إن النفاق وكما تعلمون لا يقف عند الدين فقط بل يتعداه إلى جوانب أخرى في حياتنا كالنفاق السياسي وغيره. وهنا أود التطرق بالحديث إلى نوعين آخرين ألا وهما: النفاق الأدبي والنفاق الفني واللذان طفيا على السطح مع اندلاع الثورات العربية، وأخص بالذكر هنا السياق السوري فقط. قد بات لا يخفى على أحد أنه بعد اندلاع الثورة السورية الشعبية – والتي استبقت نيسان تعطشاً- برز لدينا أدباء وفنانون ليسوا فقط ممن اكتفوا بشجب هذه الثورة وإنما راحوا يشجعوا تلميحا وتصريحا بالنيل من مكوناتها، فأصدر الشعب الثائر قائمة تضم هؤلاء وأَطلق عليها قائمة العار، وأخرى احتضنت الفنانين والأدباء الذين ساروا مع ما اختاره الشعب واستنصروا له وأُطلق عليها قائمة الشرف أو قائمة الغار كما يحلو لي تسميتها- وهذا كان حال معظم دول الربيع العربي. لقد تبين جليا أن الأدباء الذين يناصرون المقهورين ويترنمون بكتابات تعكس روح الثورية يتوزعون على صنفين: أدباء العنتريات في المهرجانات والأمسيات والذي ينتهي مفعول ارتباطهم بكلماتهم عقب انتهائهم من إلقائها مثلهم كمثل مرشح مجلس الشعب الذي ينتهي حماسه لقضايا الشعب فور إعلانه فائزاً بالمنصب! أما الصنف الآخر فهم أدباء ارتبطوا بما أنتجوه فظل يشغلهم، ويدعموه بالمواقف أيضاً -إلى جانب الكلمات- ما داموا يشهقون ويزفرون..وهؤلاء هم أدباء الموقف وأدباء الالتزام وفي هذا السياق يقول الأديب محمد الماغوط: ‘أحاولُ أن أكون شاعراً في القصيدة وخارجها، لأن الشعر موقفٌ من الحياة، وإحساسٌ ينسابُ في سلوكنا.’ إن الصنف الأول من الأدباء لا تعدوا كتاباتهم إلا ان تكون ضرباً من التنظير الخالي من روح الإيمان بما يسطرون..تم انتاجه لممارسة صناعة الكلام فقط، فقد تكّشّف لنا بعد انطلاقة الثورة السورية الشعبية أن الروح الثورية التي كانت تحملها بعض كتاباتههم ماهي إلا ‘مكياج’ كلامي وحماس وشحذ للاستهلاك فقط، حيث أنهم سلكوا مسلكا غير الذي كانوا يخطّوه لنا! والأمر ذاته ينطبق على الفنانين الذي كان بعضهم يتغنى بمقولة أن الفنان ضمير الأمة ووجدانها.. وقد ‘ثقبوا أذنينا’ بها طيلة سنين، ومنهم من نفّذ أعمالاً تعكس روح ولب الثورة التي نعايشها الآن، ولكن تبين لنا أنهم من الصنف الذي يقدم فنه كمهنة ‘يسترزق’ منها فقط لا غير! وهنالك فريقٌ منهم أيضاً يقدم منتجاً فنياً ينتهي التصاقهُ بمضمونه عندما الواقع يتطلب التطبيق، فتبقى الحمية الثورية على الظلم ومساندة المقهورين رابية هناك..على غبار معدات الإضاءة في الاستديو! هؤلاء كانوا فيما مضى مثل لنا، ووصل إعجاب البعض من الجمهور بهم حتى إلى حد جعلهم أيقونة لهم! وفي المقابل – وللمقارنة فقط مع ذلك الصنف من الفنانين آنف الذكر- فإن هناك فنانون آخرون اختاروا أن ينضموا لصفوف الشعب وينحازوا له، فعلا صوتهم ضد الطاغية في حين أنه لم يسبق لهم أن يقدموا سوى دراما اجتماعية وربما كوميديا. يستحضرني في هذا السياق الآن ما قرأته مرة لإحدى الأديبات السوريات ناصحة في إحدى مقالاتها عدم محاولة التقرب من الفنان المفضل لديك والتعرف عليه عن كثب لأن ذلك سيجعلك تنفر منه وتكرهه. إن ما يتوجب علينا في المرحلة المقبلة هو مقاطعة هؤلاء الأدباء والفنانين جميعاً..هؤلاء الذين خانوا ضمير الأمة وعبروا على أنهم ليسوا إلا ضميراً للنظام المنتظِم في سرقة خيرات البلاد وقهر أبنائها على مدى عقود.. يتوجب علينا مقاطعة انتاجهم وزجّهم مدى الحياة في قائمة العار عقاباً لهم على وقوفهم ضد الشعب وخيانته..إننا لا نريد قُبحهم تحت مسمى الفن والأدب.. كفانا ما رأينا من ريائهم وليقفوا في الصف الخلفي فهذا يجب أن يكون مكانهم الطبيعي. إن الكثير من هؤلاء ليقول أن ثورة الشعب هذه -التي لا يعترفون بها- ما هو إلا سعيٌّ في خراب البلاد وتمتين حبكة ‘المؤامرة’ عليه.. ألا إنهم هم المتآمرون! كان حريّاً بهم توجيه دفة الشجب إلى من تسعى مدافعه في خرابها وتقتيل أبنائها.. ويقولون لك أيضاً: هذا ضرب من ضروب الخيانة للوطن، ولهم أقول: إن الوطن كرامة.. استكبر النظام الاعتراف بها.. وهي ولا تليق بكم… وإن زعمتم أن ثورتنا ما هي إلا خيانة.. فإنني ! أ. محمد عرّوب – جامعة حمص [email protected]