حول تجربة الشاعرة فوزية عبدلاوي: الهم الإنساني وقضايا الوجود

حجم الخط
0

«أحتاج لبكاء طويل كرفرفة طير حزين
أمام شباك لا يعانقه الصبح إلاَ جريحا»
من قصيدة (ملتمس غفران)

القاعدة البيانية في الأدب، كما في العلوم تقول إن الكلمة إذا جاورت أختها دون روح لم تكن سوى قطعة حجر. وأضيف قطعة حجر في بناء أساس فني لا يقربك من معناه، بل لا تجد معناه أنت مثلما يسهل على مبدعه أن يلتقطه، وفي الشعر على وجه الخصوص، لأن الشعر مملكة العاشقين متاع مشاع بين أهله، جنته تحتاج دوما إلى ملتمس غفران، فإذا لم تكن طريقك سلسة وبوصلتك القلب والعقل معا، فلا شيء يقودك إلى «يوتوبيا» الفرح، فلا تتفاءل، فليس هناك شيء يدنيك من دواخلك إلا الكلمة الصادقة، التي تصفك وتتحرى كيانك. يصدق هذا الكلام على تجربة الشاعرة المغربية «فوزية عبدلاوي»، والتي من خلالها يمكننا التساؤل حول مدى المتغير الذي طرأ في عالمها الشعري بعد ديوانها «تقاسيم الريح»؟ وهل هناك أسباب موجبة لهذا التغيير؟ وهل يمكن الحديث عن تجربة ثانية للشاعرة تخوضها بيقين وإصرار؟

كتابة الأنين

هناك الكثير مما تغير بعد هذا الديوان، إلا أنه لا يعني بتاتا أن كل إصدار تجربة، وكل ديوان شعر يحمل ملامحه المغايرة، فالمعنى المقصود، هو أن الكتابة التي تعقب العمل الأول تستزيد من خصب التجربة، وتتحول تحت نقاب شفاف من اللغة والمعاني والصور الحادثة نحو متغير يحمل كل سمات التجربة الأولى ويتفوق عليها. هذا ما لاحظته في القصائد التي جاءت بعد «تقاسيم الريح»، العتبة الأولى لقياس تحولات التجربة. إلا أن الذي لا يمكن القفز عليه أو تهميشه، هو مرتكز التجربة وهدفها ومحرك كوامنها الشعرية عند الشاعرة، لا من الناحية الوجدانية، ولا من حيث اللغة المستعملة والصور، فالكتابة الشعرية عند الشاعرة المغربية فوزية عبدلاوي قضية، قبل أن تكون ملمحا جماليَا. قصائدها كلها منذ الوهلة الأولى تحمل شحنة دافئة من العواطف والأحاسيس الإنسانية المشتركة، بل هي كتابه سبر الغور العميق للمأساة، فهي إذا صح التعبير «كتابة الأنين» بامتياز، لذا تستقي ثيماتها من مواجع الإنسان وأحلامه وأحزانه وقلقه ودموعه.

نغمة الاستياء

الشاعرة لم تتغير ونبضاتها المعنوية في قصائد ما بعد «تقاسيم الريح» تتشابك في فضاء واحد فسيح ومترام، تتطور فيه التجربة باستمرار وتنزع نحو عالمها الخاص فمن خلال قلق التجربة الثانية، ينبعث صخب وضوضاء التجربة الشعرية الأولى في ديوان «تقاسيم الريح»، لكن بنفس مغاير وثورة أكثر على المشاعر والأحاسيس وتحريكها لتقول كل شيء – بعض الشيء- عن الحياة والموت والفقدان والنأي والاغتراب والحزن وآلام الآخرين، التي تشكل الجزء الأكبر من هرم الاستياء في حياة الشاعرة.
«نم في حضني قليلا أيها الملوَن كقزح
وارتق ليلي بحكايا الآفلين من وجع الرحيل»
هكذا تلوك الشاعرة، في إحدى قصائدها الأخيرة، يأس الحقبة الشاعرية وأوجاع التناقضات الحضارية ومعاناة الناس وتيههم في الدروب الوعرة للحياة. تقول الشاعرة، إن الشاعر «ملزم بتبني قضايا عصره والاصطفاف إلى جانب المقهورين فلا أدب حقيقيا خارج التراجيديا الإنسانية بل حتى الملهاة التي لا تسخر من مأساة الوجود التراجيدي للإنسان لا يمكن أن تصنَف ضمن الأدب بمعناه الإنساني الرفيع»
«يا زبدا لموج الجزر
وابتهاله في صفير الريح
أكاد، من ظمأي إليك، أشرب
الأعاصير القادحة لهبا
من وقع حوافر جياد الضناء
وشهقة الربيع في براعم المساء».
الشعر .. كجسد وروح
الإنسان شكل الكلمة الإبداعية فهي عمقه وهو جوهرها. إنه البعد الإنساني الصوفي في التجربة وهو جزء من القول الشعري عموما، نجده عند الشاعرة فوزية عبدلاوي، كما نجدده عند غيرها من الشاعرات والشعراء، ولكن حين يصير القول الشعري مجردا من الحركة الاجتماعية وتفاعلاته الكونية، يسقط معناه الإنساني ويبقى مجرد كلام خال من معاني الواقع الموجع. تقول الشاعرة:

«الوطن جرح اتسع
لتطلَ منه شموس آفلات
ودخان قطارات تقبَل وجه الشمال
تنفث في عويلها الحقائب
وتسحق سكَة الأحلام»

وحين تشعر بالوحدة والمنفي تحفر الصخر بأظافرها وتصــــر على تحقيق تلك الأمنية المستحيلة، إنها جدلية الذاكرة الشعرية والواقع، حيث يحضر النفس التراجــــيدي الذي لا يمكن للنظرة الجمالية للشعر أن تختزله في صياغة بيانية مفتعلة.
إن الشاعرة نفسها ترفض هذا المعنى في الشعر»أرفض نظــــرية الجمال مــــن أجل الجمالي».
«أريد نشيدا يسري في سماوات دون أقفال
وحقولا من تباريح المقاتلين على جبهة الريح
ورغيفا لم تبلَه دموع الجوع».

٭ أكاديمي مغربي

حول تجربة الشاعرة فوزية عبدلاوي: الهم الإنساني وقضايا الوجود

ميلود العضراوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية