فؤاد زكريا ناقدا ومولعا بفلسفة فريدريك نيتشه: في الاحتفال بأعنف الفلاسفة نقدا للعقل

حجم الخط
0

منتصر حمادة

ما الذي نأخذه عن نيتشه اليوم؟ يجيب المفكر المصري فؤاد زكريا أننا نأخذ عنه قبل كل شيء، نزعته الي اللامعقول، والي الفردية المطلقة. فالأمران مرتبطان. ولهذا السبب فان وقع كلمات نيتشه يبدو اليوم غريبا علي آذاننا لأن نغمته الأساسية هي التي تدعو الي اللامعقول، والي الفرد المطلق، ولهذا السبب أيضا، لا يحمل الصراع الثقافي والأخلاقي والفني في عصرنا الحالي شيئا من آثار تنبؤات نيتشه، وانما يسلك طرقا لم يكن في مقدوره أن يتنبأ بها علي الاطلاق ولهذا السبب، أخيرا ومفارقة في آن، سنظل نذكر له دائما صيحة الاحتجاج الأولي التي لا بد أن يبدأ بها كل تطور عقلي سليم.

جاء جواب المفكر المصري في تمهيد كتابه الذي يحمل عنوان نيتشه، (الصادر عن منشورات العباسية. مطبعة فضالة. المحمدية. الطبعة الأولي. 2005، 179 من الحجم المتوسط) مضيفا في نفس التمهيد أن العالم خلال السنين الأخيرة، ازداد تباعدا عن تفكير نيتشه وعن كثير مما يمثله تفكير نيتشه، وازداد وقع القضايا التي أثارها هذا الفيلسوف المنعزل غرابة علي الآذان. وعلي الرغم من روح التشاؤم التي نستشفها في هكذا تقييم، لا يتردد فؤاد زكريا في الجزم بأن نيتشه الذي ظل مفكرا حيا حتي أواسط القرن الماضي، يتحول الآن تدريجيا، وبحركة بطيئة قد لا يشعر بها الكثيرون، الي فيلسوف تاريخي، كيف لا يكون فيلسوفا تاريخيا وقد كان مفكرا حضاريا، بمعني أن رسالته في الحياة لم تكن رسالة فيلسوف صاحب مذهب نظـــري، وانما كانت أساسا رســــالة ناقدة للحضارة التي يعيشها؟ ولو أن هذا النقد اتخذ طابعا لاعقلانيا في أحيان كثيرة، كما عرف عن نيتشه، وما يشفع لهذا الأخير، حسب تبرير المؤلف، كون فلسفة أو عقل نيتشه أصبحت حينها وسيلة تعين علي تقدم الانسان لا عائقا يقف في وجه هذا التقدم، ولذلك لا يعود ثمة مبرر للحملة علي العقل وللعودة الي مبدأ اللامعقول، بل تغدو مثل هذه الحملة مظهرا من مظاهر التأخر الفكري، مطالبا المتلقي بأن يتفهم ثقل المقدمات التي تجعلنا ندرك أن نزعة نيتشه اللاعقلية كانت ضرورية بالنسبة الي عصره، أما بالنسبة الي عصرنا الحالي، فلا بد أن نقابل مثل هذه الحملة بالنقد.

يتفرع الكتاب علي ثلاثة أبواب، جاء الأول تحت عنوان حياة نيتشه، ويضم الفصول التالية: الفكر والحياة و وقائع حياته و نيتشه وفاجنر، أما الباب الثاني المعنون بـ فلسفة نيتشه، فقد ضم الفصول التالية: نيتشه الفيلسوف و انقلاب القيم و المعرفة والحياة و الأخلاق و فلسفة نيتشه الاجتماعية و الدين والعود الأبدي. وبالنسبة للباب الثالث والأخير فقد احتوي علي نصوص مختارة من أعمال الفيلسوف وهي أصل المعرفة و الي دعاة انكار الذات و أخلاق السادة وأخلاق العبيد و العلاء علي الذات و وسيلة السلام الحقيقي و المسجونون.

فيما يتعلق بالمهمة الكبري الملقاة علي دارس نيتشه في عصرنا الحالي، فلا تكمن عند المؤلف في طرح التساؤل: هل كان نيتشه فيلسوفا عقليا فرديا متناقضا مع نفسه؟ وانما أن نتساءل: هل كان نيتشه فيلسوفا لا عقليا وفرديا ومتناقضا مع نفسه؟ واذا توصلنا الي مثل هذا التعليل، فعندئذ، تكون المشكلة كلها قد حلت.

من الأسئلة التي قد تبدو استفزازية عند متتبعي أو مريدي أعمال منظر أطروحة السوبر مان، استفسار المؤلف عن أحقية وصف نيتشه بأنه كان فيلسوفا بالمعني المألوف لهذه الكلمة؟ وفي معرض الرد علي هذا التساؤل، يقف زكريا عند سؤال المذهب الذي يميز الفلاسفة، علي اعتبار أن الفيلسوف عادة ما يأتي بمذهب شامل أو ما يعتقد أنه كذلك. والحال أن اعتبار نيتشه بأنه صاحب مذهب، يلقي معارضة شديدة من جانب نيتشه، ومن معظم من كتبوا عنه. ومن أجل تزكية هذا التقييم، يعقد المؤلف مقارنات عدة بين فلسفة نيتشه وبين مختلف المذاهب التي قد تقترب منه، ومنها الواقعية (اذا كانت الواقعية تقترب من تفكير نيتشه في ميدان الأخلاق، فقد كانت بعيدة عنه كل البعد في ميدان المعرفة) والوضعية (لا يمكن لتفكير نيتشه أن تستوعبه كلمة الوضعية، اذ أن النزعة الصوفية الواضحة فيه تتجاوز نطاق الوضعية تماما، وهذا بالرغم من تأثره بالتقدم العلمي) والبرغماتية (تطرف كثير من فلاسفة البراغماتية في النزعة اللاعقلية، الي حد مهاجمة العلم واتخاذ منهج غير علمي تماما، وفي هذا ما يباعد بينهم وبين نيتشه الذي ظل علي احترامه للعلم الي النهاية) والوجودية (انتساب نيتشه الي الوجودية أمر لا يمكن التسليم به من جميع الوجوه، وان كان المؤلف يقر في موقع آخر من الكتاب بأن الارتباط بين حياة نيتشه وبين تفكيره، يقرب بينه وبين كثير من الوجوديين، دون اسقاط فكرة أساسية أخري يمكن أن نتوسل بها في التقريب بين نيتشه وبين الوجوديين، ونقصد بالطبع فكرة موت الاله )، ليخلص زكريا الي أن تفكير نيتشه وان كان يقترب من بعض المذاهب الفلسفية المعروفة، فانه لا يخضع لواحد من هذه المذاهب خضوعا تاما.

ومن المفارقات التي يثيرها المؤلف عن نيتشه، أن هذا المفكر/الفيلسوف، والذي كان يسخر من كل فيلسوف تجريدي، كان بدوره تجريديا هو الآخر، وتفكيره انما هو وجه من أوجه نشاط عقله الخالص، بدليل أن تجاربه الحية هزيلة، وكون حياته كلها كانت تدور حول محور الفكر، الذي هو أساسها، وهو الذي يعطيها معناها، وماذا يكون الانسان النظري، ان لم يكن انسانا تتلون حياته بلون مشاكله العقلية، وتدور كلها حول مركز واحد، هو الفكر المنفصل عن الواقع!

شيء واحد اتفق عليه كل من كتبوا عن نيتشه، وأكده هو ذاته في كتاباته، وهو أن فلسفته قد امتزجت بحياته وأصبحت تكون قطعة منها، وأنه يتفلسف بكيانه كله، وبوجوده الكامل، ولا يتفلسف نظريا، أو يفكر في مشاكل تجريدية جامدة فقدت صلتها بالحياة، ولهذا السبب ربما، كان نيتشه يمثل نوعا فريدا من الفلاسفة. وسوف نقف تحديدا عند نموذج عملي يبرز مدي انعكاس الحياة الشخصية لهذا الفيلسوف علي فكره، ونخص بالذكر تعامله مع المرأة، حيث يلخص نيتشه رأيه في النصف الآخر بكلمته المشهورة: أذاهب أنت الي المرأة؟ لا تنس اذن سوطك! وقد تبين عند قراء هذا الفيلسوف أن فشله في علاقاته النسائية كان من أسباب قسوة حملته علي المرأة. فهو يؤمن بأن المرأة بطبيعتها مخلوق ناقص، وفيها من العيوب الكامنة ما يحتم علينا ألا نعهد اليها بأي عمل جدي. بل يري بأن طبيعة المرأة ذاتها عقبة ضد حركة تحرير المرأة، اذ أنها محافظة بطبيعتها، تحترم السلطة السائدة، والأفكار التي يقرها المجتمع، ولا يمكنها أن تتحدي هذه السلطة أو تخرج عن هذه الأفكار.

قبل التوقف عند بعض الملاحظات النقدية علي مبحث المؤلف، حري بنا العروج علي تنديد فؤاد زكريا بالاستغلال السيء لجنون نيتشه، حيث ذهبت بعض الكتابات الي أن مؤلفاته كلها تتسم بطابع الجنون، وأن اللوثة العقلية تظهر فيها كلها ـ بدرجات مختلفة ـ منذ البداية. ولو لم تكن حياته قد انتهت علي هذا النحو، أي لو كانت قد انتهت مثلا بحادثة وقعت له في عام 1888، لما خطر هذا الاتهام علي هذا النحو.

يعلم أغلب المشتغلين في الحقول الفلسفية والمعرفية اجمالا بأن المؤلف اشتغل معظم سنوات عمره في تدريس الفلسفة في الجامعات المصرية والكويتية. وتولي منصب مستشار تحرير سلسلة عالم المعرفة الكويتية. ونعلم أيضا أن أفكاره تتسم بجرأة شديدة في الطرح، حتي أنه يعتبر أحد مؤسسي المدرسة الفكرية التي تتبني منطق الفصل بين الدين والدولة. وفوق هذا وذاك، فللرجل اسهامات فكرية عديدة أبرزها كتاب التفكير العلمي، و نظرية المعرفة، و آفاق الفلسفة، و خطاب الي العقل العربي، و مقامرة التاريخ الكبري، و العرب والنموذج الأمريكي.

ولأن كتاب نيتشه صدر للمرة الأولي سنة 1956، (قبل أن يصدر للمرة الثانية سنة 1966، ونشر من جديد سنة 1985، وهاهو ينشر اليوم في طبعة 2005 في الرباط) فقد كان طبيعيا أن نجد ضمن لائحة المراجع العربية المعتمدة (اضافة علي 36 من المراجع الأجنبية) كلا من مبحث الراحل عبد الرحمن بدوي حول نيتشه (وصدر في عام 1945) ومبحث الصراع في الوجود لبولس سلامة (صدر في عام 1954). ولكن، أن نقرأ في مقدمة طبعة ثانية وثالثة دون اضافة أي تعديلات أو تنقيحات، فهذا أمر يبعث علي الدهشة بحق. وقد سبق للمفكر المغربي سالم يفوت أن لاحظ بأن ما يغيب عن فؤاد زكريا كونه لا يأبه للتأويلات الجديدة التي أعطيت والتي ما زالت تقترح حول فلسفة نيتشه، بل يسقط في وهم امكانية العثور علي فهم صحيح وشخصي لفلسفة هذا المفكر. (سالم يفوت. الفلسفة العربية والدرس الفلسفي الغربي: فؤاد زكريا نموذجا. الوحدة. العدد 60. ايلول/سبتمبر 1989). في قراءته النقدية لكتاب حكاية الحداثة في السعودية لعبد الله الغذامي، يؤاخذ أبو بكر باقادر علي الغذامي عدم توقفه عند الكتابات النقدية للخطاب النقدي الحداثي، من قبيل ما صدر عن عبد الوهاب المسيري وعبد العزيز حمودة وغيرهم، وكلها دراسات كانت تشير ـ بيت القصيد ـ الي نقد ومراجعات كانت سائدة في الغرب وقت احتدام النقد، وكان المفترض ـ والكلام موجه للغذامي دائما ـ تقديم نظريات الحداثة عندنا ليس علي أنها تحظي بقبولية ومصداقية وأنها المدرسة الأكثر شيوعا في الغرب، لأنه ببساطة لم يكن الأمر كذلك وانما كانت وببساطة واحدة من تيارات جدلية عديدة، فلماذا يكون لمصدر المدرسة الحداثية الحق في تيارات وفي المكان المستورد لها ضرورة القبول بدون مقاومة أو حتي رفض! (أبو بكر باقادر. حكاية الحداثة في السعودية. علامات. جدة. ج 55. م 14 اذار/مارس 2005)كلام نقدي قيل في حق ملف ما زال حديث النشأة، وكتاب أحدث في الاصدار، فكيف يكون الحال مع فيلسوف توفي في أواخر القرن التاسع عشر، وحررت حول أعماله المئات من المؤلفات المرجعية في ربوع العالم بأسره، ومع ذلك، يصر فؤاد زكريا علي عدم الأخذ بعين الاعتبار حجم المراجعات والقراءات المغايرة التي تصدر هنا وهناك حول فكر هذا الفيلسوف المثير، اللهم ان كان الهاجس الفكراني (الايديولوجي) أقوي من الهاجس العلمي الصارم، أو أن كنه الرؤي الواردة في ضيف هذا العرض، تنتمي الي ما يسمي بـ بادئ الرأي تكرس مواقف جاهزة وتكرس وعيا سائدا دون محاولة خلق وعي متجدد، بتعبير سالم يفوت هذه المرة.

كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية