رسائل من سِفر الاغتراب

حجم الخط
0

-1-
بعد أن منيت بخسارات كبيرة أدركت أن أسطورتي الشخصية ولدت، وأن نبوءة غامضة تشكلت في داخلي. لا سعادة أكثر من أن تسمع أصوات الملائكة وهي تطرق باب سكينتك وتأملاتك الليلية، لا سعادة أكثر من أن تكون خارج اهتمام البشر ودائرة تفاصيلهم اليومية.
لقد زال الضباب الذي يفصلني عن حقيقة الأشياء وأدركت هشاشة الكيان الإنساني وهو يعيش في غابة من سراب، لم أعد أريد شيئا الآن سوى العيش بكامل حريتي وكينونتي متوهجاً بالمحبة السماوية، ولو قدر لي أن أموت، يجب أن أموت وحيداً بلا قبر أو شاهدة، أن اختفي فجأة هكذا بلا ضجيج ولا صخب. الموت بعيداً دموع البشر وشفقتهم القاسية محبة تمنحها لنا آلهة العالم القديم.

-2-
كنت وحيداً كعادتي في زقاق اكتشفته صدفة ساعة الغروب، كانت الآفاق ترسم لوحة سحرية تنثال ألوانها وظلالها على المدينة، فها هو سرب من الطيور المهاجرة يحلق ويذوب رويداً.. رويدا في حمرة المدى البعيد، والغيوم تثير شيئاً من الرهبة والعظمة وهي تبتلع الصمت المجروح بالذكرى. بدأت حركة المدينة تخف تدريجياً وخيط من العتمة كان يتسلل في الزقاق ممزوجاً بإضاءة المصابيح. اكتسى وجه السماء بشحوب غامض ولذيذ، لا أدري كم مرة ولدت وكم مرة عشت، وكم مرة تعثرت بانحناءات الزمن؟ كل الحوادث التي مـــرت أمامي اليوم رأيتها في ما مضى مرات عديدة.
ترى هل كنت منفياً من حلم إلى آخر؟ هل كنت مسافراً في عربات النجوم بنورها المتوثب خلف صباحات التاريخ؟ لا أدري وربما لن أدري أبداً. لقد مر بي هذا الشعور سابقاً لكن ليس بتلك الوحشية الجميلة. اليوم فقط شعرت بأني ولدت من جديد وأن الحياة في داخلي تزداد اتقاداً واشتعالاً.

-3-
يا صاحب الذكريات المبتورة والهوية المعدومة والمكان المتلاشي في فضاء الذاكرة، عندما تختلط دموعك بدخان سجائرك، وعندما ترفض روحك كل شيء زائف في هذا العالم، لن يروا منك إلا هيكلك الفارغ الممتلئ بضجيجهم الأسود، لن يروا منك إلا مراياهم المعتمة، لن تراك إلا فراشة ندية وقمر جريح وطائر وحيد هم بالرحيل وقت الغروب، لن يراك إلا ذلك الصدى، صدى الذكرى المقبلة، تلك الذكرى التي لم تولد بعد، وأنت أيضاً جواب لسؤال لم يولد بعد.
أيها الغريب الباحث عن الحقيقة عندما تتمرد وتحتج ولا يسمع صراخك سوى قلبك، عندما تبكي وتتألم ولا يشعر بوجودك سوى أنين الليل، عندما تتصارع حقائق الكون في صمتك الداخلي، ولا يشعر بانكسارك إلا الله، عندما تبكي شمس النهار على رحيلك وهي تذوب خلف التلال مخلفة وراءها ذكرى ضبابك وصمتك الجميل، وعندما يزهر صمتك وردة بيضاء في الأبدية؛ سأكتب إليك أيها الغريب، سأكتب إليك في عيد غيابك، سأكتب إليك من زمن القبح والرداءة، سأكتب إليك من عتمة عالمنا الكئيب، سأكتب إليك أيها المنسي خلف جدران الظلام.. سأكتب إليك… فأنت الأسطورة الموعودة بعد حين.

٭ كاتب عراقي

رسائل من سِفر الاغتراب

أوس حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية