‘أصبح كل من يملك لوح مفاتيح يستطيع ان يُوسخ فجأة’، قال وزير المالية يئير لبيد على أثر قضية استقالة المحافظ المرشح يعقوب فرانكل. وفي هذه المرة ولأجل التغيير علم، وإن لم يكن من المؤكد أنه فهم، ما الذي يتحدث عنه. لبيد على حق. فقد تغير العالم حقا ولم يعد كما كان. في وقت مضى كان من يملك لوح مفاتيح منحازا ومن كان يُسمح له بلوح مفاتيح من قبل أسياد ألواح المفاتيح، يستطيع فقط أن يكتب ما شاء بشرط ان يلائم ارادة المال أو رأي السلطة. ومن مثل لبيد يعلم ذلك، فقد كان هناك الى ما قبل شهر أو شهرين، وقد كان يملك هو نفسه لوحي مفاتيح ضخمين منحا يديه المثيرتين جنسيا القوتين الاعلاميتين الضخمتين في اسرائيل، وهما ‘يديعوت احرونوت’ والقناة الثانية. لكن لبيد بخلاف أصحاب ألواح المفاتيح غير المسموح بها المتوحشين الجدد الذين استشاط غضبا عليهم، لم ‘يوسخ’ قط مثلهم. لأن ‘الموسخ’ هو الذي يثور على السيد، ولم يكن لبيد كذلك قط حتى ولا لحظة صغيرة، حتى ولا بمقطع واحد. وهنا تغير العالم فجأة أمام أعيننا. فقد أصبح مجرد اشخاص ليسوا أمراء وليسوا أبناء أسياد، بل هم مجرد بشر فانين عاديين لا يعلم سوى الله من أعطاهم ألواح مفاتيح، يُوسخون حُلل المرتفعين عن الشعب هؤلاء ببقع لا تزول، بدل استعمالها لاطراء الوزراء المحافظين وتملقهم. بيد ان ما لاحظه لبيد الغاضب هنا هو فقط طرف ذيل الثورة الضخمة التي ما نزال نحن في طرف بدايتها. إن اختراع الطباعة قبل نحو من 600 سنة ونشر المعلومات على أثره التي كانت حتى ذلك الحين من نصيب قلة قليلة من الكهنة فقط بين أبناء البشر الفانين، أفضى الى تغييرات واسعة في جميع مجالات الحياة كانشاء نظم حكم ديمقراطية وتثبيتها. وإن اختراع الانترنت وذروته السمارت فون في يد كل ولد صغير، والذي يحدث الآن أمام عيني وزير المالية الذاهل، ويستطيع كل انسان بواسطته أن ينشر كل معلومة في كل وقت في كل مكان، يوشك ان يغير العالم بقدر لا يقل عما فعله اختراع الطباعة. إن ما صرنا نراه في الحقيقة هو انه لم يعد ممكنا اخفاء مفاسد أناس في الغرف المغلقة لأن كل مفسدة حتى لو تمت في هونغ كونغ أو في هونولولو قبل ست سنوات أو سبع تظهر في غضون عُشر ثانية في عسقلان وكريات غات وفي لجنة تيركل. ولم يعد رجال الشرطة العنيفون يستطيعون ان يقولوا للقضاة إن الفتاة المتهمة انقضت عليهم هم الثلاثة وضربتهم، حينما تظهر في الشبكة العنكبوتية الصور التي تُبين كيف ضربوها وخنقوها. لكن هذا هو طرف البداية فقط كما قلنا آنفا، لأن ثورة المعلومات المنشورة بلا قيود وحدود التي جلبها اختراع الانترنت توشك ان تُحدث في العالم تغييرات هائلة. ويصعب ان نتوقع كيف وماذا سيحدث لكن يمكن ان نتفهم ونُخمن. إن المدارس التي نرسل اليها أبناءنا توشك ان تصبح مثلا مؤسسات تختلف تماما عن تلك التي عرفناها في القرون الاخيرة، لأن عملها وهو أنها مصدر لمنح المعلومات لم يعد موجودا في الحقيقة. ولا نعلم هل تستمر نظم الحكم الديمقراطية وغيرها على الوجود بنفس الصورة مع انتخابات كل اربع سنوات بواسطة قصاصة ورق أو تتغير مسارات اتخاذ قرارات السلطة تغيرا تاما بعد بضع سنوات؟ ومن قال أصلا إننا سنعيش في دول وأنه ستبقى شعوب وأنه ستوجد لغات مختلفة شتى ما عدا الانكليزية؟. ليس المستقبل معروفا، لكن من المؤكد أنه قد بدأ.