في انتظار العمل الإرهابي المقبل

مرةً أخرى يضرب الإرهاب قاتلاً ما يقارب الثلاثين شخصاً، بينهم أطفال كانوا يستقلون حافلةً لزيارة دير الأنبا صمويل المعترف في المنيا.
وفقاً للرواية الشائعة التي لم يعترض عليها أحد، فالجناة الإرهابيون كانوا بين الثمانية والعشرة يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي لاذوا بالفرار، بعد تنفيذ جريمتهم، كما هو متوقع تماماً. إثر ذلك، وبسرعةٍ مدهشةٍ تماماً، قامت طائراتٌ مصرية بقصف مراكز تدريب إرهابيين، وتحدث الرئيس المصري وناشد الرئيس الأمريكي الدعم من بين ما قال.
لا أبالغ إذ أقول إن غالبية الناس صدمت وأعربت عن رفضها واستنكارها وجزعها وألمها، الصادق في ما أحسب، بصوتٍ عالٍ، لاعنين الإرهاب والإرهابيين، مدافعين عن الإسلام السمح الوسطي المعتدل، ولا يخلو الأمر من منددٍ بالوهابية، التي غزت مصر، وآخر بالإرهاب الداعشي الذي لا أصل له في الدين.
ثم التهى الناس برمضان، بصيامه واستعداداته وموائده (لمن يملك) ومسلسلاته وما أكثرها. لأن الحياة تمضي، بل لعل بعض تعليقات الجزع والرفض التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي كانت كاشفة تماماً، وعن دون قصد، كأن يقول أحدهم: «نكدوا علينا في ليلة أول رمضان» كأن عملاً بشعاً كذلك لا بأس به في أي يومٍ آخر أو أن وقعه أقل في غير العطل والأعياد والمناسبات الرسمية، وربما كان سيؤلم البعض الآخر في ذكرى 23 يوليو مثلاً؟
الأكيد أن أسر الشهداء لم ينسوا، وربما كل الأقباط الذين يدركون إدراكاً تاماً أن هذا العمل الجبان المجرم ليس الأول ولن يكون الأخير، وعلى الأغلب يشعرون بمراراةٍ وحزنٍ شديدين، إذ يرون الحياة تمضي وكأن شيئاً لم يحدث، في حين أن المجتمع بأسره كان لا بد أن ينتفض، وكان لابد أن يتوقف سيره للتدبر في كارثةٍ كتلك. لكن شيئاً لم يحدث، وحتى مسلسلات رمضان لم تتوقف، خوفاً من خسارة أموال الإعلانات.
بيد أن القصة لا تقف عند هذا الحد، إذ تبين أن تنظيم «داعش» كان قد طُرد بالفعل من درنة، حيث قصف الطيران المصري، منذ ابريل 2016، أي من أكثر من عام، بحسب خبر نشرته «بي بي سي»، ليبقى سؤالٌ: ما الذي حدث للإرهابيين وسياراتهم ذات الدفع الرباعي؟ والحقيقة أنني أعتقد أن هذا السؤال من نافل القول وعرضي تماماً، فالنظام المصري لن يعجز عن خلق قصة لسد ذلك الثقب في الرواية، ولن يجد أي صعوبة في إيجاد إرهابيين يصفيهم في «تبادلٍ لإطلاق النيران» و»سيجد في حوزتهم الأسلحة والسيارات المستعملة في الحادث الأثيم» فـ»قفص الدجاج» مليء بآلاف المشتبه فيهم والمختفين قسرياً، ممن يسدون الحاجة في مناسباتٍ كتلك، وكفى بضحايا سيناء الذين كانوا محبوسين، ثم فوجئ ذووهم بمقتلهم في تبادلٍ لإطلاق النيران، والخمسة شبان الذين قتلوا في حادث ريجيني، كفانا بهؤلاء للتذكير.
وعلى كل الأحوال فالقصة باتت مكررة تماماً: إرهابٌ تتبعه عمليةٌ انتقامية من قبل النظام، ثم مشاهد على التلفاز لجثثٍ ملقاة في الصحراء، وخبرٍ يزفه المتحدث العسكري بتصفية المجرمين. يستطيع أيٌ منا التنبؤ بالسيناريو بيسرٍ وبساطة، ويظل السؤال بلا إجابة: مادمتم بهذه الكفاءة والحنكة والدراية والنصاحة وتعرفون كل شيء، فلم لا تقومون بضرباتٍ استباقية لإجهاض العمليات الإرهابية؟
هذه المرة يبدو أن النظام المصري، في حصافته، قرر أن يجتث الإرهاب من منبعه في ليبيا، حيث لا وجود له، ولا يبقى إلا أن نضيف إلى ذلك ما صرح به الدكتور عماد جاد الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، والنائب في مجلس الشعب، ونشرته «البداية» بأن أسقف مغاغة من أعمال المنيا وأهالي الضحايا قالوا، بأن المنفذين معروفون لديهم، وأنهم من قرى مجاورة ولا علاقة لهم بليبيا. بهذه تكتمل المتعة والانسجام من مسلسل التلفيق والتعامل العبثي والهزلي، مع فاجعةٍ تزلزل المجتمع تماماً. في يقيني أن ضرب ليبيا لم يكن إلا للتلميع، وربما صادف مصلحةً للنظام مع حفتر. ولا يخلو الأمر من تسويق السيسي لنفسه أمام دول أوروبا كشرطي ضد الإرهاب، مثل بريطانيا حيث قام إرهابي من أصلٍ ليبي بالعملية الأخيرة.
أمام كل هذا العبث، لا يكتمل أي تناولٍ في رأيي، دون الوقوف أمام بضع نقاط فاصلة. أولها، وقد أشرت إليها وأكدت عليها مراراً من قبل، هي تلك الحالة من التبلد واللامبالاة وابتذال العنف التي سيق المجتمع لها. لقد صعّد النظام العنف مرسلاً رسائل لا تحتمل التأويل أن الاعتبارات السابقة التي كان معمولاً بها زمن مبارك قد انتهت، وضرب بما تبقى منها عرض الحائط، وأن رأساً مهما علا وقلماً مهما بلغت أهميته لن يسلم من التحريض والقمع والحبس إذا لزم الأمر.
أما من لا أسماء لهم، العامة من المختفين قسرياً والمحبوسين على ذمة شتى القضايا المختلقة، الذين لا تسأل عنهم سفارة دولةٍ غربية، فهؤلاء متاحون للتصرف فيهم، وفق ما تقتضيه المصلحة، وبالطبع تسري عليهم الطبقية الاجتماعية والتنظيمية.
والشاهد أن العنف والدم صارا عاديين، مجرد أحداث يومية تقع، كحوادث المرور، يمر بها الناس، يبدون أسفهم ويمصمصون شفاههم ويمضون في طريقهم، وراء مصالحهم، ليلحقوا إفطاراً هنا أو سحوراً هناك، وهذا المسلسل أو ذاك. لست مزايداً على أحد ولا أعفي نفسي من هذه البلادة، لكن الأكيد أن العنف صار العملة المتداولة، فليس إرهاب التنظيمات وحده هو المشكلة ولا الأعنف، وإنما إرهاب النظام إذ هو ممنهجٌ، أوسع وأعمق وأكثر تنظيماً وموارد.
وحدهم المسيحيون يشعرون بالعزلة إلى جانب الخوف، فقليلون يكترثون بهم (ناهيك عمن يعاديهم) فمن الناحية الفعلية يجري فرزٌ طائفي نتاج كراهيةٍ مزروعة وراسخة مبنية على ثقافةٍ متوارثة ومفاهيم وأفكارٍ شائعة (قد تتلبس عصبياتٍ عائلية في بعض الأحيان)، وكلها مجتمعةً تنفيهم بكل معنى محتمل للكلمة، فما القتل سوى نفيٍ للوجود حتى الجسد المحض. لا أعتقد أن المسيحيين في مصر، خاصةً في هذه الأماكن الأكثر استهدافاً يملك رفاهية أن يرى نفسه مواطناً مكتمل الأهلية، فمن ناحية هو مستهدفٌ من قبل الجمهور، ومن ناحيةٍ أخرى لو كان مسيساً ومعارضاً للنظام فمن قبل الحكومة أيضاً. ففي مصر، وفي مناطق بعينها، عشش مناخٌ حاضنٌ للإرهاب متشربٌ به، أسهمت فيه سياسات التعايش وتبادل المنفعة بين النظام وتيارات الإسلام السياسي، وهذه هي النتيجة، فالنظام يعتقد أنه من الذكاء والفطنة، بما يمكنه من التلاعب بهذه الفصائل دائماً وضرب أحدها بالآخر، لكن لا بد دائماً من وجود فصيلٍ إسلاميٍ ما لتنفيس الضغط وضبط الشارع.
أسئلةٌ كثيرة تبقى تبحث عن تفسير. لماذا لم يستقل أحدٌ من المسؤولين من منصبه كوزير الداخلية مثلاً؟ ولماذا لم يُقل أحد؟! أين الاعتراف بالخطأ والتقصير من قبل الحكومة؟! أم أن ما حدث مجرد سوء حظ أو قدر أو سوء تفاهم؟
لدينا نظام وحكومة تصادر المجال العام وتحجب المواقع الصحافية، فكيف ستتسنى محاربة الفكر المتطرف؟ أبالإقصاء والمصادرة وتكميم الأفواه وكسر الأقلام؟ وكيف ستتخلص الأفكار من الإسلام الوهابي؟ الذين يقولون عنه حين لا يواجهه أحد ولا يفنده أحد وكل من تصدوا لذلك تمت ملاحقتهم، إن لم يكن قتلاً فبأساليب من مخلفات القرون الوسطى، كالتفريق عن الزوجات بتحريضٍ ومباركةٍ صريحة، أو على الأقل موافقةٍ صامتة من شيوخ الإسلام الوسطي، الذين دعمهم النظام وروج لهم وأفرد لهم ساعاتٍ طوال في وسائل إعلام الدولة؟
إن أفكار التعالي والإقصاء والفرز الطائفي لم تأت من فراغ، والذي أمسك بالبندقية الآلية هو نتاج سياسة دولة دعمت تلك الأفكار، وألقت بثقلها وراءها للهروب من مآزق أملتها عليها اختياراتها السياسية، وانحيازاتها الاجتماعية – الاقتصادية فأفسدت المجتمع وشوهته.
لم ولن يحاسب أحد، ولم ولن يتغير شيء. لن تناقش الأفكار ولن ينتقد النظام أداءه.
ستساق حجة ودعوى ضم الصفوف والالتفاف حول الوطن، الذي يساوي القائد المفدى والجيش حامي حمى الوطنية وقلعته الحصينة، بينما سيستمر التدهور والتحلل والتفسخ المجتمعيين.
هل من المفترض بعد كل ذلك أن أتوقع أي شيء سوى المزيد من الإرهاب؟
كاتب مصري

في انتظار العمل الإرهابي المقبل

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية