إيران والشرق في عين العاصفة من جديد
د. بشير موسي نافعإيران والشرق في عين العاصفة من جديد ثمة دلالتان هامتان حملهما الإعلان الإيراني عن النجاح في عملية تخصيب اليورانيوم. الأولي، ان إيران قد اكتسبت بالفعل الخبرة العلمية الضرورية للتخصيب، والثانية، ان هذه العملية أنجزت بتشغيل 164 جهاز طرد مركزي. الخبرة العلمية المكتسبة لا يمكن اقتلاعها، حتي إن تعرضت إيران لقصف شامل ومدمر، أو استخدم السلاح النووي في هذا القصف. الخبرة العلمية لا تلغي من عقول البشر بتدمير المنشآت والمعامل. أما الإعلان عن تشغيل عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي فيحمل دلالات من نوع آخر. ولفهم هذه الدلالات لا بد من الإشارة إلي الجانب العلمي لعملية التخصيب. إذ ان عدد الأجهزة التي ستنجح إيران في الحصول عليها وتشغيلها، سيـــكون عـاملاً هاماً، بين عوامل قليلة أخري، ستحدد ما إن كانت إيران والولايات المتحدة تسيران نحو المواجهة.يتواجد اليورانيوم القابل للانشطار، والذي يمكن استخدامه في المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء (مثلاً)، أو لصناعة القنبلة النووية، بنسبة ضئيلة جداً في خام اليورانيوم المستخلص من الطبيعة. وللحصول علي هذا الصنف من اليورانيوم لابد من فصله عن الصنف الآخر الذي يشكل النسبة الأكبر من اليورانيوم الخام. هناك بالطبع أكثر من طريقة للفصل، وهي العملية التي تسمي بالتخصيب، ويبدو ان الإيرانيين قد اعتمدوا التخصيب باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتصلة. عدد الأجهزة الذي أعلن الإيرانيون عن تشغيله حتي الآن يكفي للحصول علي نسبة تخصيب لا تزيد عن ثلاثة ونصف بالمئة، وهي النسبة الكافية لاستخدام اليورانيوم في مفاعلات توليد الكهرباء ولأهداف سلمية أخري. أما إن كان الهدف صناعة قنبلة نووية فلا بد ان تصل نسبة التخصيب إلي حوالي التسعين بالمائة، وهو ما يتطلب عدداً أكبر من أجهزة الطرد المركزي، قد يصل إلي الألف جهاز. بـ 164 جهاز لن يحصل الإيرانيون علي كمية كافية لصناعة القنبلة النووية قبل عشرين عاماً، وهو مسار غير عملي بالتأكيد مما يرجح صدقية الإعلان الإيراني الأولي حول الأهداف السلمية للمشروع. ولعل هذا ما دفع الناطق باسم البيت الأبيض إلي التعليق علي الإعلان الإيراني بنجاح عملية التخصيب بأنه لا يشكل مصدراً لزيادة القلق في واشنطن. ما يمكن ان يرفع من مستوي القلق الأمريكي والإسرائيلي هو توفر دليل قاطع علي وجود مئات أخري من أجهزة الطرد المركزي في حوزة الإيرانيين، تشغل بالفعل أو يمكن تشغيلها بكفاءة للدفع بعملية التخصيب إلي نسب أعلي.مثل هذا الدليل قدمه تقرير رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية السيد البرادعي لمجلس الأمن في الأسبوع الماضي. فقد أشار البرادعي في تقريره إلي ان هناك تحضيرات إيرانية لتشغيل 328 جهاز طرد مركزي إضافية، وهو ما يوحي بأن إيران تمتلك عدداً من الأجهزة أكبر بكثير مما كان يظن. كم هو عدد اجهزة الطرد المركزي التي تمتلكها إيران، وما هو مستوي كفاءة هذه الأجهزة؟ لا أحد يعلم علي وجه اليقين. ولكن البرادعي أشار أيضاً في تقريره إلي غموض العلاقة بين ما هو مدني وما هو عسكري في البرنامج الإيراني، حتي فيما يتعلق بالوضع الحالي للبرنامج. حق إيران في تطوير برنامج نووي للاستخدام السلمي هو حق تكفله الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وليس للمجتمع الدولي في هذه الحالة إلا طلب تنظيم وتسهيل إجراءات رقابة طويلة الأجل للمشروع الإيراني. أما إن انتقل القرار الإيراني إلي إنتاج سلاح نووي، فليس علي طهران سوي الانسحاب من الالتزامات المترتبة علي الاتفاقات والمعاهدات التي وقعتها في هذا الشأن. هذا هو الأمر ببساطة في الأحوال العادية، فالسلاح النووي الإيراني لا يمكن ان يشكل خطراً علي الولايات المتحدة أو علي مصالحها في المنطقة، طالما ان الولايات المتحدة تستطيع في حال استخدمت إيران السلاح النووي محو المدن الإيرانية جميعها عن وجه الأرض. امتلاك السلاح النووي سيكون مجرد أداة ردع نهائية في حال تعرضت إيران نفسها لعدوان صارخ وكبير وغير متكافئ. ولكن الظروف المحيطة بإيران ليست ظروفاً عادية علي أي وجه من الوجوه، ليس فقط لأن إيران تقع وسط بحيرة النفط الأهم في الكرة الأرضية، أو أنها أحد أكبر بلدان المشرق العربي ـ الإسلامي، المنطقة الأكثر اضطراباً في العالم كله، إنما أيضاً لوجود الدولة العبرية في الجوار. وهذه هي عقدة العقد في نظام (أو عدم وجود نظام) العلاقات السائدة في المشرق.يشكل المشروع النووي الإيراني تهديداً للدولة العبرية، بمعني ان امتلاك إيران للسلاح النووي يمنحها إمكانية الردع، يكسر الاحتكار الإسرائيلي لهذا السلاح، ويشجع دولاً أخري في المنطقة علي اتباع النهج الإيراني. وإن وضعنا في الاعتبار التماهي المتزايد منذ بداية التسعينات بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية، فلنا ان نتصور مستوي التصعيد الذي تعيشه المنطقة. المنطقة وليس إيران فقط. فسواء أرادت القوي الكبري أم لم ترد، وسواء رغبت الأنظمة الحاكمة في هذا المجال الممتد من كابل إلي القاهرة ومن أنقرة إلي صنعاء أم لم ترغب، فإن انفجاراً في طهران لابد ان يسمع صداه في أغلب العواصم المجاورة. هذا بدون أخذ الوضع العــراقي في الاعتبـــار، أما والعراق علي ما هو عليه فســرعان ما سيـــتحول الانفجار إلي عاصفة من الدمار.تقوم الحسابات الأمريكية علي ان الوضع الحالي لا يستدعي ضربة عاجلة لإيران، فلا الرأي العام الأمريكي ولا الرأي العام العالمي علي استعداد لتقبل إشعال نار جديدة في الشرق الأوسط بعد مغامرة العراق الفاشلة. كما ان الوجود الأمريكي العسكري في العراق علي درجة من الانتشار بحيث يسهل استهدافه، إن قررت طهران الرد في الساحة العراقية. وبالنظر إلي ان الأمريكيين يواجهون بالفعل مقاومة عراقية صلبة في بغداد والمناطق العربية السنية، فإن إضافة قوة جديدة إلي قوي المقاومة الحالية، مدعومة من دولة إقليمية رئيسية، سيضع القوات الأمريكية في موضع بالغ الصعوبة ويثير الرأي العام الامريكي علي قيادته. من ناحية أخري، تواجه الدولة العبرية مخاطر مضاعفة بفعل نتائج الانتخابات الفلسطينية، وفشل المتغيرات اللبنانية في تجريد حزب الله من سلاحه. إضافة إلي ذلك كله، فإن الارتفاع الهائل في أسعار النفط خلال الشهور القليلة الماضية دفع الاقتصاد العالمي إلي حافة الهاوية، وقد تؤدي أزمة جديدة في الشرق الأوسط إلي المزيد من ارتفاع الأسعار وإلي تخبط اقتصادي عالمي واسع النطاق، تحمل السياسة الأمريكية مسؤوليته.الخيار الأمريكي الحالي يميل علي الأرجح إلي الانتظار ومحاولة استغلال عامل الزمن لتحقيق مجموعة أهداف: التوكيد علي التهديد البالغ الذي تمثله إيران للمصالح الأمريكية، وتقديم إيران للرأي العام الأمريكي والعالمي باعتبارها الطرف المتعنت، الرافض كل جهود التوصل إلي حل دبلوماسي لمسألة النشاط النووي، إقناع الحلفاء الأوروبيين بالتبني الكامل للسياسة الأمريكية، وإقناع روسيا والصين بعدم معارضة هذه السياسة، كسب تأييد عربي واسع لخطة توجيه ضربة عسكرية لإيران، التعامل مع تعقيدات الوضع الفلسطيني الناجمة عن تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية، وإضعاف حزب الله بإحكام حالة من الحصار اللبناني حوله. والأهم من ذلك، بالطبع، ترتيب الوضع العراقي الداخلي بحيث يسمح بانسحاب أمريكي جزئي، يساعد علي تخفيف حالة انتشار القوات الأمريكية بدون أن يضعف من الثقل الاستراتيجي الأمريكي في العراق. توفر هذه الشروط، أو أغلبها، سيضع الإدارة الأمريكية في موضع قوي، ويدفع باتجاه ضربة لإيران. بيد ان الأمور قد لا تسير كما يأمل صانع القرار الأمريكي. الوضع العراقي قد يزداد تدهوراً، كما ان الآمال في بناء جيش وقوي أمن عراقية موالية للنظام الجديد قد تثبت أنها آمال مبالغ فيها إلي حد كبير. وفي هذه الحالة ستتفاقم أزمة التورط الأميركي في العراق (خاصة بعد انسحاب المزيد من القوات الحليفة هذا العام)، أو ان تعترف واشنطن بالهزيمة وتبادر إلي انسحاب مبكر بغض النظر عن المصير الذي سيواجهه العراق الجديد. وفي حال تضاءلت احتمالات توفر الأدلة علي تورط سوري في اغتيال الرئيس الحريري، واستمر الاضطراب في مواقف خصوم سورية في لبنان، فقد يثبت حزب الله أنه قوة تستعصي علي الحصار. أما الوضع الفلسطيني الناجم عن تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية، فربما كان أكثر تعقيداً مما يظن كثيرون في واشنطن والمنطقة، إذ ان إسقاط الحكومة الحالية بفعل سياسة متضافرة من الحصار والتجويع والتآمر قد يدخل الوضع الفلسطيني باتجاه أزمة لا مخرج منها، بما في ذلك العجز عن تشكيل حكومة بديلة، فشل عقد انتخابات تشريعية مبكرة، وربما حتي انهيار السلطة الفلسطينية بكاملها.علي نحو لم يكن من الممكن تصوره قبل عام أو عامين، يتداخل الملف النووي الإيراني تداخلاً لا ينفصم مع شؤون وتعقيدات المنطقة الأخري. وهو تداخل يشكل نوعاً من العبء علي طهران، كما يشكل رصيد قوة لها. ما سيفصل بين العبء والرصيد هو الطريقة التي ستتعامل بها طهران مع تعقيدات وشؤون المنطقة الأخري، والطريقة التي ستنظر بها القوي الاقليمية المجاورة للملف النووي الإيراني. بعض من الأسئلة الهامة يتعلق بالسياسة الإيرانية في العراق، والرؤية العربية والتركية للسياسة الإيرانية في العراق. ففي فلسطين ولبنان، تنهج طهران سياسة عثمانية، تتجلي في تضامن إسلامي وثيق وانحياز للقوي الشعبية ودفاع عن حقوق شعوب المنطقة وثوابتها الوطنية. ولكن السياسة الإيرانية في العراق تبدو أقرب إلي السياسة الصفوية، حيث تقدم المصلحة الإيرانية القومية الضيقة علي مصالح العراق وثوابته ووحدة شعبه وأرضه. هذا التباين بين السياسية الإيرانية تجاه لبنان وفلسطين من ناحية، والعراق من ناحية أخري، لم يشكل قلقاً كبيراً لطهران حتي الآن، ولكنه يثير أسئلة متزايدة بمرور الوقت وتفاقم الأوضاع داخل العراق. وسرعان ما ستنعكس هذه الأسئلة علي منظار الشارع العربي والإسلامي لإيران، وعلي موقف أنقرة والعواصم العربية الأخري المعنية من التدافع المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.بيد ان الأسئلة لا تقتصر علي الوضع الإيراني، بل تتعلق في جلها بالتقدير الأمريكي للموقف. في مقابلة أجريت مؤخراً مع يورغن هبرماس، أشار الفيلسوف الألماني، أحد الحراس الكبار لميراث التنوير والعقلانية الأوروبية، إلي ان العالم يموج بالرفض لنظام القطب الواحد. ما يريد هبرماس قوله ان سيطرة دولة واحدة علي الشأن العالمي، مهما بلغت قوة وموارد هذه الدولة، يخالف طبيعة العالم ومنطق الأشياء، وان التصميم علي فرض هذه السيطرة لن يدفع العالم إلا إلي الكوارث. ومنذ ان قامت الولايات المتحدة بغزو العراق، في مواجهة معارضة عالمية واسعة النطاق، تجر السياسة الأمريكية في المشرق العربي ـ الإسلامي في ذيلها كارثة تلو الأخري. في النهاية، وبالرغم من تزايد الأدلة علي خطأ التقدير الأمريكي للموقف في العراق وفلسطين ولبنان، فقد تقوم واشنطن بالفعل بقصف إيران. ولكن المنطقة ستكون في وضع أسوأ بكثير في الصباح التالي لهذا القصف مما كانت عليه في اليوم السابق. هذا مع كون الأمور هي في راهنها بالغة السوء، سواء بالنسبة للمنطقة وشعوبها أو بالنسبة للمصالح الأمريكية.ہ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9