العراق: المشهد الاخير من سقوط العملية السياسية
عوني القلمجيالعراق: المشهد الاخير من سقوط العملية السياسية الشعب الامريكي الذي يدفع المال والدم قد مل الانتظار . بهذه الكلمات الممزوجة بـ العين الحمرة خاطبت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس امراء الطوائف في اجتماعها معهم مؤخرا. فسارع الجعفري الي التنازل عن منصبه بعد مرور يوم واحد علي تصريحاته، التي قال فيها: بانه متمسك بترشيحه عن الائتلاف العراقي الموحد لمنصب رئيس الوزراء وانه لا يعترف بمبدأ التنازلات علي حساب الحالة الوطنية ، وتخلي الحكيم عنه وعقد اجتماعا طارئا لاختيار البديل، اما مقتدي الصدر فقد صمت ولم ينسحب، كما هدد وتوعد، من قائمة الائتلاف اذا تم عزل الجعفري او تنازل. وذهب وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسلفيد الي العراق، ولحقت به كوندوليزا رايس بعد ان قطعت زيارتها لاوروبا، ليرتبا تشكيل الحكومة علي وجه السرعة، وفق تصريحه: طلب منا الرئيس الامريكي ان نذهب للعراق لاظهار التأييد للحكومة الجديدة، والطلب بتشكيل مجلس وزراء جديد في اقرب وقت ممكن . وهذا ما يفسر تأكيد نوري المالكي قبل الزيارة بيوم واحد علي انه سيشكل الحكومة في غضــــون اسبوعين.انتهت اذن ما سميت بازمة الجعفري او ازمة تشكيل الحكومة الجديدة، ومهما قيل بشأنها فان المستفيد الاوحد من انهائها هو الرئيس الامريكي بوش، لانه في اشد الحاجة لبعث الروح في العملية السياسية، واستثمار النجاح الذي حققه باشراك القوي التي تدعي تمثيل السنة في هذه العملية، لتبدو الحكومة الجديدة حكومة وحدة وطنية . فليس غريبا والحالة هذه ان يروج بوش لهذه الحكومة ويكيل المديح لها ويبشر العراقيين بقدرتها علي انهاء معاناتهم، وتوفير الخدمات لهم وبناء الاقتصاد الوطني وعودة الحياة الطبيعية وتحقيق النظام الديمقراطي، ونشر الامن والاستقرار في ربوع العراق!!!. في حين مارس وزير دفاعه رامسفيلد اساليب الخداع حول رحيل قوات الاحتلال قريبا او خلال مدة اقصاها 18 شهرا لايمانه، علي حد قوله، بامكانية الحكومة علي ادارة شؤون العراق بنفسها. لكن الوقائع العنيدة تنبئنا عكس ذلك، فالعملية السياسية والحكومة التي نتجت عنها تعانيان من الاختناق والموت البطيء، لانهما قامتا علي نفس الاسس التي قامت عليها الحكومات السابقة والمتمثلة بالمحاصصة الطائفية وحكم المليشيات المسلحة، التي لم تجلب للعراق واهله سوي مزيد من الدمار والخراب. اذ أصبح الكردي جلال الطالباني رئيسا للعراق و الشيعي نوري المالكي رئيسا للوزراء و السني محمود المشهداني رئيسا لمجلس النواب، في حين يجري الحديث علنا هذه المرة عن تقاسم الوزارات بين امراء الطوائف، الامر الذي دعا بعض مؤيدي العملية السياسية والمنظرين لها والذين استفادوا منها نفوذا ومالا، الي الاحتجاج عليها، لا لوطنية فيهم وانما لخروجهم منها صفر اليدين. امثال عدنان الباجه جي واياد علاوي وصالح المطلك وحميد مجيد موسي وغيرهم.وبصرف النظر عن ماهية الحكومة القادمة وتشكيلتها وخططها والمهام الموكلة لها من قبل سلطة الاحتلال، فان مصيرها لن يكون افضل من سابقاتها، خاصة من حيث عدم قدرتها علي حل المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي، ومنها تحقيق الامن والاستقرار وتوفير الخدمات وتحسين الحالة المعيشية والصحية وغيرها. ذلك لان متزعمي الطوائف الذين يسيطرون علي البرلمان والحكومة، مشغولون بكل شيء ماعدا مصلحة المواطن العراقي. ومن جهة اخري فان حل مثل هذه المشاكل، يحتاج الي وجود دولة مركزية قوية مستقلة، تعتمد في بنائها علي اساس سيادة الوطن والمفاهيم الوطنية والشرعية، في حين ان ما يسمي بالدولة العراقية التي بناها بول بريمر الحاكم المدني السابق، بعد تحطيم الدولة العراقية وحل جيشها وتدمير جميع مؤسساتها، والقضاء علي بناها التحتية، استند الي المحاصصة الطائفية والعرقية ونظام الفدراليات وتحكم المليشيات المسلحة وغياب القانون الخ. اما مشكلة الاحتلال وانهائه التي تعتبر ام المشاكل بالنسبة للعراقيين، فستبقي من دون حل مادام بوش مصرا علي البقاء في العراق الي اجل غير مسمي، او علي الاقل، لحين تحقيق اهداف الاحتلال القريبة منها والبعيدة، بل ان هذه الحكومة ستكون حريصة علي بقاء قوات الاحتلال حتي لو فكر المحتل بالرحيل لاي سبب كان. بل ان البعض يعلن رغبته في هذا البقاء ويطالب المحتل بالبقاء كلما سرت اشاعة حول نية الامريكيين بالانسحاب. وليس في ذلك ما يدعو الي الاستغراب، حيث ان هؤلاء من امثال جلال الطالباني ومسعود البارزاني وعبد العزيز الحكيم، وهم التحالف الاقوي في البرلمان والحكومة، لايخفون رغبتهم في هذا الخصوص، لانهم ربطوا مصيرهم بمصير الاحتلال ولن يستطيعوا البقاء يوما واحدا اذا رحل المحتل هذا اذا لم يرحلوا قبله.من المشاكل الاخري التي ستواجه الحكومة الجديدة والبرلمان العتيد، امكانية حدوث انشقاقات داخلهما، فالنواب او القوائم التي اعتبرت نفسها مظلومة قد تعقد تحالفات فيما بينها، وتحاول الانتقام من الكتل النيابية التي استأثرت بالسلطة والغنائم، وتتخذ من القضايا الوطنية ستارا لها، كأن تطالب بانسحاب القوات الامريكية، او بوضع جدول زمني له، الامر الذي سترفضه الغالبية في البرلمان، مما سيعريها، اكثر من اي وقت مضي، امام الشعب العراقي، كقوي عميلة بامتياز للاحتلال. بعدها لن يعود بامكانها الادعاء بانها هي المقاومة الحقيقة التي تتخذ من العمل السياسي طريقا لانهاء الاحتلال، كما قال الجعفري في خطابه في مؤتمر الوفاق الوطني الذي عقد في القاهرة في نهاية العام المنصرم.هل يجوز لنا ان نتخيل بان الادارة الامريكية ستقف مكتوفة اليدين امام هذا الفشل المتوقع؟لا بد من الانتباه الشديد الي امكانات امريكا غير المحدودة في تجنب الصعاب، فالمعركة التي تخوضها في العراق ضد المقاومة الوطنية العراقية، هي معركة حياة او موت بالنسبة لمشروعها الكوني، خاصة وان فشل العملية السياسية سيفقد الامريكان اخر ورقة قوية يواجهون فيها المقاومة الوطنية العراقية، بعد ان عجزت قواتهم العسكرية عن انهائها او الحد من تصاعد عملياتها المسلحة. عندها ستلجأ الادارة الامريكية الي احياء شعار المصالحة الوطنية، الذي تعثر جراء انشغال متزعمي الطوائف بتشكيل الحكومة. ومما يؤكد ذلك الاعلان عن عقد مؤتمر المصالحة في عمان الشهر المقبل، حيث لا يستبعد التوصل الي نتائج تصب في خدمة سيرورة العملية السياسية، في حال انضمام قوي اخري اليه مثل هيئة علماء المسلمين والتيار الخالصي والتيار القومي، تحت ذريعة تجنب الفتن الطائفية والحروب الاهلية. ناهيك عن الضغوطات التي تمارسها انظمة الخليج العربي والجامعة العربية علي هذه القوي للدخول في العملية السياسية لاسباب لم تعد خافية علي احد.من جانب اخر ستعمل الادارة الامريكية، وربما قبل تشكيل الحكومة، علي ادخال قوي جديدة من خارج البرلمان الي العملية السياسية والحكومة الجديدة، لتجميل وجهها الطائفي القبيح. وكما سيعمد الاحتلال للحد من انفلات المليشيات التابعة لعبد العزيز الحكيم فيلق بدر، كما لا يستبعد ان تقدم واشنطن تنازلات لايران بخصوص ملفها النووي، مقابل الحد من تدخلها في العراق. خاصة في محاربة الطائفة السنية، بعد ان تبين لامريكا ان لا امل في اشعال حرب طائفية او اهلية في العراق. الامر الذي يسمح من جهة لقوات الاحتلال بتخفيف تواجدها في العراق والقيام بانسحابات جزئية الي خارج المدن للتقليل من خسائرها البشرية والمادية، وتصوير هذه الانسحابات الجزئية علي انها خطوة علي طريق الانسحاب الكامل، كما يفسح المجال من جهة اخري امام الحكومة لعقد اتفاقات ومعاهدات استعمارية تحت ذريعة المصالح المتبادلة. في هذا السياق تفهم الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع رامسفيلد، وانضمام وزيرة الخارجية اليه ولقائهما بنوري المالكي وجلال الطالباني والاعلان عن سحب بعض القوات الامريكية من العراق في نهاية هذا العام.المقاومة الوطنية العراقية ادركت هذه التحديات واعدت العدة لمواجهتها، وبدأت بالتحضير لشن عمليات واسعة النطاق ضد قوات الاحتلال، تمهيدا للانتقال الي حرب المدن وصولا الي تحرير العاصمة العراقية بغداد. في الوقت نفسه تعمل المقاومة علي توسيع اطار تحالفاتها السياسية التي شكل انبثاق الجبهة الوطنية والقومية والاسلامية نواتها الرئيسية، لكي يتسع الصراع مع قوات الاحتلال فيشمل الشعب العراقي بصفته شعبا موحدا في المواجهة. مواجهة ستؤدي حتما الي انهيار الحكومة ومؤسساتها السياسية وسقوط العملية السياسية برمتها. لكن هذه الانتصارات، ما تحقق منها وما سيتحقق، لا تعفي الاخرين من مسؤولية المشاركة في حرب التحرير. وفي هذا الصدد نعتقد بانه ان الاوان لان تدرك القوي التي لم تتورط بعد في العملية السياسية بشكل كامل، او القوي التي دخلتها ظنا منها بان هذا الطريق سيفضي الي رفد المقاومة الوطنية بسلاح اخر في معركتها ضد الاحتلال، او ان بامكانها انهاء الاحتلال عبر الوسائل السياسية، ـ ان تدرك بان هذا الطريق مسدود وانه علي العكس من ذلك سيفضي الي رفد قوات الاحتلال بالسلاح السياسي الذي تحتاجه. وان عليها، اذا كانت فعلا معادية للاحتلال، الانتقال الي معسكر المقاومة الوطنية العراقية للتعجيل في يوم التحرير. اذ لا يجوز او ليس من العدل والانصاف ان تترك المقاومة الوطنية تقاتل وحدها اكبر قوة عاتية في العالم.الادارة الامريكية الان مترنحة وتستجدي المساعدة والدعم حتي من اضعف خلق الله، الجامعة العربية، لارسال قوات عسكرية الي العراق. اما سمعتها وهيبتها فقد سقطت في عيون شعوب العالم، ووصل الامر بحلفائها الي الهروب من سفينتها الغارقة في العراق واحدا تلو الاخر. في حين ينظر العالم وشعوبه باعجاب واحترام شديدين الي المقاومة الوطنية العراقية وهي تتقدم نحو تحرير العراق، بل وتحرير كل الشعوب في العالم. 9