تحولت مدينة الرقة وقراها إلى مرمى لمختلف أنواع الأسلحة، فالصواريخ تنطلق من قرب عين عيسى، ومن الجلبية في الشمال الغربي للمدينة، والمدفعية تحوّل مرابضها كل يوم إلى مواقع أقرب فأقرب من المدينة ومن القرى المحيطة بها، والتي تعتبر ضواحي لها، كالمشلب وطريق حزيمة ومعمل الغاز، ويفر المزيد من الناس كل يوم من داخل بيوتهم ليبنوا خياما في الحقول المحيطة بالمدينة ليتجنبوا سقوط البيوت عليهم أو اصابتهم بالشظايا التي تنفجر كبراكين هائجة وتنشر الموت في دوائر أوسع.
وغربا في اتجاه السحل وأبو قبيع يتوقف القتال بين قوات قسد وتنظيم الدولة ليقوم بعض الأهالي بالتوسط والاتفاق على تفاصيل انسحاب ما تبقى من قوات تنظيم الدولة، المتفق عليه بين الجهتين، في اتجاه البادية السورية وطريق تدمر أو طريق دير الزور، فقوات تنظيم الدولة رغم صلابتها الظاهرة إلا أنها قادرة على الانسحاب والتراجع وترك المكان بأسرع مما يتصور الآخرون، بل حتى أسرع من تصورات مقاتليها، فهي قد انسحبت من تدمر عدة مرات، وانسحبت من عدة أحياء قرب دمشق، وركب مقاتلوها الباصات الخضراء، وجاؤوا إلى الرقة، وهاهم ينسحبون باتجاه دير الزور والبادية، وهم يتخلون عن أول مدينة احتلوها، وطالما كانت هذه المدينة محط تجارب لسن القوانين الداعشية، وطرق الذبح، وفيها استوديوهات التصوير التي صدّرت اشنع دراما في مجال الرعب، والتصفية الحية لصحافيين وأسرى لم يتم الاتفاق على ثمن الافراج عنهم، ففي جنوب المدينة وعلى ضفة النهر حيث يقع مبنى الأمن السياسي سابقا تم تصوير المشاهد المريعة لقتل الكساسبة الطيار الأردني الذي نجح إعلاميو تنظيم الدولة في جعل تصوير لحظاته الأخيرة حدثا سياسيا ودراميا يرتقي إلى المشاهد المرعبة التي صورها هيتشكوك. وقد بدأ القتل العكسي في هذه المعركة، فقبل يومين تم قتل مؤسس وكالة أعماق التي نشأت في الرقة، وهي إحدى أهم الأذرع الإعلامية للتنظيم حيث أنتقلت إلى الميادين السورية وتم قتل مؤسسها ريان مشعل هناك.
بالأمس حاول الشاب أحمد السليمان أن يهرب من المدينة قرب جسر الرومانية غرب المدينة، وهو يحمل طيور الزينة التي يربيها، لكن مفخخات تنظيم الدولة انفجرت به وبطيوره وقتلته، وقطعت رجل زوجته التي ترافقه. داعش زرعت الطرقات ومنعطفات الشوارع بالألغام والمفخخات مترصدة القوات القادمة، وكذلك مترصدة المواطنين الذين لا تكن لهم إلا الاحتقار منذ اليوم الأول لاحتلال هذه المدينة، فقوات تنظيم الدولة طردت سكان الرقة وضايقتهم في البداية من أجل ان تستبدلهم بالمهاجرين الذين كانوا يتدفقون إليها عبر الحدود التركية بالمئات كل يوم، وكانت القوات جادة بإخلاء المدينة من أهلها وإسكانها بالمهاجرين الجدد وعائلاتهم، وكانت تقبل على مضض تزويج مجاهديها بنساء من الرقة أو من اللاجئين إليها، رغم ريبة الردة التي تشمل كل من لا يبايع الدولة الداعشية، لكنها اليوم تتشبث بمن بقي من الناس، لتختبئ خلفهم ولتذبح من تراه مذنبا بمقاييسها وتصوره باستوديوهاتها الفائقة، من أجل أن تصنع من جثث ضحاياها مادة دعائية وإعلامية لها.
ومن العجائب الإلكترونية لقوات تنظيم الدولة أنها أجبرت أصحاب المحلات في أسواق الرقة على تغطية الشوارع بالقماش ( الشادر) لمنع التجسس على قادتها وهم يتسوقون، وذلك عبر كاميرات الأقمار الصناعية والطائرات بلا طيار التي تملأ سماء الرقة في أغلب الأحيان، لكن الخدعة الداعشية لم تنطل على الأقمار الصناعية، ولا منعت اغتيال القادة الذين يخرون صرعى واحدا بعد واحد، وآخرهم الشرعي الأول في التنظيم تركي بن مبارك البنعلي، قرب بلور النبهان في شارع الوادي والذي استهدفته الصواريخ بكل يسر ورغم الأقمشة والشوادر التي تم مدها على طول الأسواق وعلى حساب التجار والناس.
من الواضح أن قوات تنظيم الدولة اتفقت على الانسحاب من الرقة، وتركت بعض التفاصيل لقادة الدرجة الثالثة والرابعة لينظموا خروجهم، أو ليختفوا بعد حلق لحاهم بشفرات (الناسيت) التي يحرصون على اخفائها عن قادتهم منذ أن بدأت القرى والمدن تتهاوى وتتبرأ منهم ومن غلوهم، وقد أكد وزير الخارجية الروسي لافروف بنفسه وجود مثل هذا الاتفاق.
الرقة اليوم يتم تدمير المباني الحضرية فيها للتغطية على الاتفاقات المعقودة في الخفاء، علماً بأن أهالي المدينة ظلوا عقودا طويلة يطالبون السلطات بمستشفى هنا أو مدرسة هناك، او مركز ثقافي، أو مبنى إرشاد زراعي، اليوم يتم تدمير كل هذه المباني بلا رحمة، وقد تم تدمير كلية العلوم شرق الرقة قبل ثلاثة أيام علما بأن الوجاهات الأهلية ظلت تذهب إلى حافظ الأسد طوال ثلاثين سنة لبناء جامعة في الرقة، ورفض رفضا قاطعا، وكان مصرا على إبقاء الرقة مجالا لتندره بتخلفها، علما بأنه جاء من منطقة جبلية أكثر تخلفا وهو لم يحصل على تعليم عال رغم كل أوصاف العظمة التي تحيط به!
الرقة اليوم تحت قصف قاذفات الـ ب52 التي تم اختراعها في مشاريع الحروب العالمية بين الامريكان والسوفييت، ولكنها اليوم تدّمر مستشفيات ومباني وبيوت أهل الرقة بحجة تنظيم الدولة، رغم أنه اتفق على الانسحاب من الرقة، كما تؤكد كل المعطيات، وكذلك سير المعارك، وانهيارات خطوط تنظيم الدولة بشكل درامي، فالرحمة بأهلنا وبمدينتا يا طائرات الب52… الرحمة بالفرات وبأهله الطيبين!
كاتب سوري
إبراهيم العلوش