على ضوء هجمات بريطانيا: الإسلام بين التشدد والاعتدال والصح والخطأ

حجم الخط
4

خلال أسابيع قليلة، تعرضت أكبر مدينتين في بريطانيا لهجمات إجرامية بشعة، استهدفت المدنيين الأبرياء، أثناء ممارستهم لطقوس الحياة الاجتماعية الطبيعية.
تم تبني هذه الهجمات من قبل من يعرفون «بالإسلاميين»، وتحديدا تنظيم «داعش» الإرهابية.
لا أريد أن اخوض في أسباب هذه الهجمات، حتى لا أقع في فخ التبرير والإغراق في التحليل، الذي قد يخفف من وقع الجرائم المرتكبة، أو يضفي عليها نوعا من المقبولية والتفهم. ما يهمني هنا أن هذه الجرائم تُرتكب باسم الإسلام، الذي له تاريخ ممتد لمئات السنين، ويدين به مئات الملايين من الناس حول العالم، وفي كل القارات. هذا الدين الذي اشتق اسمه من السلام والرحمة، وارتبط بهما حصرا. مع إضافة أساسية بأنه دين يركز في دعوته على عالمية رسالته وشموليتها لكل المخلوقات على وجه الأرض، دون الدخول في الأسس العقائدية والتصنيفات التقليدية، التي تدفع الناس إلى التموضع في خنادق الاخوة والأصدقاء والاعداء. أود أن ألقي بعض الضوء على إشكالية فقهية، يجب الالتفات اليها وتمحيصها بشكل فكري، وهي المصطلحات الحديثة التي واكبت ظهور الإسلام السياسي، وأصبحت عنوانا بارزا لكثير من البحوث والنقاشات الدورية التي تتناول الإسلام والمسلمين، خصوصا في الغرب أو في المجتمعات الأوروبية على وجه التحديد.
يأتي مصطلحا الإسلام المتشدد والإسلام المعتدل، وكأنهما لازمتان لفظيتان لوصف وتمييز مسلم عن مسلم وفقيه عن فقيه، وربما اسلام عن اسلام. النقطة التي سأنطلق منها، هي يجب التمييز الحاد والجاد بين الإسلام والمسلمين. بمعنى ان كثيرا من الأشخاص الذين يسمون أنفسهم مسلمين، هم في حقيقة الامر لا يرتبطون بالإسلام ولا بمنهجه من قريب او بعيد، ولا يمارسونه كقانون يسير حياتهم ويحكم تصرفاتهم وعلاقتهم بالآخرين، وهذا ينطبق أيضا على كل الديانات الأخرى، خصوصا الديانات الإبراهيمية. فكثير من يدعي بانه يهودي او مسيحي وما هو كذلك. هذا التمييز سيخدمنا في كيفية التفاعل مع ما هو الإسلام، وما هو موقفه من المسلمين، أو الذين يحلو لهم ان يسموا أنفسهم كذلك بالمعني التقليدي الحصري. لا بد من الإشارة هنا إلى أن تعريف المسلم والإسلام قد يكون مختلفا تماما عما هو مفهوم تقليديا، وما هو معرف في الفقه الإسلامي التقليدي، الذي لا مجال للخوض فيه في هذه العجالة.
أما بالنسبة للإسلام، فاني أرى أن تصنيف الإسلام تحت مصطلحي الإسلام المعتدل والإسلام المتشدد، هو تصنيف فيه إجراء وانحراف عن المعنى الحقيقي والواسع والمرن للإسلام بالمفهوم الفكري. اعتقد أن الإسلام هو اسلام واحد، يتبنى الوسطية في كل شيء بدلالة الآية «وجعلناكم أمة وسطا».
والوسطية تناقض التشدد ولا تتماهى، من حيث المعنى، مع الاعتدال. ولهذا فانه من الاصح أن نقرر بان التركيز ينبغي على تحديد فهم، أو كيفية فهم الإسلام، بأنه فهم صحيح او خاطئ، وليس معتدل او متشدد. بات من الضرورة، الفكرية، والشرعية والفقهية والإنسانية، ان يقف كل المسلمين الذين يؤمنون بالمبادئ الإسلامية، ومن ورائهم كل المفكرين والأكاديميين، الذين يعنيهم شأن الإسلام وصورته ومستقبل اتباعه أن يقرروا بأن فهم الإسلام، إما ان يكون صحيحا وإما ان يكون خاطئا، وليس متشددا أو معتدلا. فقتل الناس الأبرياء أيا كانوا بعشوائية، ودون تمييز هو فهم خاطئ للإسلام وافكاره ومبادئه، ولا ينبغي على أي من العلماء او المفكرين او حتى المسلمين العاديين، ان يبرروا ذلك بان القتلة يتبنون الإسلام المتشدد.
إذا اتفقنا بأن القتل من هذا النوع، هو فهم خاطئ للإسلام ومبادئه، فان القتلة مجرمون وينتمون الى عصابات إجرامية وليس الى جماعات إسلامية متشددة. يجب ان يبدأ العمل على نزع صفة الإسلامية عن مثل هذه المجموعات والأفكار، لكونها أصبحت امراضا قد يستعصي علاجها في المستقبل، إذا تركت تتمدد في المجتمع الانساني بشكل عام، وفي المجتمعات الإسلامية بشكل خاص. يجب ان تكون هناك مراجعات فكرية جادة، تعيد قراءة النصوص على ضوء الواقع العملي، لبناء تفسير واحد وموحد للنص الديني عموما، والقرآني خصوصا، وبما يتلاءم مع حاجة المجتمع الإنساني وتعقيداته. وعلى ضوء ذلك، يجب ان تتم محاربة فكرة وجود تفسيرين للنص، متشدد ومعتدل، الا إذا كان في موضوع العبادات الفردية حصرا، وليس في ما يتعلق بحياة الفرد داخل المجتمع وعلاقته بالآخرين من الدين نفسه، أو من غيره من اتباع الديانات الأخرى، والمؤمنين وغير المؤمنين.
إن حالة الارتخاء الفكري في المجتمعات الاسلامية، أحدثت فراغا قاتلا سمح لدعاة الأفكار الاجرامية ان يتوغلوا في أوساط المسلمين، ويجعلوا منهم اتباعا حصريين للأفكار المعادية للإنسانية باسم دين، أهم ما يميزه هو عالمية أفكاره وانسانيتها. ثورة فكرية وتربوية بحاجة الى تصفية «فلترة» الموروث التاريخي التربوي، الذي يعادي المبادئ الحقيقية للإسلام، قبل ان يعادي أي شيء آخر. يجب ان يمتلك المفكرون المسلمون الجرأة والمبادرة لمراجعات حاسمة لكل النصوص المعادية للآخر، التي تجد لها مكانا وحضنا دافئا لتترعرع في ضمائر كثير من المسلمين، وتنتج أفكارا إجرامية تجد طريقها في التنفيذ العملي على شكل جرائم وحشية لا تمثل شيئا من الإسلام ولا أفكاره السمحة.
المراجعات الفكرية الحقيقية تبدأ عندما نعترف كمسلمين بأن لدينا مشكلة حقيقية، وهذه المشكلة ستصبح اكثر تعقيدا، كلما عشنا أو اصررنا على العيش في ظل الانكار الذاتي، الذي يحيل المشكلة الى عناصر ومكونات أخرى مرتبطة باسلام متشدد ومعتدل، وتفسير متنطع او اقل تنطعا. الاعتراف بان هناك انحرافا مدمرا «بالفكر الإسلامي» واتجاهاته، سيكون بداية موفقة لوضع الحلول قبل ان يتسع الرتق على الراتق. وحتى أكون واضحا، فانني لا أدعو الى مراجعة القواعد الايمانية العقدية التي تخص الانسان كفرد، وانما يجب التركيز على الإسلام كقانون يحدد شكل العلاقة مع البيئة الإنسانية المحيطة، وما يتبع ذلك من تأثيرات على شكل العلاقة، وطبيعة التركيبة الاجتماعية والتربوية التي يتفاعل معها المسلمون في كل مناحي حياتهم التفاعلية كقانون العائلة، والمعاملات الاجتماعية الأخرى.
وكخلاصة مختصرة، الفكر الإسلامي يجب ان يحاكم لكونه فكرا اجتماعيا إيجابيا منتجا، يتفاعل مع المكونات الاجتماعية الأخرى بكل إيجابية، دون التطرق الى نحن وهم، وأما ان يكون فكرا منحرفا سلبيا يخضع المجتمع الإنساني الى التصنيفات الحصرية البالية بين دار الحرب ودار الإسلام، وهي الكارثة الكبرى. الفكر التكفيري، يتسلل، بكل اسف، في طرق التربية العائلية ومناهجها العشوائية التي ندفع وسندفع ثمنها غاليا، في ميزان الفكر والحضارة الإنسانية. المسلمون هم الوحيدون المسؤولون عن أي هبوط فكري يعانيه الإسلام، وهم الوحيدون المسؤولون عن المراجعات الحقيقية التي تعيد الحياة للفكر الإسلامي الإيجابي دون الالتجاء الى لوم الاخر، أيا كان هذا الاخر واينما وجد.
اعرف ان النقاش بحاجة الى جهد فكري عميق، وهذا له مكان اخر لا مجال للخوص فيه على شكل مقال صحافي مختصر. حاولت جاهدا ان ابدأ نقاشا فيه، بعض الأفكار المفتاحية، التي ربما تساعد على تفكيك بعض العقد الملتبسة، بشكل يشرع الأبواب لمزيد من النقاش الثري والمنتج. هذه الإنتاجية يجب ان تكون من خلال نظرة إيجابية بعيدة كل البعد عن التسطيح والحكم المسبق، المبني على الموروث التقليدي في تحليل الأمور بطريقة فكرية ناقدة، تمهد لما بعدها بكل ما هو مفيد للإنسانية ومجتمعاتها المختلفة على هذه الأرض.
كاتب فلسطيني

على ضوء هجمات بريطانيا: الإسلام بين التشدد والاعتدال والصح والخطأ

د. نهاد خنفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية