مأزق مصر وتصريحات جون ماكين

حجم الخط
0

المشهد السياسي في مصر مربك وغاية في التعقيد، خاصة لمن يريد الخوض في اي جانب من جوانبه، فالصورة قاتمة والأمور ملتبسة وتسير نحو الهاوية والأطراف السياسية وصلت حالة لا يمكن فهمها، وكل طرف دخل في متاهة سارت به وبمصر من بعده نحو المجهول. مجهول ينتظر مصر بدت ملامحه تتضح وتلقي بظلالها على المنطقة برمتها، مما ادى الى استنفار الدول الكبرى خوفا على مصالحها، وخشية من خسارة دولة مهمة ومحورية في النظام العالمي القائم والمهدد بالزوال.
ما يحدث في سيناء لا يمكن ان يمر مرور الكرام في دوائر صنع القرار، فان غابت الرؤية وبعدت الحكمة عن الأطراف المتصارعة فهي حاضرة هناك في اذهان الدول الكبرى وساستها، فتجارب تلك الدول مع الدول التي تصنف ضمن مجموعة الدول الفاشلة بدءا من افغانستان ومرورا بالعراق وصولا الى سورية، حاضرة وفي الذاكرة الحية، فالأهراصات والأعراض التي تظهر في مصر كانت قد ظهرت في تلك الدول قبل ان تصل للمرحلة المرضية، لذلك جاءت كاثرين اشتون ووليم بينز وجون ماكين وليندسي غراهام، ولا اظن انهم آخر من سيأتي او يتدخل. ما يهم هنا ثلاثة مواقف جاءت متتالية، ردا على تزايد وتيرة العنف الذي يضرب مصر بعد الثلاثين من حزيران/يونيو: زيارة اشتون واصرارها على زيارة ومقابلة الرئيس مرسي، تصريحات جون كيري من ان الجيش تدخل لحماية الديمقراطية، ثم زيارة السيناتور جون ماكين وتصريحاته التي لم تعجب السلطات الحاكمة في مصر، حيث سمى ما حدث بكل وضوح بالانقلاب. تلك المواقف والتصريحات يجب ان تقرأ بترو بعيدا عن مواقف اطراف الصراع واستغلال كل طرف لها ضمن حملته، ان لم تكن حربه الضروس مع الآخر من اجل اقصائه والغائه ومن ثم تسيد البلاد.
زيارة وتصريحات منسقة الشوؤن الخارجية في الاتحاد الأوروبي كان ضمن ما يعرف بتسجيل موقف واثبات حضور الاتحاد الأوروبي في المنطقة، لذلك طبل لها وزمر لنجاحها الاعلام الغربي، ولاصرارها وضغطها على السلطات الحاكمة لمقابلة الرئيس المعزول، غير ان مواقفها ورؤيتها لما جرى لم يكن ليرتقي لمستوى الاصرار الذي ابدته لزيارة الرئيس مرسي، فكانت نوعا من الوساطة وضغطا على الأخوان للقبول بالأمر الواقع، مع تحذير من أنهم لن يعودوا للسلطة. أما تصريحات جون كيري وزير الخارجية الأمريكي فجاءت بعد فترة من عدم الوضوح والتردد، ولكنها كانت منحازة كليا لطرف، اذا ما سيطر واستتب الأمر له فانه سيكون اقرب الى الرؤية والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ومن ثم استعادة دور ونظام كاد ان يتلاشى ضمن طوق حلفائها. لكن تصريحات وتحذيرات جون ماكين وليندسي غراهام بعد زيارتهما ووصف جون ماكين ما حدث بالانقلاب، هي التي يجب ان تفهم ويقف عندها الجميع. هذه التصريحات هي اقرب الى الخوف والخشية منها الى الحرص على مصر ومستقبلها، وهنا يجب التأكيد على ان هذا ليس انعكاسا لصراعات وتناقضات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كما يحلو للبعض ان يقول.
لقد استغل طرفا الصراع في مصر الموقف الأمريكي ابشع استغلال للوصول والحصول على الدعم الشعبي اثناء الحشد لمليونياتهما، مستغلين حالة الكراهية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية في الشارع المصري والعربي. بداية الأزمة حاولت جبهة الانقاذ وحركة ‘تمرد’ والأطراف والاعلام المتحالف معها تسويق ان الأخوان حلفاء لأمريكا وسياستها، وجيء بهم او سمح لهم بعد تطمينات واتفاقات بين الطرفين، فظهرت يافطات التخوين في ميدان التحرير، لا بل تم استغلال التردد في الموقف الأمريكي في بدايــــة الأزمــــة كدليل قاطع على هــــذا التنسيق والتحالف بين الأخوان والأمريكان ضمن ما عرف بالشيطنة، لكن الأخوان كانوا حاضرين لينقضوا على غرمائهم، بعد تصريح جون كيري كدالة على ربط ما حصل بامريكا واسرائيل، وان غرماءهم هم الحلفاء لاسرائيل والسياسة الأمريكية في المنطقة، وان كل ما حصل كان منسقا ومدروسا من دوائر صنع القرار هناك، وان غرماءهم ما كانوا الا ادوات تنفيذ للمؤامرة.
من هنا تأتي اهمية قراءة زيارة ماكين وغراهام وموقفهما وتصريحاتهما الجريئة التي وصفت بالخرقاء والتدخل في الشأن المصري وغيرها من اوصاف من قبل السلطات الحاكمة، ولم توصف زيارة ومواقف اشتون ولا تصريحات كيري من بعدها بهذه الأوصاف، ومحاولة البعض الظهور بموقف الأبطال الوطنيين الذين يريدون لمصر الاستقلال وعدم التبعية للغرب.
التاريخ يشي بحقائق والتطـــورات على الأرض تؤكد وقائع وتزايد العنف في سيناء وعدد القتــــلى والجرحى هناك ونوعية الهجمــــات والسلاح المستخدم في العمليات العسكرية ضد الجيش المصري والمحاولات الفاشلة للاقـــتراب والنيل من اسرائيل، مؤشرات مقلقـــــة لاســرائيل وحلفائها والخوف من تحول سيناء الى بؤرة وجبهة في الصراع ضد اسرائيل، سيكلف الكثير في ما لو اصبح واقعا.
الجغرافيا هنا في سيناء غير الجغرافيا في افغانستان او اليمن، والسياسة هناك لها متطلباتها وهي غير تلك المتطلبات والمعطيات، ففلسطين وارضها وقضيتها وقود يؤجج قلوب العرب والمسلمين، والاقتراب من حدود الكيان الغاصب حلم لطالما سعت اليه الكثير من التنظيمات الجهادية.
دائما ما كان يؤخذ على تنظيم القاعدة بشكل خاص والتنظيمات الجهادية من قبل غرمائهم السياسيين من التنظيمات الاسلامية الأخرى، عدم استهداف اسرائيل بشكل مباشر والعمل داخل الدول العربية والاسلامية، وها هم نالوا ما كانوا يتمنون، فهم في سورية حيث جبهة الجولان الصامتة منذ عقود بانتظارهم، لذلك كان هناك ماكين وله موقف واضح من ضرورة التدخل وانهاء الصراع لصالح دولة ديمقراطية حديثة ضمن منظومة الدول، لا ان يستمر الصراع ويبقى الحال على ما يرغب به اعداؤهم، وتتحول سورية الى مصدر صداع مزمن لأسرائيل وحلفائها. اما مصر فما يجري يخيفهم والأحداث المتواترة اربكتهم واحدثت حالة من الاستنفار، فهناك في سيناء المهم والأهم وليس هنا في ميدان التحرير او في رابعة العدوية، والسيناتور جون ماكين رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي سياسي محترف يمثل الحزب الجمهوري ومؤسساته، وعندهم ما عند الحكام الجالسين في البيت الأبيض من مراكز ابحاث وخبراء، وهم دائما جاهزون للحكم وقيادة بلادهم وسياستها ومصالحها، لذلك جاء الرجل يصحبه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وقال عندما تراها تسير كالبطة وتصدر صوتا كالبطة فحتما هي بطة، وحتما هو انقلاب، لا حبا في الأخوان ولا في سياستهم، ولكن خوفا من ان يتحول الشباب المصري من الاعتدال والاسلام المعتدل الى التطرف عندما يرى ان الديمقراطية ليست وسيلة صالحة للتغيير في العالم العربي، فيلجأ الى العنف وليس غير العنف امامه وسيلة للتخلص من الفقر والفساد ونيل الحرية والعيش بكرامة لطالما حلم بها.

‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية