مزاعم أخطاء القرآن (1)

حجم الخط
8

كتب أحد جهلة اللغة أن في القرآن أخطاء شتى، قال: (يعتقد معظم المسلمين أن في القرآن سمات ربانية، وأن فيه إعجاز علمي ورقمي ولغوي، إلخ… اثبتنا في أكثر من مرة أن العلم بريء تماما من القرآن وأن المعلومات الشبه علمية الموجودة في هذا الكتاب هي بكل بساطة مواكبة لعصرها لا غير، وبينا أن معظم المعجزات العلمية المنسوبة للقرآن هي في الحقيقة أخطاء صارخة).
٭٭ فأقول: هذه السطور تحتوي على خطايا لغوية، لا أخطاء فحسب. فقوله: إعجاز علمي ورقمي ولغوي. صوابه أن يقوله بالنصب: إعجازا علميا ورقميا ولغويا، لأنه اسم إنّ مؤخر. وهذا لا يجهله تلامذة المدارس الابتدائية. ثم إن في قوله: رقمي، خطأ آخر، والصواب (عدديا) فثمة فرق كبير بين الرقم والعدد. وقوله: الشبه علمية، خطيئة، وصوابه (شبه العلميّة). لأن المضاف المعرفة لا يضاف إلى نكرة. قوله (الموجودة) ثرثرة زائدة، والصواب حذفها (المعلومات شبه العلمية في هذا الكتاب). وثمة أغاليط أخرى لا تحتاج إلى تنبيه. أما قوله (أخطاء صارخة) فاكتشاف لغوي خطير، حيث للأخطاء فم تصرخ منه.
وعلى الرغم من ذلك يتجرأ فيتهم القرآن بالخلل اللغوي. وهذا ليس من جديد القول، فقد سبق أن ذكره من سبقه من أمثاله.
سنتناول في حلقات هذا الشهر، رمضان، بعض تلك الادعاءات والمزاعم.
٭ قال: إن من أخطاء القرآن الإتيان بجمع قلة حيث أريد الكثرة، وذكر الآية: (كُتِبَ على الّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ. أيّاماً مَعْدُوْداتٍ). ثم قال: تصحيح الخطأ هنا كان يجب أن يجمعها جمع كثرة حيث أن المراد جمع كثرة عدته 30 يوماً، فيقول: أياماً معدودة. هذه التخطئة دالة على جهل فادح باللغة، وبمفهوم الزمن، وأساليب التعبير القرآني. وتعال معي: مفهوم الزمن مفهوم مراوغ لا يخضع للطول والقِصَر، ولا الكثرة والقلة. فأنت تجلس مع صديق عزيز، تحبه وتجله، فإذا بالساعات تجري مسرعة كأنها دقائق قليلة. كما في قول إحدى شواعر العرب وقد سارت بها قافلة إلى مضارب حبيبها، فاستبطأت مسيرها الذي كان هو المسير المعتاد:
ما للجمال مشيُها وئيدا/ أجندلا يحملن أم حديدا (الجندل الصخور).
وقال الشاعر:

لم يَطُلْ ليلي ولكن لم أنَمْ
ونفى عنّي الكرى طيفٌ ألَمّْ

والشواهد على هذا أكثر من أن تحصى.
نعود للآية التي هي في موضوع الصيام. والصيام يستثقله كثير من الناس، حتى قيل: (مثل شهر الصوم في الطول) وشهر الصوم شهر كغيره من الشهور، لا يطول ولا يقصر في حقيقة الحال. ولكن المرء قد يراه طويلا وكأنه أطول من بقية الشهور. لذلك نلاحظ أن القرآن الكريم خفف عن الناس هذا الثقل، وأقنعهم أن الشهر أيام معدودات، لا معدودة، فالمعدودة قد تكون كثيرة ثقيلة وقد تكون قصيرة قليلة خفيفة، أما المعدودات فهي القصيرة القليلة الخفيفة حتما لازما.
وكل آيات الصيام جاء أسلوبها تخفيفيا تيسيريا، ومن أمثلة ذلك (ومَنْ كانَ مَرِيْضاً أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ، يُرِيْدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ).
والتقليل والتكثير، والتخفيف والتثقيل مشاعر نفسية كما أشرنا، ولذلك ورد في التنزيل العزيز: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ، وَلكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). فأعداد المتقاتلين في معركة بدر ثابتة لم تزد ولم تنقص، ولكن الإشعار بتقليل أعداد الكافرين يشجع القلة المؤمنة على قتال العدد الغفير من قريش، وتقليل أعداد المؤمنين في عيون المشركين يزيد من غرورهم واستهانتهم بالمؤمنين القليلين، مما يؤدي بهم إلى الهزيمة. فاستعمال معدودات بدل معدودة هدف إلى عديد من الأهداف منها غرس الاقتناع النفسي بيسر الصيام لا عسره. فهو الصواب الذي لا يقبل جدلا.
وإلى حلقة أخرى.

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

مزاعم أخطاء القرآن (1)

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية