بتسبورغ ليست باريس

حجم الخط
0

تعبير عن الاشمئزاز، لا يوجد وصف آخر لتعابير وجه انغيلا ميركل عندما تحدثت عن العلاقة مع دونالد ترامب. في الجولة الاولى لهما في البيت الأبيض تعامل ببهيمية ورفض مصافحتها. وفي الجولة الثانية في قمة «جي 7» قالت المستشارة بصوت مرتفع ما كان واضحا: اوروبا لا يمكنها الاعتماد اكثر على الولايات المتحدة لترامب، وبريطانيا التي ستغادر. نحن الاوروبيون يجب علينا أخذ مصيرنا بأيدينا، أعلنت.
قرار ترامب التدميري للانسحاب من اتفاق المناخ (اتفاق باريس) زاد تعميق الشرخ. مارتن شولتس، رئيس الاشتراكية الديمقراطية في المانيا، هو خصم ميركل السياسي، لكنهما يتفقان حول موضوع ترامب. وشولتس كالعادة لا يختار كلماته: ترامب يقوم بتدمير القيم الغربية بطريقة لم نشهد مثلها ـ تدمير استراتيجي للقيم الاوروبية حول تقبل الآخر، الاحترام والتعاون».
هذه ليست فقط قصة المانية. هجوم ترامب على الناتو وتشجيعه المتحمس للخروج من الاتحاد وتشجيعه لليمين المتطرف في فرنسا، وضعا اوروبا على مسار التصادم مع الترامبية. «بتسبورغ ليست باريس»، أعلن ترامب في خطاب مليء بالاكاذيب وبشر فيه بلاده بأنه يريد اخراجها من اتفاق باريس من اجل «بتسبورغ» الأمريكية بروح شعاره «أمريكا أولا».
الرئيس الفرنسي الجديد، عمانوئيل مكرون، الذي خرج ضده بوتين وترامب وأيدا مارين لوبين اللاسامية، رد بتوجه مباشر، غير مسبوق، للعلماء في الولايات المتحدة ولكل خائبي الأمل من ترامب: «يمكنكم أن تجدوا في فرنسا وطنا ثانيا. تعالوا وسنعمل معا هنا». تعبير «وطن ثان» هو صدى لاقوال رئيس أمريكي كبير وحكيم، هو توماس جيفرسون، الذي قال إن «وطن كل شخص هو بلاده، والوطن الثاني هو فرنسا» ـ هذه فرنسا الحرية والتنور، «وطن حقوق الانسان». اجيال من الأمريكيين والفرنسيين تربوا على ارث جيفرسون، السفير المثولوجي في باريس، وعلى التحالف بين واشنطن وباريس الذي رغم الاحتكاكات على مدى مئات السنين، بقي تحالف عميق جدا.
ذروة العملية حدثت على انقاض الحرب العالمية الثانية. الولايات المتحدة المنتصرة منحت المظلة الامنية، وكذلك التمويل لمبنى اوروبي جديد، نواته المانيا وفرنسا الديمقراطية، كانت بريطانيا متحفظة لسنوات طويلة، لكن اوروبا عرفت حقبة من السلام والازدهار غير المسبوق في تاريخها. هذه النواة ازدهرت واصبحت شجرة فاخرة على شكل الاتحاد الاوروبي بين 28 دولة.
في اساس العلاقة العميقة بين اوروبا والولايات المتحدة توجد قيم ديمقراطية مشتركة، «قيم الغرب». وعندما تشعر اوروبا بأن ترامب يضعضع هذه القيم، ومن الطرف الثاني، من الشرق، يهاجم الدب الروسي، تكون مضطرة للخروج في طريق جديدة. «مضطرة» لأنها تفعل ذلك بسبب عدم وجود خيار آخر. كان من المريح لها على مدى السنين اعطاء الولايات المتحدة فرصة الدفاع عن القارة ودفع ثمن ذلك. وهذا كان مناسبا للولايات المتحدة خلافا لاقوال ترامب.
اذا أمسكت اوروبا بالخيوط، التي هي عملاق اقتصادي وسياسي، فستحتاج إلى اقامة ذراع عسكري حقيقي والى بلورة جهاز سياسي ناجع، وستكون بحاجة إلى التغلب على الخلافات بين عشرات الدول، وهذا صعب. ولكن هذه ستكون المرة الاولى التي ستعلن فيها اوروبا عن شيء من الاستقلال، في حين تقف الولايات المتحدة وبريطانيا جانبا، أما اوروبا فستجد مكانها الصحيح كقائدة للعالم الحر. إن من يؤيدون الحرية والتقدم يجب عليهم تأييدها، ونحن ايضا إذا كنا ما زلنا نعتبر أنفسنا هكذا.

هآرتس 6/6/2017

بتسبورغ ليست باريس
لأول مرة في التاريخ قد تجد اوروبا نفسها حرة ومستقلة بعيدا عن الولايات المتحدة وبريطانيا
نيتسان هوروفيتس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية