كيف تحولت سيناء إلى قاعدة لتنظيم «الدولة»؟

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: يستمد «التنظيم» أسباب بقائه في مصر في الأساس من أخطاء السلطة التي لا تحصى، وبعض تلك الأخطاء تعود لدولة مبارك الذي نشر سياسة الاستبداد والقهر وتعامل على نحو خاص مع أهالي سيناء بعين الشك، لذا حرمهم من امتلاك الأرض والخدمة في الأجهزة الأمنية، كما منع عنهم كافة الخدمات التي تعد عنوان الدولة الحديثة. فكان من الطبيعي ان تكون شبه جزيرة سيناء البيئة المناسبة لمولد «تنظيم الدولة» ومنها تمدد ليمثل شوكة في حلق نظام السيسي كلما شرع في حلم هدد تنظيم «الدولة» طموحه فانزوى وعاد من جديد للمربع صفر. وكلما غابت الدولة يظهر الداعشيون، ولأجل ذلك كان من الطبيعي ان أكبر بؤرتين حاليتين يتمدد فيهما تنظيم «الدولة» هما سيناء والصعيد. كما كشفت الأيام الماضية عن تواجد للتنظيم بالقرب من الواحات والوادي الجديد ومطروح حيث لا مكان لدور يعضد نفوذ الدولة في حياة الناس فلا خدمات من أي نوع ولا فرص عمل تذكر كما ان الفقر أكثر استشراء من أي وقت مضى. ومن سيناء للصعيد التي غنت لهما المطربة المعتزلة شادية فور تطبيق اتفاقية كامب ديفيد وعودة الأرض لمصر، تمدد التنظيم لينطلق نحو أهداف كبيرة يستطيع من خلالها ان يؤلم السلطة التي باتت مع كل عملية إرهابية جديدة أشد رغبة في البطش ومصابة بهوس الانتقام. وبات من شبه المتفق عليه ان التفوق الذي يبديه «التنظيم» لا يعود في طبيعة الحال لتطور قدراته على الأرض بل إلى مزيد من الأخطاء التي يقع فيها النظام الذي سعى لأن يستمد شرعيته واستمراره في السلطة من خلال الادعاء بوجود «بعبع» يريد ان يلتهم المصريين ويسقط دولتهم.
ان أصغر طفل محروم من الطعام في شبه جزيرة سيناء بوسعه ان يجيب على السؤال «لماذا تمدد التنظيم؟» فالدولة التي أعلنت الحرب المقدسة لاجتثاث «التنظيم» من فوق الأرض منذ قرابة أربعة أعوام لم تتمكن حتى اللحظة من ان تدحره خارج نطاقها الجغرافي ذهبت في مجال مواجهته لمدى لا يصدقه عقل حينما قررت الانتقال بالمعركة خارج الحدود فيما يعد اعترافاً بأنها تواجه عدواً لا مرئياً.

الممول المجهول
 
السؤال الذي يبحث عن إجابة منذ مولد التنظيم على أرض سيناء، من يمول تلك الفئة الباغية التي رفض الأزهر الشريف أعلى مرجعية دينية حول العالم الإسلامي تكفيرها رغم عملياتها الإرهابية البشعة؟ بورصة الأخبار والمراكز البحثية والاستراتيجية حول العالم تحدثت باستفاضة حول التنظيم في بلاد الشام ومصادر تمويله من عوائد بيع النفط والتحكم في الحدود وفرض الجزية على غير المسلمين وجمع رسوم من مواطني الدولة، غير ان الأمر بالنسبة لتنظيم مصر يبدو شديد الغموض بسبب الحصار المفروض على التنظيم والرقابة الصارمة على الحدود من قبل الجيش المصري. على مدار الأعوام التي نشط فيها «التنظيم» على الأرض وتحديداً بعد جلاء الإخوان عن سدة الحكم، كانت الاتهامات المعلبة تلاحق الإخوان من جانب ودولا حليفة معها بدعم ذلك التنظيم، ولم توفق أجهزة الدولة المصرية في العثور على دليل يفيد بمصادر تمويل «التنظيم» الذي ما زال رغم الضربات التي توجهها القوات المسلحة والشرطة محتفظاً بقدرته غير المرئية، وقادراً على التحرك بحرية بين المحافظات ليوجه ضرباته المختلفة. ومن المفارقات ان عبور أي مواطن مصري نحو سيناء يعد أمراً صعبا بسبب التشديدات الأمنية المتزايدة في الوقت الذي لم تؤثر تلك الإجراءات وعلى رأسها حالة الطوارئ التي تتجدد تلقائياً في المنطقة في تحرك عناصر التنظيم وتوجيهه ضربات مؤثرة في العمق المصري في الدلتا والصعيد كما حدث في الفترة الأخيرة.
والسؤال الذي لا يموت أبداً من يدعم تنظيم «الدولة» مصر؟ الأرجح حسب رأي القريبين من التنظيم وأولي الشأن وبعد غض الطرف عن كل الاتهامات التي تكيلها أجهزة الإعلام المحسوبة على النظام، ان أبرز مصادر القوة للتنظيم بات يتمثل في تعاظم الحاضنة الشعبية التي تؤيه وباتت على استعداد لدعمه في مواجهة سلطة هي حسب قطاع كبير من الشباب الذي دعم الرئيس المنتخب الذي بات قيد السجن تحيط به أحكام الإعدام والسجن المؤبد، ظالمة تعادي ليس فقط الإسلاميين بل تكره الإسلام ذاته. وبقدر ما في هذا الاتهام من غلو وشطط، إلا ان الحقائق على الأرض تمنح تلك المزاعم التي يطلقها الإسلاميون بعض القبول، فالدولة التي تلاحق حتى الآن من يحمل إشارة أو تميمة عليها رمز رابعة، لا تقترب ممن يسخرون من الإسلام ونبيه الكريم ورموزه من العلماء، ولعل الإفراج عن الباحث المثير للجدل إسلام البحير قبل اتمام فترة حبسه بتهمة السخرية من الإسلام، وفتح أبواب الفضائيات والصحف لمعاودة السخرية شاهد عيان على ان النظام الراهن تجاوزت كراهيته الإسلاميين إلى نقد معتقداتهم وتوفير الحماية لخصومهم.
 
فلسطين في القلب
 
الذين يتهمون التنظيم بالحصول على دعم من إسرائيل فاتهم ان يقرأوا التاريخ الذي يشير إلى ان مولده تحت مسمى مختلف أولاً كان تحت إلحاح الرغبة في الانتقام من إسرائيل ودعما لفلسطين. ففي عام 2003 دافعه الأول كان الرد على اجتياح الجيش الإسرائيلي لخان يونس، والمجازر التي تمت فيها وكان هدف التنظيم وقتها ضرب السياح الإسرائيليين في سيناء، وأسس التنظيم طبيب أسنان اسمه خالد مساعد، وقام فور تدشينه بثلاثة تفجيرات في سيناء هي: نويبع وطابا ودهب، وبعدها لاحقت الأجهزة الأمنية عناصر التشكيل وتمكنت من القبض على 500 من أتباعه ونجا قادته الذين نجحوا في امتصاص الضربات الأمنية ثم قاموا بتفجير شرم الشيخ وهو الأعنف في تاريخ العمليات العسكرية الموجهة في الداخل المصري مما رشحه لأن يكون على صدارة اهتمامات الدولة الأمنية التي سخرت كل إمكانياتها للقضاء عليه ونجحت في اعتقال قادة التنظيم.
لم ينزو التنظيم حول نفسه بل قرر إعادة بناء شتاته وكان التحول الأبرز يتمثل في مرحلة «مبايعة القاعدة والولاء المطلق لها» والتي أعقبت ثورة 25 يناير، حيث هرب كل قادة التنظيم ومعهم عناصر جماعات تكفيرية شتى توطدت علاقتهم بهم في السجون واتخذوا من مدينتي رفح والشيخ زويد  مركزا لهما حيث أقاموا ثلاثة معسكرات مستغلين حالة الفراغ الأمني في سيناء، واهتمام المجلس العسكري بإعادة بناء الدولة التي تعرضت لهزات عنيفة خلال فترة الثورة وما تلاها من أحداث تجمعت كل الفصائل التي اتخذت من سيناء وطناً لها في انتظار الوعد بمولد دولة الخلافة وانتظمت في جسد واحد «أنصار بيت المقدس» وقد بايع التنظيم د.أيمن الظواهري زعيم القاعدة وانضمت إليه حشود كبيرة بعضها مصرية وأخرى عربية وإسلامية وجلبوا أسلحة حديثة منها مضادة للطائرات.
لم يستغرق الأمر كثيرا حينما دب خلاف عقدي في بعض أوجهه بين التنظيم والقاعدة، وانتهى الأمر بفراق الكيانين وقرر تنظيم بيت المقدس الانضواء تحت راية «التنظيم» وبايع البغدادي وأسمى نفسه «ولاية سيناء». واعتنق التنظيم منذ نشأته «فكر التكفير» وساوى في الجرم بين مبارك وغيره من الحكام العرب. وكفر كل أجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى واعتبرها من أعوان الحاكم الكافر، ثم ما لبث ان كفر كل أفراد الجيش المصري، ثم بدأ بعد ذلك في استهداف أفراده.

كيف تحولت سيناء إلى قاعدة لتنظيم «الدولة»؟

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية