تونس ـ «القدس العربي»: اعتبرت وزيرة المرأة والأسرة نزيهة العبيدي ان المرأة التونسية كانت السد المنيع ضد كل التجاذبات السياسية والصعاب التي عرفتها تونس خلال الأعوام الماضية وأكدت في حديثها لـ «القدس العربي» ان المعركة ضد الفساد متواصلة والحكومة لن تتراجع عن ذلك، معتبرة ان المهمة الأصعب هي تفكيك شبكات الفساد التي تأخذ أشكالا مختلفة، ورأت ان الأسرة تلعب دورا هاما في محاربة الإرهاب مؤكدة ان هناك برامج عمل صلب وزارة المرأة والأسرة تتعلق بتوعية الأسر حول مخاطر الإرهاب. وقالت ان تونس مواصلة في النهج نفسه من أجل حماية حقوق الأطفال مشيرة إلى ان الهدف هو جعل سنة 2017 هي السنة الوطنية للطفولة.
○ حصلت تونس على المرتبة الأولى عربيا وافريقيا والتاسعة دوليا حسب تصنيف«شبكة حقوق الأطفال» لسنة 2017 في مجال تدعيم حقوق الطفل، فماذا يمثل ذلك لكم؟
• صراحة أمام ما يحصل في العالم يعد نيل هذه المرتبة انجازا للمجتمع التونسي الذي أعطى للطفولة مكانة مقدسة، وتمثل ذلك في امضائنا على اتفاقية حقوق الطفل منذ سنة 1995 ووضع الاستراتيجيات والآليات الكفيلة بتنفيذ بنود الاتفاقية حتى وصلنا إلى عام 2017 وأعلنا انها السنة الوطنية للطفولة. فأن تتقدم تونس مرتبة وتصبح التاسعة من أصل 165 دولة في مجال حقوق الطفل والأولى عربيا وافريقيا هو انجاز هام جاء نتيجة تراكم الإنجازات، فالإدارة العامة للطفولة تعمل بشكل حثيث، وأتصور ان كل طفل في عائلته في مقدس، هو طفل ملك، لأننا راهنا منذ الاستقلال على تنمية العنصر البشري، المرأة والطفولة وكبار السن، واليوم نجني ثمار التنمية. ولدينا استراتيجية وطنية تمتد إلى سنة 2025 وهي متعددة القطاعات، فيها الصحة والتربية والثقافة، أي كل ما يهم التنمية البشرية للأطفال. ولدينا أيضا خطة أخرى تهم الطفولة وخاصة كل ما يتعلق بمناهضة أشكال العنف الموجهة ضد الطفولة. وهنا اريد ان اشير إلى ان اختيار مجلس أوروبا تونس ضمن أول دولة خارج مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال لتصادق على اتفاقية «lanzarote» لمناهضة الاعتداءات الجنسية على الأطفال لم يأت صدفة. وتمت المصادقة على انضمام تونس إلى هذه الاتفاقية وهذا يدعم حقوق الأطفال في تونس والأطفال بشكل عام.
○ بالرغم من كل ما تحقق إلا اننا شهدنا تزايدا في حالات العنف ضد الأطفال مع تصاعد أعداد وحالات الانتحار، فكيف تفسرين ذلك وكيف تعاملت وزارة المرأة والأسرة والطفولة مع هذه المسألة؟
• أولا لدينا مندوبون لحماية الطفولة وهؤلاء يتلقون الاشعارات المتعلقة بحوادث العنف ضد الأطفال، وفي السنة الماضية وصل إلى الوزارة تسعة آلاف اشعار بخصوص حالات العنف بشكل عام، وتم تسجيل 100 حالة اعتداء بالعنف والاغتصاب وتدخلت الوزارة في هذا المجال، وهناك 85 مندوب طفولة يتدخلون من خلال الضابطة العدلية ونحن لا نتكلم في الإعلام حفاظا على الحرمة الجسدية وحقوق الأطفال ولدينا استراتيجية كاملة للعناية بهم من الناحية النفسية والاجتماعية ولذلك هناك تطور في مجال حماية الطفولة. اضافة إلى أننا نستعد للقيام بتظاهرات كبيرة للتعريف بمدونة حقوق الطفل والقوانين التي سنطورها لتكون بالفعل سنة 2017 السنة الوطنية للطفولة.
○ ما تقييمك لوضع المرأة في تونس وكيف يمكن تطوير حقوقها وتمكينها سياسا واقتصاديا؟
• طبعا الفيصل بيننا جميعا هو الدستور. دستور 2014 أقر في فصله عدد 46 ان الدولة تكفل حقوق المرأة وكذا الفصل 21 من الدستور يضمن التناصف. اذن نحن نعيش الآن تطورات أخرى في مجال حقوق الإنسان والدولة هي الضامنة. إذا كان هناك التزام من الدولة فلا بد من وضع خطط لتطوير وضع المرأة، منها مشروع قانون مناهضة العنف ضد المرأة بمختلف أشكاله الجسدية والنفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ونحن نبدأ بالجانب الوقائي. وخلال الفترة بين 25 تشرين ثاني/نوفمبر وهو اليوم العالمي لمناهضة العنف، إلى 10 كانون الأول/ديسمبر وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وضعنا استراتيجية إعلام واتصال للحد من ظاهرة العنف والتعريف بمفاهيمه، وهذه الحملة متواصلة وسننطلق في أخرى ايجابية نتحدث خلالها عن الأمل والاحترام المتبادل وعن كيفية تحفيز السلوكيات المبنية على المحبة والألفة في كنف الأسرة.
وفيما يتعلق بالمرأة التونسية في سوق العمل هناك فقط 28 في المئة من النساء الحاملات للشهادات العليا يعملن وهدفنا ان نحقق نسبة تتجاوز 35 في المئة، لان نسبة النساء الحاملات للشهادات العليا هي تقريبا 63 في المئة ولا بد ان تصبح المعادلة صحيحة وايجابية. ولدينا في الوزارة برنامج للتمكين الاقتصادي للمرأة نعطي من خلاله قروضا للنساء في مختلف جهات الجمهورية وخاصة حاملات الشهادات العليا، كما يشمل البرنامج غير الحاملات لشهادات عليا، وبعثنا في هذا الإطار خط تمويل خاص بالمرأة. وفيما يتعلق بالتمكين السياسي وصلنا إلى تكوين 3000 أسرة في المجال السياسي والتعويل على الذات وتمكينهم من الناحية النفسية والاجتماعية حتى تدخل المرأة كناخبة ومنتخبة في الانتخابات المحلية التي اقترب موعدها.
○ كيف تنظرين إلى ما يجري في تونس من حملة على الفساد وما التحديات التي تواجه حكومة الشاهد؟
• اليوم هناك حرب ضد الفساد وهي في البدايات. فأول الغيث قطرة، ولدينا أمل كبير بالنجاح. لقد دخلنا في حكومة الوحدة الوطنية على أساس منهج سياسي ورؤية سياسية صادقت الأحزاب خلالها على وثيقة قرطاج ونلتزم بتلك الوثيقة التي تجمع بيننا، ونحن اليوم نشتغل في حكومة الوحدة الوطنية ونريد ان نؤكد اننا نعمل بأريحية وتناغم مع بعضنا بقطع النظر عن انتماءاتنا السياسية وما يهمنا هو مصلحة تونس والوطن قبل الأحزاب، والمهم ان نخرج بتونس إلى بر الأمان ونعطي بذور أمل إلى الشعب التونسي. وأنا حينما أدخل باب الوزارة أنسى انتمائي إلى حزب لأننا كلنا أعضاء في الحكومة ونخدم وطنا كاملا في كنف الاحترام. هناك التزام بوثيقة قرطاج والالتزام الاول هو مكافحة الفساد وشرعنا في هذه المهمة كل وزير في إطار وزارته. وهنا أريد ان الفت إلى ان الفساد يأخذ أشكالا مختلفة لا بد من مكافحتها عبر تفكيك شبكاته.
○ ماذا يعني ان تمثل امرأة حزب المبادرة الوطنية الدستورية في حكومة الوحدة الوطنية؟
• حزب المبادرة كان أول حزب يتأسس في سنة 2011 وهذا ان دل على شيء فيدل على ان المؤسسين واثقين من أنفسهم وانهم وطنيون وقدموا للدولة والبلاد تضحيات جسام ورؤسهم عالية ومرفوعة. واؤكد انه في تونس وقعت المصالحة الفكرية وان الثقة بيننا موجودة وهناك ثقة بالكفاءات بغض النظر عن انتماءاتنا الحزبية ونحن واصلنا على منهاج الفكر البورقيبي الذي هو فكر وسطي وتنويري يؤمن بعدم الاقصاء. وبالنسبة لي المرأة هي الحاضنة وخلال الأعوام الماضية كانت المرأة التونسية السد المنيع ضد كل التجاذبات. والعالم كله يعترف بان بورقيبة هو الذي خدم قدرات المرأة ونحن ما زلنا نواصل المنهج نفسه عندما تمت الموافقة على التناصف الافقي والعمودي. والآن الأحزاب السياسية ملزمة بتقديم القوائم الانتخابية وفق التناصف.
○ كيف تقيمين تجربة الوفاق في تونس خاصة انها منعت انزلاق البلاد إلى متاهات خطيرة؟
• هي تجربة ذكية لأنها حاولت تجميع كل الأطراف السياسية حول رؤية واحدة من أجل انقاذ تونس والخروج من الأزمات التي تعيشها من خلال الاستقرار، فالاستقرار هو الذي يعطي الطموح والأمل ويدفع إلى الأمام، ودور الحكومة هو تركيز أسس الاستقرار والتنمية والتضامن في إطار الديمقراطية المبنية على الاحترام المتبادل.
○ ما الذي يميز وضع المرأة التونسية عن نظيراتها في الدول العربية الأخرى؟
• في الواقع الأوضاع في البلدان العربية صعبة ولا نستطيع مقارنة وضع المرأة في دول الحروب بوضع المرأة التونسية ونحن نحمد الله على الاستقرار السياسي والأمني. وهذا يضمن للمرأة التونسية ان تتقدم وتطور مكتسباتها.
وأقول للمرأة العربية بصفة عامة لا تخافي من السياسة اقتحمي هذا العالم، لان السياسة كياسة والمرأة تنجح في هذا المضمار. واعتبر ان المرأة والرجل متساويان في الإنسانية ولا بد من المحافظة على هذه المساواة بإنسانيتنا وليس بالصراع. رسالتي للمرأة العربية ان لا تخاف من عالم السياسة وتؤمن بقدراتها الذاتية. انا دخلت السياسة في عمر مبكرة حوالي14 سنة كنت أشاهد أمي وهي تحمل السلاح في معركة بنزرت (معركة الجلاء ضد الاستعمار الفرنسي) من أجل الدفاع عن الوطن. تربيت في كنف عائلة تضحي لكي تحمي وتدافع عن تونس، ونحن اليوم ما أحوجنا إلى التمسك بحب الوطن. علينا ان لا نفكر ماذا سنأخذ من هذه الأرض بل ماذا سنقدم لها. لقد حلفنا وتعاهدنا وأدينا اليمين المقدسة وسوف نحاسب عليه.
○ المرأة العربية عانت كثيرا من ويلات الحروب ودفعت الضريبة فالنساء والأطفال هن النازحات والمهاجرات خاصة في سوريا اليمن فكيف سيكون وجه العالم العربي في ظل هذا التقهقر؟
• صحيح انه وضع مؤلم جدا وهذا ناتج عن عدم وعي في البداية بالمخاطر التي تهددنا. في تونس تعودنا منذ القدم على استقبال المهاجرين والوافدين لأننا بلد مضياف ونؤمن بحقوق الإنسان منذ عهد عليسة (أليسار) مؤسسة قرطاج والتي قدمت لتونس من لبنان. التاريخ يقول انها جاءت وبنت قرطاج ولكن إذا قرأنا ثنايا التاريخ نجد ان للأمة التونسية أو للمجتمع التونسي في ذلك الوقت تقاليد تقام على احترام الآخر، فتونس فتحت يديها لتلك الأميرة الفينيقية ومكنتها من بناء قرطاج ولو لم يكن الشعب التونسي مضيافا لما وجدت حضارة تدعى قرطاج، وتونس عبر التاريخ عرفت هجرات عديدة من الفينيقيين والموريسكيين والفلسطينيين والجزائريين والأفارقة والليبيين والسوريين، ونحن نحتاج إلى هذا التعايش مع دول الإقليم حتى نكون أقوياء ضد كل التحديات التي تواجه المنطقة.
○ ما أسباب تهافت الشباب والأطفال على الإرهاب، كيف تفسرين سهولة تسلل الفكر الداعشي إلى المجتمع التونسي رغم انه متنور ومنفتح؟
• أفسر ذلك بأن المجتمع هش والأسرة هشة، فتطور التكنولوجيات الحديثة متسارع والأطفال مطلعون على تكنولوجيات الانترنت وهذا جعلهم لقمة سهلة أمام التجنيد عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لذلك الرقابة من الأسر مطلوبة ويجب وضع استراتيجية وطنية لمواكبة الأطفال وهم يلعبون لإعطاء ديناميكية أخرى في التفكير والألعاب لحماية فكرهم. ولدينا في هذا الإطار مشروع مع وزارة الشؤون الدينية نتعهد خلاله بتقديم برامج تربوية للحفاظ على الأطفال فنحن نحارب الإرهاب بالثقافة والمسرح والرياضة. ولا بد من التأكيد على دور العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والتاريخ حتى تكتسب الأجيال الجديدة طرائق الجدل والنقاش وهناك كتاب كتبه الكواكبي اسمه طبائع الاستبداد وفيه يوضح ان الاستبداد هو عدم تعليم الرعية الفلسفة والتاريخ، إذا يجب ان نجعل المجتمع متفتحا ومتوازنا من خلال تعليم الفلسفة والموسيقى واللغات. لا بد من تحصين المجتمع التونسي من خلال هذه البرامج الهادفة التي ترتقي بالإنسان والطفل، ونحن قمنا بعدة ورش ودورات وندوات حول دور الاسرة في مقاومة الإرهاب ولدينا برامج حول مكافحة الإرهاب من خلال بعث إذاعات في المناطق الحدودية يكون فيها الأطفال والشباب هم المنتجون والمنشطون. وأيضا اتفقنا مع وزارة الثقافة على اقامة نواد ثقافية متنقلة تتوجه إلى الجهات الحدودية.
○ كيف تفسرين تصاعد أعداد التونسيين الملتحقين بالجماعات الإرهابية؟
• الإرهاب ليس تونسيا بل هو ظاهرة عالمية ودولية. ليست هناك بلاد بمنأى عن الإرهاب وشبكات تسفير الإرهابيين منتشرة في دول عدة وليس فقط في تونس. ولكن في تونس هناك احصائيات، ونحن نلجأ دائما إلى الأرقام، وهذا أمر ايجابي لان الاحصائيات تساعد في حل المشكل وإيجاد الحلول. ولكن للأسف بعض الأطراف تستغل الأرقام لغاية في نفس يعقوب، وليس من مصلحتها ان تعيش تونس حالة توازن وتوافق وأمن.
روعة قاسم