انتخابات «اللامركزية» في الأردن: تجربة جديدة ومخاوف من هجمة منظمة على المقاعد لممثلي الثقل الأمني والعشائري

عمان ـ «القدس العربي»: لا يعرف الأردنيون ما الذي ستنتهي إليه بصورة محددة تجربة انتخابات اللامركزية الإدارية التي يشهدها الأردن لأول مرة في تاريخها ضمن تجربة سياسية إصلاحية ملتبسة وغامضة النتائج وتم التعامل معها مبكرا باعتبارها من تداعيات موجة الربيع العربي.
انتخابات اللامركزية ستجري بالتوازي مع انتخابات البلديات ما بين شهري تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر المقبلين.
اختبر الأردنيون سابقا الاقتراع لمجالسهم البلدية لكنهم يواجهون الاختبار الجديد لأول مرة والفكرة باختصار تخفيف العبء عن البرلمان في العاصمة عمان.
وتشكيل مجالس إدارة محلية منتخبة في المحافظات والأطراف تعزز المشاركة، هكذا شرح وزير الداخلية الأسبق الذي أشرف على الملف سلامة حماد لـ «القدس العربي» باختصار فكرة هذه الانتخابات.
الوزير الحالي وهو المخضرم غالب الزعبي أعلن ان كوادر وزارته جاهزة تماما لإدارة انتخابات البلديات وتدشين التجربة الديمقراطية الجديدة.
الزعبي قال لـ»القدس العربي «مباشرة عندما زارته عدة مرات ان انتخابات اللامركزية مشروع جديد بأبعاد إصلاحية ضمن رؤية مختلفة هذه المرة لتوسيع المشاركة الشعبية وتوفير أنماط ايجابية من التمثيل بحيث يتولى المواطنون الأردنيون مناقشة مشكلاتهم واحتياجاتهم ضمن فريق منتخب.
في الشروحات حول هذه التجربة الجديدة يتحدث الحكام الإداريون عن برلمانات صغيرة في الأطراف والمحافظات لها جداول أعمال محددة بموجب القانون.

إطار تنموي واستثماري

جميع هذه المهام محلية الطابع ولها علاقة في الإطار التنموي والاقتصادي بحيث تناقش هذه المجالس المحلية المشاكل والاحتياجات في منطقتها الجغرافية فقط ثم تحدد احتياجاتها وتخرج بتوصيات تذهب للمركز حيث الحكومة في عمان ومجلس النواب الأساسي.
وعند العودة للتاريخ القريب تظهر التفصيلات التي أوردتها الهيئة المستقلة للانتخابات ان الصيغة الأولى لقانون اللامركزية صدرت عام 2011 وخضعت لتعديلات عدة قبل اعتمادها بصورة مباشرة في عام 2015 .
حسب النصوص المنشورة في الجريدة الرسمية يهدف مشروع القانون إلى إيجاد مجالس في المحافظات تعنى بتوفير المناخ الملائم لتشجيع الاستثمار، والمحافظة على ممتلكات الدولة وتطويرها في المحافظات، والعمل على توفير أفضل الخدمات للمواطنين، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الصحة العامة والبيئة والتنسيق في حالات الطوارئ، وتنفيذ سياسة الدولة، حسب المادة الثالثة من مسودة مشروع القانون.
ويقضي مشروع قانون المحافظات بإنشاء مجلسين اثنين في كل محافظة، أحدهما تنفيذي معيّن بالكامل، يرأسه المحافظ ويتألف من نائب المحافظ والحكام الإداريين الذين يرأسون الألوية والأقضية في المحافظة ومدارء المديريات، ومدراء المناطق، إضافة إلى ثلاثة من المديرين التنفيذيين للبلديات في المحافظة والذين يسميهم وزير البلديات.
أما المجلس الثاني الذي يسمى «مجلس المحافظة» فهو مجلس منتخب، يحدد عدد أعضائه وفقاً لنظام تقسيم الدوائر الانتخابية، فيما يعين مجلس الوزراء 25٪ من عدد أعضاء المجلس، والذي ينتخب مجموع أعضائه رئيسه ونائبه ومساعده، علماً أن مدة كلا المجلسين 4 سنوات.
وتحدد مسودة القانون للمترشح لانتخابات مجلس المحافظة عدة شروط أبرزها أن يكون أردنياً منذ 10 سنوات، ومسجلاً في جدول الناخبين في دائرته الانتخابية، متمّا لـ25 من العمر، متمتعا بالأهلية القانونية، وألاّ يكون محكوماً بالإفلاس، أو محكوماً بالسجن لمدة لا تزيد على سنة ولم يشمله عفو عام.
كما أن عليه ألّا يكون عضواً في مجلس الأمة أو موظفاً حكومياً أو أميناً لعمّان أو أحد أعضاء مجلس الأمانة أو موظفيها، وألّا يكون رئسياً لبلدية أو عضواً فيها أو موظفاً بالبلدية.
ويفترض ان يعمل المجلسان (التنفيذي والمحافظة) بشكل متواز، حيث يتولى المجلس التنفيذي حسب مسودة القانون إعداد مشاريع الخطط الاستراتيجية والتنفيذية، وإعداد مشروع موازنة المحافظة، «وليست دائرة الموازنة العامة التابعة لوزارة المالية» إضافة إلى وضع الأسس التي تكفل سير عمل الأجهزة الإدارية والتنفيذية في المحافظة، وتقديم التوصيات لاستثمار أراضي الخزينة.
ويكون المجلس ملزماً بتقديم خطته وتوصياته إلى مجلس المحافظة، الذي يجسد مجلسا تشريعيا، لإقرارها، ومتابعة سير عملية تنفيذ المشاريع والتوصيات والخطط الاستراتيجية التنفيذية.
ولا يسمح القانون لمجلس المحافظة بتجاوز السقف الذي تحدده وزارة المالية في الموازنة العامة عند إقرار موازنة المحافظة، حسب الفقرة (ب) في المادة الثامنة من مسودة القانون.
وقد راعى المشرع وجود استمرارية لأربع سنوات في مجالس اللامركزية حتى  يتسنى للمجالس المنتخبة العمل ضمن خطة متكاملة ولضمان قدر من الاستقلالية في التخطيط والعمل بعيدا عن وزارة الداخلية ومجالسها كما أفصح الوزير الزعبي وبدون وزارة البلديات وصلاحياتها القانونية كما ألمح وزير البلديات وليد المصري.
 الوزير كان قد أبلغ «القدس العربي» أن كل ملف إجراء الانتخابات بنسختيها المتعلقة بالبلديات والثانية المتعلقة بمجالس اللامركزية في إطار صلاحيات الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات اليوم ولا علاقة لها بالحكومة ولا بالوزارات المعنية.

خطوة نحو «أغلبية برلمانية»

الفكرة في المأمول السياسي النظري تخفيف الحمل عن الحكام الإداريين التابعين لوزارة الداخلية ووقف مركزية القرار الحكومي في مجالس المحافظات المعنية بالخدمات والتنمية وحتى خطط الاستثمار على ان تتولى مجالس الحكم المنتخبة الجديدة دورا كان بالعادة للحكومة وللبرلمان المركزي دون صلاحيات تنفيذية بطبيعة الحال.
الالتزام بمقتضيات هذه الانتخابات ما زال غامضا من حيث النتائج وطبيعة التجربة لكن التوازي بينها وبين الانتخابات البلدية بالتتابع خطوة جديدة يأمل القصر الملكي مباشرة منها بان تنتهي بتوسيع قواعد التمثيل الاجتماعي والشعبي.
الرؤية الملكية التي انتجت هذه الفكرة تأمل في أن تنتهي انتخابات اللامركزية بمنظور سياسي جديد ضمن برنامج تحدث عنه الملك عبد الله الثاني شخصيا عدة مرات وعلى أساس ان ولادة مجالس حكم محلية في المحافظات والأطراف تمثل القطاعين العام والخاص والخدمات مقدمة قد تساعد الدولة في الانتقال لخطوة أخرى سياسية مأمولة ومهمة وهي تقليص عدد أعضاء مجلس النواب الرئيسي في العاصمة عمان بصورة تعيد إنتاج المشروع القديم المتعلق بالخطوة التالية بتشكيل حكومات برلمانية خالصة.

الإصلاح والمنظور الملكي

وفقا للمنظر الملكي الذي لم يعد سرا تشكيل برلمان الحكم المحلي كمؤسسات منتخبة رديفة قد يساعد في ترسيم تجربة أقاليم داخلية وإدارية جديدة وفي النتيجة قد يسمح بالانتقال إلى مستوى تشكيل حكومة أغلبية برلمانية بصورة خالصة.
إلى ان يحصل ذلك تبدو التفاصيل ملتبسة كما يلاحظ البرلماني والناشط السياسي والقانوني البارز مبارك ابو يامين وهو يحذر من ان يتم استنساخ تجربة جديدة في إطار العمل البلدي والخدمي تعيق العمل وتتسبب بالزحام بدلا من الانتقال خطوة جوهرية وعميقة تجاه مكونات الاصلاح السياسي.
ابو يامين كغيره من النشطاء الفاعلين لديه ملاحظات وآمال ويتصور ان الأساس في مسألة الاصلاح الديمقراطي برمتها هو الخوض بالقواعد العام بعيدا عن التفاصيل ضمن معادلات اللعب النظيف وعلى أساس تبادل حسن النوايا وتعزيز الثقة بين الناس ومؤسساتهم.
بدون هذه الثقة قد تصبح تجربة اللامركزية منطوية على شطط ان تقليد أو تكرار في مقايسات ابو يامين، الأمر الذي ينبغي الاهتمام بتجنبه في كل الأحوال.
بعيدا عن الجانب القانوني والإجرائي  يعرب نشطاء المجتمع المدني عن أملهم في ان تتطور آليات الإجراء بصورة تعالج مشكلات ومؤشرات القصور التي حصلت عند إجراء الانتخابات البرلمانية في شهر أيلول/سبتمبر المقبل خصوصا وان تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان وهو الذراع الرسمي لملف حقوق الإنسان سجل ملاحظات أساسية في تقريره النهائي متحدثا عن «تجاوزات» حصلت ولم يكن من السهل أو اليسير توثيقها.
 في الجانب السياسي تعتبر انتخابات اللامركزية بمثابة الصفحة التالية في التحدي أمام الهيئة المستقلة للانتخابات بقيادة المعارض اليساري الدكتور خالد كلالده الذي يجد نفسه مجددا تحت الأضواء الساطعة للإعلام ولبوصلة السياسة عندما يشرف فريقه على انتخابات اللامركزية التي تحصل عمليا لأول مرة بإعتبارها خطوة أساسية في طريق الإصلاح السياسي.
ما يحذر منه كثيرون في هذه التجربة الجديدة في الراهن الأردني هو ان تستأثر الطبقة نفسها المعنية بالانتخابات البلدية في المحافظات والأطراف من أصحاب المال والنفوذ والتمثيل العشائري بمقاعد برلمانات الحكم المحلي الجديدة.
تلك في رأي الناشط السياسي علي الحسيني مسألة لا يمكن ضبطها من خلال أدوات الدولة ومؤسساتها وأذرعها بما في ذلك الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات وإن كانت تعبر بصورة أساسية عن البعد الثقافي لفكرة الانتخاب والإقتراع في وجدان ليس الناخب الأردني فقط ولكن أيضا صاحب القرار الأردني في المقابل خصوصا وان مجالس اللامركزية  برنامج لا يحظى بالتوافق التام بين أركان الدولة ومراكز الثقل والقرار فيها.
إذا حصل ذلك بمعنى أن هاجمت النخب المحافظة التقليدية مقاعد اللامركزية ستكون انتخابات اللامركزية صورة عن انتخابات البرلمان حيث الثقل العشائري والمالي يسيطر على حساب الخبرة والتمثيل العميق للمجتمع والناس وفي كثير من الأحيان على حساب الكفاءة والحاجة لمتطلبات التنمية.
ثمة من يحاول في أجهزة الدولة اليوم إقناع نخب ناشطة وخبيرة بالمشاركة في الانتخابات اللامركزية وعدم ترك الأمر  للمحظيين من  التقليديين من رموز المقاولات والثقل العشائري فقط.
رغم وجود أصوات عاقلة من هذا النوع يخشى دعاة الاصلاح من افساد التجربة بالتركيز على دعم الوجوه التقليدية نفسها في المحافظات والأطراف من قبل مؤسسات بيروقراطية وأمنية تخشى التغيير ولا ترغب في المجازفة بتجربة وجوه جديدة أو حتى أنماط عمل مختلفة، الأمر الذي يحذر منه الحسيني وآخرون في المجتمع المدني.
وسط هذه المخاوف بدا رئيس الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات الدكتور خالد الكلالدة وفريقه في الاستعداد للاشتباك مع التفاصيل وبدأت تظهر تلك الرسائل والصور المتلفزة والإعلامية التي تحث الأردنيين على المشاركة  في انتخاب مجالسهم البلدية ومجالس الحكم اللامركزي الجديدة عبر تقنية تحاول كالعادة تجميل هذه المشاركة وتزيينها في عيون الناس المغرقين بالإحباط الاقتصادي.
في المقابل يمكن ببساطة حتى الآن تلمس عدم وجود علامات فارقة تظهر التفاؤل الشعبي بتجربة جديدة من هذا النمط في الحالة الأردنية لان حجم اليقين في تغير الأمور صغير جدا ولان المديونية تضغط على أعصاب جميع الأطراف وكذلك الاعتبارات الإقليمية والأمنية المفتوحة على كل الاحتمالات.
وأيضا لأن الظروف الإقليمية والسياسية والمالية صعبة جدا ومعقدة في رأي البرلماني البارز يوسف القرنة الذي يحذر من الإفراط في التفاؤل المالي والاقتصادي عبر لافتات سياسية لها علاقة بالانتخابات لأن الانتخابات بكل نسخها وتعبيراتها قد لا تستطيع معالجة الإشكالات الواقعية.
الأردنيون عليه أمام تجربة جديدة لا توجد فيها مخاطر أو خسائر ولكن قد لا تنتهي بمكاسب حقيقية على المستوى الديمقراطي والتمثيلي خصوصا إذا ما هاجمت طبقات النفوذ الكلاسيكية في المجتمع والتي تشكل التحالف بين الثقلين العشائري والأمني مقاعد برلمانات الحكم المحلي الصغيرة مجددا كما يحصل في انتخابات البلديات في العادة.
عندها يمكن القول فقط ان انتخابات اللامركزية كمولود جديد قد لا تؤدي إلى تغيير حقيقي وملموس يتحدث عنه كبار المسؤولين في ايقاع الحياة العامة في الأردن بعيدا عن المركز في العاصمة عمان.

انتخابات «اللامركزية» في الأردن: تجربة جديدة ومخاوف من هجمة منظمة على المقاعد لممثلي الثقل الأمني والعشائري

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية