لأنها تنتج الفرح الهندسي والشكل المسكون: العمارة بين الفكر والأدب

حجم الخط
0

تعتبر العمارة روح الإنسان، وجهه الذي يرسم أثاره على المكان، فيستمر بها في الوجود وفي الزّمان، ولهذا لا يمكن أن نتصوّر عمارة بمعزل عن الأدب والفلسفة والجمال والفكر وقبل هذا وذاك الإنسان، حيث «المنزل بعد الثياب يحيط بجسم الإنسان، ويجب أن ينتمي الإنسان إلى منزله كما إنّ منزله ينتمي إليه»، كما يرى عالم العمارة المصري حسن فتحي، فعلاقة الانتماء التي حدّدها وخصوصا في انتماء المنزل لصاحبه هي مسالة إيقاع في الفراغات والنّسب، لأنّه حسبه فالعمارة عُرّفت بأنّها: «الفراغ الذي يقع بين الجدران وليس الجدران»، هذا الفراغ يحدّد بأسطح لها خطوط، «النِّسَب العربي تختلف عن النِّسب الإفرنجي»، كما. ولعل هذا ما يردّده الخاطر الوجداني عند الشّاعر الألماني راينر ماريا ريلكه: البيت/قطعة المرح يا ضوء المساء/فجأة تكتسب وجها يكاد يكون إنسانيا»، فالعلاقة بين العمارة والإنسان علاقة تبادل ينتجها دفء الإحساس بالانتماء إلى المكان، ولا يحقّق ذلك سوى عادات وتقاليد وتاريخ وطقوس الإنسان حين يجد توهّجاتها طالعة من الشكل الهندسي الذي يضجّ بالرّوح والرّمز والمخيال.

العمارة لغة بتمثلات الخط:

حين قال هايدغر بأنّ اللغة بيت الوجود، يبدو لي أنّه كان يقصد ما يقول، فالوجود بيت، ومن ضمن عناصر الوجود العمارة، فتصبح العمارة لغة يتحدّث بها المعماري لكي يقول أشياءه التي ترتبط بالسّطوح والخطوط النّابعة من وجدانه وكيانه العقلي المرتبط بالمتخيّل. فاللغة كما يحدّد النقاد تتألف من ثلاثة مستويات: المستوى المفرداتي الذي يمثل الوحدة الأولى في اللغة، وهو ما يعني في العمارة الوحدات المعمارية المعزولة عن بعضها البعض، بعده المستوى التركيبي، وهو الحد الذي تشكل فيه الوحدات المعزولة وحدة تنبثق عنها رؤية معمارية معيّنة ذات سمات وخصائص محدّدة، ثم المستوى الدلالي الذي يكشف عن الجانب الإبداعي في العمارة من خلال تحفيز إوالية التعمية عند المعماري وبالتالي الـتأويل عند المتلقي. وهذا ما يرومه الفن المعماري حين يترك مساحة كبيرة للمتلقي كمشارك في إنتاجية الفرح الهندسي والشكل المسكون، وأسئلة المتلقي هي التي تمنح المعماري قلقه المنتج والمستمر في تخليق الأشكال من رحم الفراغات والنّسب.

العمارة كنص:

من المقاربات التي ينطلق منها المعماريون، فكرة البياضات، وعندما نتكلم عن التّقارب بين المعمار واللغة والأدب، لزاما علينا أن نستحضر النص. فالعمارة كنص قابلة للقراءة، ومن هذه القراءة تُنتج أطراف العملية المعمارية كنص، أي المتلقي وتفاعله مع المعطى النصي المعماري عن طريق التّساؤل والقلق. وبالتالي تأويل المشهد المعماري الذي يتحوّل إلى حالة فنّية، والنص بتعريف إيكو، واخترت هذا التّعريف لأنه يجعلنا على تماس مباشر مع إمكانية قراءة المعمار كنص يشي فكرة البياض. فالنص عند إيكو هو:»آلة كسولة تتطلب من القارئ القيام بعمل مشترك دؤوب لملء البياضات غير المقولة أو الأشياء التي قيلت لكنّها ظلّت بيضاء». وفكرة البياضات في المعمار انطلاقا من تعريف النص، تُقرأ إيجابيا وسلبيا، إيجابيا حينما يعمد المتلقي إلى محاولة ملء البياضات من خلال ما لم يقله أو سقط من وعي المعماري، وفي هذا يكون إثراء للنص المعماري واستمرارية لعملية الخلق الإبداعي. وتكون فكرة البياضات سلبية حينما لا يرى المتلقي ذاته سوى تابع للنص باعتبار لا نهائية القراءة، لأنّ سقف النص تعددي، وبالتالي التعدّد يخلق ذلك القدر من هدم الثابت المرجعي وإحالة الكينونة المعمارية ذاتها إلى حالة سائلة لا تتقيّد بمرجع.

العمارة بين الحداثة وما بعدها:

يتطرّق المعماري المصري الدكتور عبد الحليم إبراهيم إلى قضية الفصل بين الإنسان وإنتاجه الإبداعي المعماري، حيث يتحوّل المعمار إلى مجرّد منجز استهلاكي، فينفصل بذلك المنتج المعماري عن تاريخ ووجدان ومخيال المعماري. وبالتّالي يختزل الإنسان إلى مجرّد «نموذج» بمقاسات معيّنة، أو بتعبير عبد الحليم ابراهيم يتحول الإنسان بكل تعقيداته وتناقضاته إلى «علاقة مقيسة»، وهو ما أسّس له لوكوربوزييه، المعماري الفرنسي ذو الأصول السويسرية.
الحداثة كرّست العقل باعتباره قادراً على معرفة العالم، ومن ثمة مركزية الذات التي مرجعيتها الوحيدة العقل، وبالتالي كانت العمارة في هذه المرحلة تعبّر عن مسار العقل في قدرته على تصوّر العالم وتفسيره، ولعل عمارة عصر النّهضة والأنوار تعبّر عن هذا المنحى، لكن أيضا الحداثة التي اعتمدت على العقل أنتجت خرابات الحربين العالميتين، فتأثر الفكر المعماري بذلك وأصبح همّه الوحيد والأول كيفية سد فراغ الهدم الذي أحدثته الحرب. ومن هنا بدأ العقل الفلسفي يتجاوز الحداثة إلى ما بعدها، وكان نيتشه من الفلاسفة الذين حاولوا هدم مركزية العقل بفتح الفلسفة على الفن، وكتب بأسلوب «الشذرة» القريب من الشّعر، لكنّه في ذلك أعلن موت الإله في «هكذا تكلم زرادشت» وبالتالي هدم الأساس الديني للأخلاق، وهدم في «المعرفة الفرحة» الأساس الاجتماعي للأخلاق أيضا. وعند الهدم لابد أن تتعدد المرجعيات، وبالتالي يزول الثابت المرجعي الذي يتعلق بخصوصية الإنسان، وهذا ما كشفه الفيلسوف الأمريكي من أصول مصرية إيهاب حسن، حيث أورد مفهومين أسّسا لما بعد الحداثة، وهما «الملازمة واللاتوجه»، «وهما غير جدليين لأنهما متناقضين ولا يفضيان إلى أي تركيب.وتداخلهما يوحي بفعل الإفراط التعددي، وهو ما يشيع في ما بعد الحداثة»، وهذا هو التعدد الذي يحُول دون تحديد المفاهيم ضمن بنيات المعقول حتى لو خرجت به إلى اللامعقول، وهذا ما انعكس على المعمار كبنية تخضع للمفاهيم المتداولة في المجتمع والتي تهدف إلى إحداث القطيعة بين الإنسان وذاته التاريخية والاجتماعية والرّوحية، فأصبح البيت لا يعبر سوى عن مفهوم «النزل». وإضافة إلى ذلك أضفت مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة شيئا من التعقيد والتناقض والغموض في فهم الظاهرة المعمارية كانعكاس لروح الإنسان ومخياله ورموزه، وهو خلاف ما يصبو إليه الوعي الإنساني من أنّ «المكان المسكون يتجاوز المكان الهندسي» كما يقول غاستون باشلار، فالمكان المسكون يضيف إليه النَّفَس الإنساني اللمسة المقدّسة للإنسان باعتباره الكائن المكرّم والمفضّل والذي يمتلك البعد التاريخي.

العمارة وكينونة الأدب:

العلاقة بين الأدب والمعمار قائمة منذ أن اعتبر كلاهما كفن، فالروائي المصري جمال الغيطاني مثلا يؤكد أنّه استفاد من عمارة حسن فتحي في بناء معماره الرّوائي، وفي «تجليات مصرية» يعود إلى العمارة القاهرية بفسيفسائها التاريخي المتنوّع، من الفرعوني إلى القبطي إلى الإسلامي المملوكي والفاطمي، ويحاول قراءة الأبنية في مستوياتها الاجتماعية والدينية وعلاقة كل ذلك بالإنسان ولعل أهم تحديد نكتشفه عند الغيطاني يمكن أن يؤسّس لرؤية تحترم العلاقة بين التاريخ والعمارة هو مفهوم «العتاقة» الذي يرى بأنّ ركائزها المكان والزّمان والبشر، وهنا تخرج «العتاقة» من مجرّد حالة زمنية إلى إدراك معنوي ومحسوس لما يحيط الإنسان، وهو ذاته ما تكلم عنه فتحي في علاقة الإنسان بالمنزل، بمعنى أنّ الإنسان تشكل وعيه داخل المكان، أي داخل العمارة التي أنتج جزئياتها من روحه ورموزه وتاريخه، ولهذا نجد الأمكنة في الرّوايات تمثل هذا الجانب المهم في إعادة تشكيل المكان العالق بالذاكرة ومحاولة إعادة الاعتبار له، فما يحيلنا إليه نجيب محفوظ من خلال «الحارة»، هو هذا المكان الذي مهما يتجاوزه الزّمن إلا أنّه يكرّس كينونته وعيا جماليا كرمز وكروح. ولهذا نجد الغيطاني بتأسيساته الأدبية يحاول «استعادة المسافر خانة/ محاولة للبناء من الذاكرة»، لأنّه عندما احترقت «المسافر خانة» حرّكت في دواخله ما تأسّس عبر الزّمن.
يقول: «هكذا، عرفت قصر المسافر خانة بالمخيلة أولا عندما كنت طفلا صغيرا»، فلا يمكن أن تكون العمارة فراغا من الذات لأنّها تمثل استمرارا معنويا للإنسان حين تشهد نشأتها تاريخ الإنسان وهو ينفث أسراره فيها. ولهذا عندما ذكر الدكتور فلاح جبر بأنّ منارة مسجد ابن باديس في وهران نظر إليها مهندس المشروع ككتلة بعيدا عن وظيفتها أو حقيقتها بدا لي الأمر غير معقول لأنّ العلاقة ما بين العمارة والإنسان تتحقق أوّلا في الوظائف الجوهرية للمكان، فالإنارة تنبع أهمّيتها من قداسة المسجد، لأنّ «وجود الأشياء المقدّسة في أماكنها هو ما يجعل منها مقدّسة، لأنّها لو انتزعت من أماكنها، حتى لو فكريا، لتدمّر نظام العالم». وهو هذا ما حصل في العمارة حين ابتعدت عن الإنسان وأعطيت لها مفاهيم خارج حقل البنية ذاتها كمقدّس لأنّها تتعلق بالتاريخ والرّمز والمخيال.

لأنها تنتج الفرح الهندسي والشكل المسكون: العمارة بين الفكر والأدب

عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية