نكسة السياحة العلاجية ونصائح من أطباء «عالميين» بعنوان: الطريقة الأفضل لحماية الاقتصاد الصحي الأردني

عمان ـ «القدس العربي»: لا يرغب وزير الصحة الأردني الدكتور محمود الشياب في تحريك ساكن أو التعليق على مسار النكسة التي يتعرض لها القطاع الطبي الأردني الذي يفقد بسبب سلسلة من التعقيدات البيروقراطية والقيود الأمنية ما يقترب من 90 ٪ من زبائنه وبالتالي من استثماراته التي كانت في كل الأحوال تدر دخلا كبيرا على الخزينة من عائدات الضرائب وتساهم بالوقت نفسه في تنشيط قطاعات متوازية لها علاقة بالسياحة العلاجية.
وفي محاولة متأخرة جدا منه للاستدراك، بادر لفتح مكتب لتنشيط السياحة العلاجية على أمل تعويض ولو بعض الخسائر.
لكن في رأي خبراء في القطاع هذه الخطوة متأخرة وبائسة لأنها لا تعالج جوهر المشكلة خصوصا وان المهتمين بالسياحة العلاجية في دول الجوار مثل تركيا ولبنان يبادرون لاتصالات ساخرة من زملائهم الأردنيين بعد تمكنهم من استقطاب الاستثمار الطبي الذي كان يستوطن عمان من عدة بلدان أهمها اليمن والسودان وليبيا.
رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي تلقى مؤخرا رسالة تحاول لفت نظره من قبل القطب البارز في القطاع الطبي والمعني بجمعية المستشفيات الدكتور فوزي الحموري .
وزير الداخلية غالب الزعبي ومعه مدراء أمنيون كبار يتلقون اتصالات من أركان أساسية في نظام الدولة الصحي تحاول الاستدراك والاعتراض على الاجراءات التي تعصف دون مبرر باستثمار ناجح ومن بين هؤلاء جراح القلب الشهير وعضو مجلس الأعيان الجنرال الدكتور يوسف القسوس أحد أبرز من أسسوا وخدموا في قطاع الخدمات الطبية الملكية.
«القدس العربي» سبق ان سلطت الضوء مرتين على هذا الموضوع المهم وأثار تدقيقها في بعض التفاصيل انتباه وردود أفعال نخبة من كبار أطباء الأردن الحريصين على سمعة البلاد الطبية في وقت التراجع الاستثماري في أغلب المسارات.
وتشير آخر المعطيات في هذا الصدد إلى ان السلطات الأمنية في مطار عمان أعادت قبل نحو اسبوعين نحو عشرين مريضا من جمهورية تشاد الافريقية حصلوا على تأشيرات لدخول المملكة وتلقي العلاج وتم منعهم من الدخول دون مبرر واضح رغم حصولهم على كل الوثائق المطلوبة.
وحصل شيء مماثل مع مجموعة من المرضى السودانيين وفي الفترة نفسها تقريبا وهم مجموعة تقول مصادر في جمعية المستشفيات انها تعرضت لقسوة وغلاظة وسوء معاملة حيث حجزت في أحد مكاتب المطار من يوم الخميس إلى الاثنين وتمت اعادتها إلى الخرطوم رغم وجود تأشيرات وفقا للتعليمات القانونية والأمنية.
يعيد كبار الأطباء انخفاض الاستثمار في قطاعهم إلى أكثر من 90 ٪ إلى القيود الأمنية التي فرضت فجأة على المرضى من عدة بلدان مثل ليبيا والسودان واليمن وكذلك أكراد العراق، حيث درج عشرات الآلاف من مرضى هذه الدول على تلقي العلاج واجراء العمليات الجراحية في الأردن.
مثل هذه الاجراءات وفقا للدكتور القسوس مبالغ فيها، وهي غير مفهومة في كثير من الأحيان مع العلم ان الاستدراك واجب الجميع كما يؤكد على هامش نقاش مع «القدس العربي» ليس فقط بسبب العوائد المالية والاستثمارية التي تقلصت بشكل حاد أو بسبب الحرص على بقاء المراكز الطبية المتقدمة فاعلة وعاملة وقادرة على صرف الرواتب. ولكن  بسبب التوافق الضروري على الحاجة الملحة للحفاظ على سمعة الطب في الأردن بعد ان كانت في أعلى المستويات طوال عقود على صعيد الممارسة والتشخيص وأيضا على صعيد النجاح والعوائد التي تعود على سمعة المملكة.
ما كتبته «القدس العربي» في السياق ونشرته عدة مرات يشير إلى التيقن من ان الملك عبد الله الثاني شخصيا اهتم بهذا الموضوع حيث التقى على هامش قمة دافوس الأخيرة خمسة من الأطباء العالميين من أصل أردني واستفسر منهم عن الإجراءات الواجبة لاستعادة النجاح في هذا القطاع الحيوي.
وما نشر في السياق أثار اهتمام الطبيب الأردني المعروف دوليا عمر لطوف الذي زود مكتب «القدس العربي» برسالة خاصة منه تتضمن بعض الملاحظات بعد تقديم الشكر للمساهمة في وضع حالة الاقتصاد الصحي في الأردن قيد الدراسة والبحث والمراجعة كما قال لطوف.
يركز الدكتور لطوف في رسالته لـ»القدس العربي» على ان الاقتصاد الصحي ركيزة أساسية واستراتيجية ولعدة أسباب. مشيرا إلى انه وبخبرته الشخصية وبعدما عمل ما بين عامي 1994-2000 وما بعد ذلك في فترات متقطعة في جراحة القلب بمشاركة خبرات أردنية وجد شخصيا طواقم طبية مخلصة للمهنة وتعمل وفقا لأعلى المستويات العالمية حتى في ظل أوضاع اقتصادية غير ميسورة.
 وقد شمل ذلك حسب لطوف أطباء وممرضين وفنيين وإداريين من الجنسين وصيادلة وكوادر التعقيم ونظافة.
يشير الدكتور لطوف إلى ان أقلية استثمرت في الطب لأغراض شخصية لكنها لا تشمل الغالبية العظمى من العاملين في الحقل الصحي الأردني بشهادته فهم في رأيه يعملون بكفاءة وبدخول غير مناسبة في الكثير من الأحيان.
لكن ذلك لا ينفي في رأي الدكتور لطوف ان مكانة الأردن بهذا المضمار قد تأخرت قياسا بدول المنطقة ولعدة أسباب قد يكون أهمها الأوضاع الجيوسياسية والحروب المحيطة والمنافسة من قبل دول أكبر وذات دخل أعظم.
لا يكتفي الطبيب العالمي بعرض المشكلة لكنه يضع ما يمكن وصفه بمقدمة بسيطة للخروج من المأزق  على أمل بناء استراتيجية لا يمكن المضي قدما بها بدون الاجابة على ثلاثة اسئلة رئيسية: ما هي مقدرتنا كأردنيين في مجال الاقتصاد الطبي وهل استثمرنا كل طاقاتنا؟ من هم المنافسون وما هي نقاط قوتهم وضعفهم؟ وما هو حجم الحقل الطبي أصلا في العالم العربي؟
 ويتحدث في الرسالة نفسها عن العمل على رسم استراتيجية عمل تحقق للأردن المركز الريادي في الطب والاقتصاد الطبي، مشيرا إلى ان الاسئلة السالفة مهمة والإجابة عليها تسمح بوضع الأردن على بداية الطريق الصحيح بحيث تعود على البلد بفوائد إنسانية ريادية وسياسية واقتصادية فذة قد تكون قيمتها عشرات أضعاف ما كان الاقتصاد السياحي الطبي الأردني عليه سابقا.
اسئلة الدكتور لطوف تبدو محورية في عرض الواقع الموضوعي والرد على تلك الملاحظات التي تتهم الأطباء الكبار بالتسبب في الأزمة، مع ان المشكلة الأهم اليوم كما يلاحظ الدكتور القسوس والحموري وآخرون غيرهما تكمن ليس فقط في وضع قيود أمنية، ولكن في إغلاق الأذان وصعوبة التراجع عن قرارات إدارية يثبت الواقع الموضوعي انها خاطئة وتؤدي إلى خسائر ملموسة من المخجل إنكارها اليوم.

نكسة السياحة العلاجية ونصائح من أطباء «عالميين» بعنوان: الطريقة الأفضل لحماية الاقتصاد الصحي الأردني
كبار الأطباء يتحدثون لـ «القدس العربي» ورسالة خاصة من الجراح العالمي الدكتور عمر لطوف
بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية