ثمة مدن عربية تركض داخل دورتي الدموية أولها دمشق فبيروت… كنت منذ اشهر قليلة في بيروت وها أنا من جديد أغادر باريس إليها، واعترف بعلاقتي (العاطفية) المضطربة مع باريس وعشقي للوطن.. وها أنا اخط لكم هذه السطور من الطائرة.
كتب لي مرة القارئ الموقع باسم «للأسف الشديد عربي» قائلاً انني أولي اللغة العربية اهتماماً قلّ مثيله ممن يقيمون في الدول الغربية. ملاحظة في محلها فاللغة العربية وطن، ولكن هل أقيم حقاً في باريس؟ لا استطيع الانكار بعد ثلاثة عقود ونيف من العلاقات الحميمة مع «نهر السين» و»برج ايفل» وسواهما من جماليات باريس خلف نافذتي.. ولكنني ببساطة لم اغادر يوما عالمي العربي ككثير من (المغتربين) المقهورين على أوطانهم.
فوبيا السفر!
في لندن، لي أصدقاء من لبنان يخشون ركوب الطائرة وبالتالي يمتنعون عن زيارته على الرغم من الشوق الفادح.. وأتفهم خوفهم.. كان والدي ايضاً يخشى ركوب الطائرة، وحين وافق على تلبية الدعوة للمحاضرة في جامعتي «هارفرد» و»برنستون» الامريكيتين كتب على باب البيت من الداخل قبل ان يغادره مرتعداً إلى الطائرة: «إن الذي كتب عليك القرآن لرادك إلى معاد».
ومن الطريف انهم اختاروا ابي ليكون رئيساً لنادي «الطيران الشراعي» الأول في دمشق لكنه لم يجرؤ يوماً على ركوبها على العكس مني فقد كنت سعيدة بأن أنوب عنه وقيادتها على يدي مدرب ألماني. اللاخوف من الطائرة أمر عقلاني فقط وانا «أعقل وأتوكل» عادة ولكنك في الطائرة مضطر للاتكال أيضاً على سمعة شركة الطيران وأقدارك في مواجهة الخلل البشري.. إذ كيف تستطيع التأكد من ان ربان الطائرة ليس ثملاً، او انه لا ينوي الانتحار ذاهباً إلى الأبدية ومعه ركاب الطائرة جميعاً كما حدث منذ حوالي عامين؟ لا أخاف لأنني اعرف انني سأموت على نحو ما ككل من يولد في كوكبنا، وربما لذلك يبكي الأطفال لحظة ولادتهم ولم نسمع بطفل يقهقه ضاحكاً لحظتها! ثم انني استمتع في الطائرة كروائية برصد البشر المحيطين بي لأن «فوبيا السفر» تطلق لسان الكثيرين مع فائض «الادرينالين» ويصير الناس اكثر حاجة للكلام والثرثرة حول انفسهم، بصدق مطلق احياناً وبكذب طريف ايضاً.
والمسافرون كانوا دائماً مصدر وحي للادباء، فقد كتب الإنكليزي تشوسر (1340 ـ 1400) «حكايا كانتنبري» وكتب الإيطالي بوكاشيو (1313 ـ 1370) ملحمته «ديكاميرون» حيث يروي الحجاج المسافرون ايضاً لبعضهم بعضاً قصص عمرهم..
وذلك لم يعد ممكناً اليوم في مقاعد الدرجة الأولى في بعض الطائرات (لن أتورط بذكر اسمها). فقد قرر ابني تكريمي بشراء بطاقة سفر لي في الدرجة الأولى (وانا اسافر دائماً في الدرجة السياحية أي الثانية او الثالثة) وقلت له لا تهدر مالك وتعاقبني بإمكانية الوحشة!
مقاعد أم توابيت عصرية؟
في بعض الطائرات تمعن الشركات في منح ركاب الدرجة الأولى مساحة إضافية.. ومقاعدهم شاسعة وبوسعهم مد أرجلهم للنوم في الطائرة بمعزل عن بقية الناس (اللي تحت) مثلي أي في مؤخرة الطائرة في الدرجة الثانية أو «درجة البقر» كما كان يدعوها محرر جريدة «الهيرالد تريبيون»!!!
الرفاهية (العصرية) تتوهم أن العزلة عن الناس ترف.. وتجهل الحاجة البشرية الطبيعية إلى دفء القلب والحوار مع الآخر في لحظات الخوف بالذات… كالاستماع إلى ذلك الشاب الجالس خلفي في مقعد الطائرة الذي ثمل وصار يتحدث بصوت عالٍ عن ثرائه وسياراته وعشيقاته وفرحته بعزوبيته وحريته كجيمس بوند، وفي المطار كانت بانتظاره زوجة مع أربعة أطفال تبدو عليهم رقة الحال!.. كيف نكتب الروايات اذا لم نلتق بنماذج بشرية كهذه؟ وكنت أظن اللاخوف في الطائرة من الأمور العادية ما دمنا قد قبلنا بتلك الصفقة مع «شيطان المجهول»، بركوب الطائرة التي إذا تداعت لن نجد أجنحة نحلق بها.
ومن ذكرياتي انه حين أعلن قائد الطائرة التي أقلعت بي من لندن حين كنت طالبة انه سيعود بها إلى مطار «هيثرو» لعطل مفاجئ.. واضطربت جارتي في المقعد، أخرجت من طرفي طلاء الأظافر وصرت أقوم بطلائها بهدوء.. وحين هبطنا بسلام على ارض المطار اكتشفت انها زوجة أشقاء الزميل باسم الجسر وانها دهشت من سلوكي.. وقلت لها انه لن يصيبني إلا ما كُتب لي. وان أبي الحبيب الذي كان يرتجف رعباً من ركوب الطائرات توفي بذبحة قلبية في الحمام في مصيف حمانا وهو يقوم بحلاقة ذقنه! نحن لا ندري متى وكيف سنموت فعلام الخوف؟
الفلسطيني المقهور و»جواز السفر»!
جاري الشاب ثمل بفرحته لأنه للمرة الأولى سيعود إلى مطار عربي بجواز سفر أمريكي مضيفاً: لن اتعرض للإذلال في مطار عربي بعد اليوم!
أما جاري الآخر في المقعد (الثمانيني) فقد روى لي نجاحه في مغتربه البرازيل بعبارات بسيطة، وكان يحاول الإيحاء لي بسعة ثقافته.. معترفاً بأنه قادم إلى لبنان لمحاولة الحصول على نسخة من بطاقة هويته وجواز سفر لبناني وتأسيس جمعية ثقافية يرعاها، وكان يرتدي ساعة ذهبية ثمينة جداً مطرزة بمبالغة بألماس في استعراضية لم أحبها، وحين أعطته المضيفة البطاقة البيضاء الخاصة بحاملي «الجوازات» غير اللبنانية لكتابة اسمه وجنسيته والغرض من زيارته للبنان اكتشفت (حين رجاني كتابتها له) انه لا يعرف القراءة او الكتابة!!.. وتعرى على حقيقته.. وازددت تعاطفاً معه.. ففي الطائرة الكذب الأبيض يشبه الكذب في الحب!.. واستمتعت بحكايا جيران الطائرة.. ترى كيف لنا ان نكتب أدباً اذا استرخينا في ذلك التابوت نصف المغلق في مقاعد الدرجة الأولى ولم نلتحم بهموم البشر السرية؟ لكن الحضارة العصرية تمضي يوماً بعد آخر صوب عزلة الانسان. تحاور الآخر الافتراضي على الانترنت! ولعلي في رحلتي القادمة بالطائرة أجد المضيفات (روبوتات) آلية تتقن الخدمة وتجهل التواصل الإنساني.. ها هي الطائرة تهبط في مطار بيروت ويهب الهواء البحري الرطب.. كأن الرطوبة دموع المغتربين المشتاقين.. واعانق بيروت بكل عيوبها على الرغم من انني حين أصل إلى البيت أجد الكهرباء (مقطوعة)!!..
غادة السمان