أخبار باللغة الإنكليزية «دايلي نيوز»؟ الدستور يمنع مصادرة وإغلاق الصحف، ولكن الجهة المجهولة فعلتها دون احترام لدستور، ومن غير أن تعبأ لردود الفعل السلبية في العالم، التي بدأت تصنف مصر عدوا للإنترنت ولحرية الصحافة، وإذا كانت الحكومة لا تعبأ بالقانون أو الدستور، فهل ستعبأ بأي أحكام قضائية يلجأ إليها أصحاب تلك الصحف والمواقع؟ عندما تغيب دولة القانون وعندما يصبح الدستور مجرد مذكرة تجميلية، لا تقدم ولا تؤخر، فإن كل شيء يخضع للحالة المزاجية لأولي السلطة والنفوذ. يبدو لكثيرين أن فرض قانون الطوارئ يهدف إلى تكميم الأفواه وخنق حرية الصحافة وحجب المواقع الصحافية التي تقدم الأخبار والتقارير بشفافية وموضوعية.»
حرب الدولار المقدسة
ما زالت أصداء المؤتمر الإسلامي العربي الأمريكي، الذي تم مؤخرا في الرياض، بحضور رؤساء وملوك ومندوبى 55 دولة عربية وإسلامية، مصدر اهتمام الكثير من الكتاب ومن بينهم مي عزام في «المصري اليوم»: «المؤتمر وضع حزب الله وحركة حماس ضمن المنظمات الإرهابية، كما وصف إيران بالدولة الداعمة للإرهاب، وهو ما أنكرته قطر على لسان أميرها علنا، وتنكره دول أخرى سرا، الإرهاب صفة تلحقها الدول بتنظيمات ودول أخرى، تختلف معها حول المصالح والنفوذ.. إنها حرب الدولار والدرهم، لا حرب السنة والشيعة، أو الإسلام والمسيحية.. إنها حروب الماء والكلأ الحديثة. العراق وسوريا أصبحا مهيأين لتقبل ما يجتمع عليه الأقوياء أصحاب المصلحة، روسيا عادت للمنطقة بقوة مع الخروج النسبي لأمريكا في عهد أوباما، سوريا كانت البداية، ثم تأتي ليبيا، التي استولى الناتو على غنائمها واستبعدوا القيصر، زيارة لافروف الأخيرة إلى مصر، وزيارة الأمير محمد بن سلمان إلى موسكو، مؤشرات على أن التنسيق بالنسبة للملفين السورى والليبي، وتقسيم المصالح بين القوى الكبرى في الدول الثلاث المنهارة: العراق وسوريا وليبيا، يتم على قدم وساق، ولن يقبل طرف استبعاده، وأدواته دائما حاضرة، وفي مقدمتها الإرهاب. الدول العربية صارت ضحية الإرهاب الذي شاركت في صنعه، ولذلك فإن الحرب على الإرهاب لا تحتاج فقط لرجال دين مستنيرين، لكي يتوقف، لكنه يحتاج إلى تعليم وثقافة واقتصاد مضاد للفقر.. يحتاج إلى مفكرين ومثقفين مستقلين ومنظومة عدل، وفي المقابل على الأنظمة الحاكمة أن تقدر هذه العوامل وترفع من شأن الثقافة والتعليم، ولكن للأسف يتم تهميش المثقفين، واستبدال آلة دعاية إعلامية ضخمة بهم، صوتها عال ولكنها جوفاء، تستخدم عبر قنواتها أشخاصا يرضون بالقيام بدور الفقيه في كل الأمور المطروحة، وبدلا من أن ينيروا طريق المشاهدين يزيدون من تضليلهم. أهم وسيلة لمحاربة الإرهاب هي منح الأمل للناس في حياة كريمة، ومشاركة الشعوب في صنع القرار».
لهذا يقتلون الأقباط
«يشير الاعتداء الذي تعرض له المسيحيون من زوار دير الأنبا صموئيل في المنيا، إلى أن العقل الإجرامي الذي يسكن في أدمغة هؤلاء المتعصبين لا يعرف للشر حدودا. قتل الأطفال والنساء على يد إرهابيين مجرمين يبين، وفق ما يرى جمال عبد الجواد في «الأهرام»، أن في نفوس هؤلاء طاقة كراهية أكبر بكثير مما نتصور، وأن الكراهية التي تملأ نفوس الإرهابيين تجعلهم مستعدين للذهاب في الوحشية إلى آفاق أبعد بكثير مما تستطيع عقول الأسوياء تخيله. المسيحيون مستهدفون من جانب الإرهابيين لأسباب كثيرة، لقد شارك المسيحيون ـ مثلهم مثل غيرهم من المصريين – في ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران، التي أنهت حكم المتطرفين وجماعات الإرهاب، وهو ما لن ينساه المتطرفون أو يغفرونه. شارك المسيحيون في الثلاثين من يونيو كمواطنين لهم حق المشاركة في صنع مصير الوطن، وهذا بالضبط ما لا يفهمه المتطرفون وما يرفضونه، فغير المسلمين – في عرف المتطرفين – ليسوا مواطنين لهم حقوق كاملة، ولكنهم ذميون يدفعون الجزية صاغرين، وإلا كان القتل والإخراج جزاءهم. ما يحدث ضد المسيحيين اليوم ليس سوى معركة جديدة في الحرب نفسها التي كانت الثلاثين من يونيو واحدة من معاركها المبكرة، وما تفجير الكنائس وإطلاق الرصاص على الأبرياء، سوى امتداد للاعتداءات التي تعرضت لها كنائس مصر في صيف عام 2013 الساخن، عندما نجح المصريون، مسلمين ومسيحيين، في هزيمة التطرف، لقد اختار المسيحيون المصريون في الثلاثين من يونيو طواعية الانحياز لمعسكر النهوض الوطني، رغم التكلفة والمخاطر، وما يواجهه المسيحيون المصريون اليوم هو استكمال للطريق الذي اختاروه عندما رفضوا أن يكونوا رعية من الذميين، وتمسكوا بحقهم في المواطنة والمساواة الكاملة».
نهاية مصر أم «داعش»؟
«هدفهم إسقاط الدولة المصرية، هكذا صرح الرئيس السيسي بوضوح في أعقاب حادث المنيا الإجرامي، الذي أودى بحياة أكثر من 29 مواطنًا مصريًّا ما بين طفل ورجل وامرأة. تصور البعض كما يرى أحمد بان في «البديل» أن الرئيس يبالغ في وصف خطورة الأمر، أو أنه يبرر ضربات قام بها ـ أثناء كلمته ـ سلاح الجو المصري لبعض مواقع الإرهاب في ليبيا، وتواصلت بعدها. لكن الحقيقة أن هدف «داعش» بالفعل هو هدم الدولة المصرية وإسقاطها، والدليل ليس فقط تواتر عمليات التنظيم بحق إخواننا الأقباط، خصوصًا منذ ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، عندما أقدم التنظيم، عبر عنصر انتحاري من عناصره، على تفجير نفسه في الكنيسة البطرسية في العباسية، ثم بعدها تنفيذ هجوم متزامن في أبريل/نيسان من هذا العام في كنيستين في طنطا والإسكندرية، وأخيرًا استهداف رحلة لبعض الأقباط كانت متجهة لأحد الأديرة في صحراء المنيا. الدليل الناصع، حسب أحمد بان، على أن التنظيم يخطط بوعي وعمق لمصر، هو تلك الوثيقة التي كتبها أبو مودود الهرماسي، أحد منظري «داعش» منذ شهر تقريبًا. بدأت الوثيقة بالتأكيد على أهمية مصر وموقعها في السياسة الدولية، ودورها في استقرار العالم بالقول: «تظل مصر محور اهتمامات الناس؛ القاصي والداني الشرقي والغربي البر والفاجر المسلم والكافر، فهي رمانة ميزان الاستقرار للغرب الكافر في بلاد المسلمين، ومنطلق فوضى الانهيار العالمي، لذلك هي أم الدنيا، فعند استقرارها تستقر الدنيا وعند انشطارها تنشطر الدنيا، وهنا تكمن أحجية الساسة والعامة من مثقفين وسياسيين ومنظرين».
قتل على الهوية
حادث مقتل الأقباط في المنيا ما زال مهيمنا وتقول كريمة كمال في «المصري اليوم»: «لم تعد تجدي الكليشيهات.. لم تعد تجدي البروباغندا، فالثمن بات باهظا ويدفع من دماء الأقباط.. فلا تقل لي الإرهاب يستهدفنا جميعا، ولا تقل لي إن الشرطة والجيش يدفعان الثمن أيضا، فالاختلاف بات واضحا وضوح الشمس، نعم الشرطة والجيش يسقط منهما شهداء، وربما كل يوم، خاصة في سيناء لكن الاستهداف هنا للشرطة والجيش هو استهداف للدولة ولقواتها في حربها ضد الإرهاب، أما المدنيون فهم وضع مختلف تماما فلا يتم استهداف أي مدنيين عزل لأن المتشددين هنا لا يستهدفون المسلمين، لأنهم إخوتهم في العقيدة، ومن هنا فعندما خرجت تصريحاتهم الأخيرة قبل الجريمة البشعة في المنيا معلنين عن مزيد من الاستهداف للأقباط طالبوا المسلمين بالابتعاد عن مناطق تجمعات الأقباط. الأقباط هنا مستهدفون بوصفهم كفارا وسفك دمائهم حلال، بل مطلوب، وهكذا استهلوا شهر رمضان تقربا وعبادة. الاختلاف هنا يتضح تماما عندما نتابع تفاصيل المجزرة التي رواها الناجون، من أن المتشددين أو الإرهابيين، سموهم كما شئتم، قد خيروا الأقباط ما بين النطق بالشهادة وإعلان الإسلام، وبين أن يقتلوا فاختاروا أن يقتلوا.. المسألة ليست سياسية، بل هى ليست إرهابا كما نرى في ما يجري في باريس أو لندن أو برلين أو مانشستر.. هنا اختلاف واضح بين تفجير هنا وهناك انتصارا للإسلام، كما يتصورون أو ثأرا له، وبين أن يفجروا الكنائس للأقباط الكفار لأنهم يعيشون بينهم ويصرون على الاحتفاظ بعقيدتهم، بينما هم يرون أن عليهم أن يتركوا هذه العقيدة الفاسدة، كما يقول شيوخهم وينجوا بأنفسهم بأن يلتحقوا بالإسلام، لذا فهم يخيرونهم بين أن يعلنوا إسلامهم بالنطق بالشهادة أو أن يقتلوا.. هذا حتى مختلف عن تفجيرات الكنائس، ربما لأنهم هنا وجها لوجه مع الضحية قبل القتل. من هنا فلا تقولوا لي نحن جميعا مستهدفون».
قاطعوهم يرحمكم الله
«مع أن كلمة الرئيس السيسي لكل المصريين كانت تحمل رسالة عن عزمه أخذ الثأر قبل أن تجف دماء شهدائنا في المنيا.. الرئيس أصدر تعليماته لقواتنا الجوية بضرب قواعد الإرهاب في ليبيا.. وكشف للشعب عن مخطط الإرهاب في محاولة إسقاط الدولة المصرية وكسر تماسك المصريين.. الرئيس كان حزينا على الأرواح البريئة التى راحت ضحية الإرهاب.. ولذلك كان الشارع القبطي كما يشير صبري غنيم في «المصري اليوم» بعد كلمة الرئيس أن تقوم القنوات الفضائية بتأجيل إذاعة المسلسلات ثلاثة أيام تضامنا مع مشاعر الرئيس، ومشاعر المصريين في حدادهم على الشهداء.. ما من بيت مصري أو جامع إلا وكانت كل مشاعرهم مع أسر الضحايا الأبرياء الذين قتلهم الإرهاب بغير ذنب سوى ضرب الوحدة الوطنية لإسقاط الدولة المصرية. الاقباط عز عليهم وفق رأي الكثيرين أن تطفئ فرنسا وهي تشارك مصر العزاء في شهدائها، الأنوار أعلى برج «إيفيل» تضامنا مع مشاعر المصريين، وهم يتقبلون العزاء في أهاليهم أبناء الصعيد؛ لذلك كانت الصدمة قوية أن تعلن القنوات الفضائية عن احتفالاتها بليالي رمضان وتبدأ في بث مسلسلات الإعلانات تحت مسمى مسلسلات رمضان.. وكأن تأثير الفجيعة التي تألم لها كل المصريين قد ذاب بعد تشييع الجثامين إلى مقابرها. قد تعترض الفضائيات على هذا الاتهام على اعتبار أنها في ليلة الحادث، قامت بتغطية إعلامية استعرضت فيها الجريمة الوحشية التي ارتكبها الإرهاب، والتي راح ضحيتها ما يقرب من 29 قتيلا، بالإضافة إلى أعداد المصابين.. أنا عن نفسي لا أنكر ظهور المذيعات وهن يرتدين ملابس الحداد يتبادلن الحوارات مع معلقين مصريين وأجانب، وكل حواراتهم كانت عن الإرهاب».
القمع من حق الجميع
«جاء خطاب مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام، لنقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة بشأن جريدة «المقال» ليكمل، وفق رؤية خالد البلشي في «البداية»، مشهد قمع الصحافة، مضيفا جريمة جديدة إلى جرائم السلطة في حق الإعلام، الذي تلقى هذه المرة رصاصة من داخله. أراد مكرم أن يحدد بهذه الرصاصة، وتوقيتها الخطوط الحمراء المسموح بالعمل تحتها وفي ظلها، مستعيدا مفاهيم قديمة طالما تم استغلالها في قمع الصحافة والصحافيين، فأهل مكة ونقيبها السابق أدرى بشعاب قمعها وتخفيض سقوفها وتقييد مساحات حركتها والمشي داخل حيطانها. فمنذ اللحظة الأولى التي أصبح فيها، من شغل يوما منصب نقيب الصحافيين الأسبق مسؤولا عن الإعلام في مصر، بحكم منصبه، فإنه قرر أن يرسم للإعلام حدودا لا يتجاوزها، ويستكمل إعادته إلى كنف السلطة، فانتقل من الحديث عن حقه في مكتب وزير الإعلام وسياراته، إلى ضرورة إخضاع مجالس وهيئات الإعلام الثلاثة لإشرافه، لينتقل بعدها للحديث عن تدشين لجان لمراقبة أداء الإعلام، دون أن يضبط مرة متلبسا بالحديث عن حرية الصحافة، أو توسيع مساحات حركتها أو حتى الدفاع عن حقوق الصحافيين والإعلاميين. وهكذا ومنذ اللحظة الأولى لتوليه مسؤولية المجلس الأعلى للإعلام، قرر الأستاذ مكرم أن يحول مجلسه إلى جندي في سرية الرقابة على الصحافة والإعلام، وتحبيذ القرارات القمعية بحقها، بل ومهاجمتها وتقديم البلاغات ضدها إن اقتضى الأمر. لم ير مكرم في منصبه إلا فرصة لاستعادة سطوة زالت منه، واستكمال فرض هيمنة دولة توحشت في سنواتها الأخيرة، معلنا للجميع أنه قادر في «حكم الإعلام وإخضاعه» على أن يأتي بما لم يأت به الأوائل، من وزراء الإرشاد القومي، إلى صفوت الشريف وأنس الفقي».
من أجل عيون السيسي
نبقى مع الحرب ضد تكميم الأفواه، حيث يؤكد محمد سعد عبد الحفيظ في «البديل»: «أن مهمة الأستاذ مكرم محمد أحمد ومجلسه ولجنته ستكون تسويف القضية وترحيلها شهرا بعد شهر، حتى ييأس أصحاب الحقوق، أو يكشف الله الغمة التي حلت على مصر، لعدة أسباب أبرزها، أن مجلس «الكبير» تم اختياره بعناية حتى يكون يد السلطة المسلطة على الإعلام، وليس صوت الإعلام عند السلطة، ثانيها أن الكبار في هذا المجلس هم كبار فعلا، استمروا عقودا في أقبية الصحافة الحكومية، لا يعرفون الكثير عن الصحافة الحرة، بمعنى آخر عاشوا معظم سنوات حياتهم وهم يحسبون نجاحهم بمدى قربهم أو بعدهم عن مصدرهم الحكومي، ثالثها أن هؤلاء الكبار لا يعترفون بالمواقع الإلكترونية كوسيلة من وسائل الإعلام، فما زلوا يتعاطون الصحافة التقليدية وينظرون بأنفة إلى من يعمل في الميديا الجديدة، ويودون أن تنشق الأرض وتبلع هؤلاء الذين أبدعوا صحافة التمرد والرفض، فهم من وجهة نظرهم أس البلاء الذي حل على البلاد والعباد، فضلا عن أنهم سحبوا البساط من تحت أرجلهم وصاروا نجوما في سماء المحروسة، فيما ظل كبارنا يحرثون رمال الصحف الحكومية معظم سنوات عمرهم، ولم يصلوا إلى ما وصل له أحفادهم. لتلك الأسباب لا أتوقع أن يكون هناك حل لأزمة حجب المواقع ففاقد الشيء لا يعطيه».
إرحموا الرئيس المنتخب
أبدى الدكتور نور فرحات، الفقيه الدستوري والقانوني، تضامنه مع الرئيس الأسبق محمد مرسي، عقب تصريحاته التي قال فيها إنه لم يلتق أهله ومحاميه منذ أربع سنوات. وكتب فرحات عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «ما أعلنه الدكتور محمد مرسي في جلسة المحاكمة الأخيرة، من أنه ممنوع من زيارة أهله ومحاميه له منذ أربع سنوات، أمر أن صح فهو مناف لأبسط مبادئ العدالة والحقوق الأساسية للإنسان». وأضاف: «ويجب أن يخضع للتحقيق القضائي، فرق بين تطبيق القانون وإجراءات التقاضي (منصفة كانت أو غير منصفة) وبين الانتقام والتشفي والثأر الشخصي، حتى في حالة الحرب، أمر عمر بن الخطاب جنوده أن يرحموا المرأة والعجوز وألا يقطعوا شجرة». وتابع: «تطبيق القانون لا يعنى التنكر للخلق القويم والحس الإنساني، أين مجلس حقوق الإنسان ومنظماته؟».
وكان الرئيس الأسبق محمد مرسي، قال خلال نظر قضية «إهانة القضاء» للمحكمة، إنه لم يلتق أيًا من هيئة دفاعه منذ 4 سنوات، وإنه لا يعرف شيئا عن أدلة الثبوت أو الاتهامات في القضية، مشددًا على طلبه في التواصل مع دفاعه قبل إبداء المرافعة وأشار إلى أنه لم يلتق بأهله خلال تلك الفترة، مؤكدًا أن هناك أمورًا يود مناقشتها مع محاميه تمس حياته».
رمضان لم يعد كما كان
هناك شيء غامض على حد رأي سيدعلي في «الأهرام» جعل من رمضان هذا العام ليس ككل رمضانات مصر، حتى بهجة المساجد وصلوات التراويح والقيام، وتجمع أهالي الحي بعد العشاء في المساجد لم يعد مثل زمان، وقرآن الفجر والنَّاس تبكي خلف القارئ، وموائد الرحمن في شوارع وأزقة بر مصر، لم تعد كما كانت مثلا في العام الماضي وزحام الحسين والسيدة والمرسي أبو العباس، وطوابير محال الحلويات والكنافة والقطايف. ومنذ البداية فموسم التسول لا يبشر بالخير فلم يعد الكناسون ينتشرون بكثافة فوق الكباري، وفي الإشارات مثل كل الأعوام، وربما ينعكس ذلك على زكوات الفطر وصدقات رمضان بعد الفتاوى العديدة بأن موظفي الدولة يستحقون الزكاة، وفي كل الأحوال هناك حزن مدفون بين الجوانح والبوصلة غائمة والضباب يغشى الرؤية، ولكن الناس في مصر تعودت على التعايش ولم نعد في حاجة إلى خبراء أو إستراتيجيين أو سياسيين، بقدر حاجتنا لعلماء في الاجتماع السياسي وعلم النفس، وخبراء اقتصاد ييسرون ولا يعسرون، كى نفهم ونتحسب لمثل تلك الأيام الجميلة التي تمر بِنَا ولا نشعر بها، لأننا مشغولون بالتفكير وتدبر أشياء أخري. ولا يغرنك المسلسلات الحصرية، ولا الإنتاج الفقير والوجوه الذابلة المرهقة المسنة، التي فشلت كل حيل الماكياج في إخفاء ندوب السنين عليها، ورغم ذلك تصر على ملء شاشات رمضان كعادة سنوية ولا آكلاتشيفات الفضائيات، الذين يخاطبون مصر أخرى غير التي نعيش فيها ولا «سهوكة» الست هيفاء الخادمة التي تثير الجميع في مسلسل الحرباية، ولا الست غادة عبد الرازق المضيفة المسنة، ولا الست سمية الخشاب التي تتلبسها روح زميلتها فيفي عبده في معظم أدوارها، ولا سخف مقالب رامز ولا ثقل ظل خدع هانى رمزي».
جنازة الموظفين
«مؤشرات عديدة تقول إن الحكومة مصرّة على استكمال المشوار الذي بدأته بالتخلص الكامل من الدعم، وتنفيذ ما تطلق عليه برنامجها في الإصلاح الاقتصادي، ذلك البرنامج الذي لم نرَ منه، كما يشير محمود خليل في «الوطن»، حتى الآن سوى مجموعة من القرارات التى تؤدي إلى شفط جيب المواطن ومص دمه، في وقت تقف فيه الحكومة مكتوفة اليدين أمام قراصنة الفساد والاحتكارات، التي تستكمل التهام المواطن، بعد ما تأكل الحكومة ما شاءت منه. لو كانت الحكومة تفكر في أن تكون الزيادة الجديدة في المرتبات عوضاً عن قرارات جديدة ستتخذها برفع الأسعار، فالخير أن تحتفظ بزيادتها لنفسها وتترك المواطن لأقداره، فليس من المنطق أن تعطي الحكومة المواطن 130 جنيهاً، وتستردها منه أضعافاً مضاعفة. ومن المهم التنبه في هذا السياق إلى أن الزيادة سوف تلحق بمرتبات الموظفين، وعددهم لا يزيد على 7 ملايين موظف، أما باقي المصريين، فدخولهم ضامرة منكمشة، بل وتزداد انكماشاً يوماً بعد يوم. نصيحة واجبة للحكومة: «بلاش فتحة الصدر دي مع المواطن». المواطن دخل منذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي – تاريخ تعويم الجنيه- مرحلة من الممكن وصفها بالاشتعال الذاتي، جراء الارتفاعات المتوالية في الأسعار، العقل يقول ألا تتخذ الحكومة قرارات تزيد من حالة الاشتعال، فمغبة ذلك ستكون خطيرة كل الخطر، ووقتها لن يغني الحذر عن قدر رسمته الحكومة بأصابعها».
من حقه أن يغضب
«الأوضاع الاقتصادية في غاية الصعوبة.. ولم نخرج بعد من مرحلة عنق الزجاجة، ولا يوجد تحدٍ حقيقي يواجه الحكومة، باستثناء هذه الأزمة وآثارها المتعددة، الكلام السابق لخبير اقتصادي يصفه عماد الدين حسين في «الشروق» بالمرموق: سمعته منه في معرض تعليقه على انفعال الرئيس عبدالفتاح السيسي على أحد نواب محافظة دمياط يوم الثلاثاء قبل الماضى، النائب كان اقترح على الرئيس تأجيل الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى ثلاثة آلاف جنيه، فرد عليه الرئيس منفعلا بقوله «إنت مين»، ثم طلب من الذين يتحدثون في مثل هذه القضايا أن يكونوا ملمين بها أولا. ويؤكد عماد أن النائب لم يخطئ، وما طرحه يقوله كثيرون في أوساط النخبة، خوفا من انفجارات اجتماعية. أعود إلى كلام الخبير الاقتصادي الذي يرى أن الرئيس معروف بالهدوء الشديد والإنصات، والآن وبعيدا عن «قلش وهري وتهريج رواد السوشيال ميديا على هذه الحادثة»، ينبغي أن نفكر فيها بهدوء، بعيدا عن المكايدة السياسية والتربص. وإذا فعلنا ذلك طبقا للخبير ــ فالمعنى الوحيد لانفعال الرئيس هو حدة الأزمة الاقتصادية التى نعيشها. في تقدير رجل الأعمال الذي التقاه عماد، أن الرئيس أمامه كل الأرقام والبيانات، التي تظهر ضرورة السير في برنامج الإصلاح الاقتصادي من دون إبطاء، وإلا انتكس البرنامج بأكمله وسارت الأمور إلى الأسوأ. رجل أعمال كبير أيضا تصادف أنني تحدثت معه في التوقيت نفسه، فقال لي كلاما مشابها، خلاصته أن الأزمة داخل الهيئات الاقتصادية وصلت لمستوى غير مسبوق، باستثناء هيئة قناة السويس، لدرجة أن بعض البنوك لا تريد إقراض هذه الهيئات، لأن الأخيرة وصلت إلى الحد الأقصى في الاقتراض. يضيف أن معظم ميزانيات هذه الهيئات يتوجه إلى بند الأجور، وجزء معتبر منها يذهب لكبار الإداريين وليس الفنيين. وليس سرا أن هيئات، بل وزارات كثيرة لم تعد قادرة على توفير كامل رواتب موظفيها».
حكومة الأيدي المرتعشة
يولي وجدي زين الدين رئيس التحرير التنفيذي لـ«الوفد» اهتماماً خاصاً بالغلاء وتبعاته: تصريحات المسؤولين في الدولة بشأن الجنون في ارتفاع الأسعار، التي يتحدثون فيها عن ضبط الأسواق مهمة للغاية، في ظل هذه الظروف القاسية التي يعانى منها المواطنون، فهناك ارتفاع رهيب في الأسعار طال كل شيء مقابل رواتب هزيلة لا تكفي بضعة أيام من الشهر.. هذا هو حال معظم المصريين بدون استثناء. الجميع يشكو من الغلاء وقلة ذات اليد.. هل تصريحات كبار المسؤولين عن هذا الغلاء الفاحش حلت المسألة؟ وهل الإجراءات التي تقوم بها الحكومة عالجت الأمر؟ كل يوم ترتفع الأسعار في كل شيء، ويستغل التجار الجشعون حاجة الناس وراحوا يجلدونهم بالزيادات المستمرة ليس كل يوم وإنما كل ساعة. وإذا كانت الدولة تتحدث عن ضبط الأسواق حالياً، فهذا خطوة مهمة كان يجب تفعيلها وتطبيقها قبل قرار تحرير سعر الصرف.. ولا بد أن تكون هناك يد طولى للدولة على الأسواق.. فالسلعة الواحدة تباع بأسعار مختلفة في الأماكن نفسها، فلا ضابط ولا رابط ولا مراقبة فعلية على حركة البيع والشراء، الكل يتصرف كما يحلو له، سواء كانوا تجاراً للجملة أو التجزئة، حتى الباعة الجائلون باتت لهم أسعار. هي فوضى عارمة في الأسواق، ولا أحد من المواطنين يجرؤ على الإطلاق أن يعترض على ارتفاع سعر سلعة، لأنه سيجد ردوداً لا تسره. الأسواق تحتاج من زمن إلى رقابة حقيقية، وليس الآن فقط. كما أن وزارة التموين منوط بها حماية الناس من هذا الجشع الذي يمارسه التجار».
عملة واحدة
«الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة.. فكل طرف وفقاً لمجدي حلمي مدير تحرير «الوفد» يستفيد من الآخر، فالفاسدون يستفيدون من الإرهاب للالتفاف على مفاصل الدولة، ويحكمون السيطرة عليها.. والإرهابيون يرون في الفساد مبرراً لتصرفاتهم وجرائمهم، الفاسدون يصعدون في ظل الإرهاب إلى أعلى المناصب في الدولة ويتحكمون في كل مقاليدها، مستغلين الإجراءات الاستثنائية التي تتخذ لمكافحة الإرهاب.. والإرهابيون يواصلون أعمالهم تحت سمع وبصر الفاسدين، بل ويتلقون تمويلاً منهم، سواء مباشرا أو غير مباشر. فنحن مررنا بتجارب كثيرة تحالف فيها لوبى الفساد مع عصابات الإرهاب، وشهدنا كيف استغلت الحكومات الحوادث الإرهابية لتقييد الحريات العامة للمواطنين بالاعتداء على الدستور والقانون وفرض قوانين وقرارات استثنائية، لم تواجه الإرهاب بقدر ما قيدت عمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى، من جمعيات ونقابات وهيئات وأغلقت المجال العام. فلوبي الفساد يريد أن يعمل بدون رقيب أو حسيب، ويمارس عمله في نهب الثروات تحت مسميات جذابة، وتحت معادلة الأمن مقابل الحرية، وهي المعادلة التي عادت مرة أخرى للظهور، رغم أنها فشلت في العالم كله وتحت شعار التنمية، وهو شعار حق حوله لوب الفساد إلى باطل، ويحمل الفاسدون المواطنين سداد فاتورة ما يدعون أنه حرب على الإرهاب».
حسام عبد البصير