واشنطن ـ «القدس العربي»: تعرضت الدبلوماسية الأمريكية إلى نكسة كبيرة خلال الأيام القليلة الماضية بسبب التعليقات التي يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشرها على صفحته الخاصة على تويتر بشأن الأزمة الخليجية. إذ تحدث بطريقة تناقض التصريحات الصادرة عن رموز إدارته وكانه يترأس دولة أخرى تماما.
ترامب تناول الأزمة الخليجية بلهجة تقترب من التوبيخ اللاذع لدولة قطر في الوقت الذي كانت فيه حكومته تحاول التوصل لحل للأزمة حيث تناقضت تعليقاته مع تصريحات وزير خارجيته ريكس دبليو تيلرسون الذي طرح نفسه كوسيط لحل النزاع المرير بين دول الخليج العربي.
هذا التناقض دفع منصات إعلامية أمريكية للتشكيك في ثقافة ترامب حول المنطقة والقول بان (الرئيس) لا يعلم على الاطلاق ان الولايات المتحدة لديها قاعدة عسكرية كبيرة في قطر مما دفع البيت الأبيض إلى اعتراض هذه التقارير، إذ قال مايكل شورت مساعد السكرتير الصحافي للبيت الأبيض، ان هذه التقارير غير مسؤولة و«كسولة» من المفترض ان لا تحدث بسبب توفر الحقائق الفعلية بسهولة.
ورفضت إدارة ترامب مزاعم رددها مصدر لم يذكر أسمه للمذيع المعروف براين وليامز على محطة «ام سي ان بي سي» بانه غير متأكد من ان ترامب يعلم بوجود قوات أمريكية متمركزة في قطر. وبعد تدخل البيت الأبيض اعترف وليامز على الهواء بان ترامب تحدث مع جنود من القوات الأمريكية المتمركزة في قطر خلال خطاب قبل أكثر من أسبوعين.
توضيحات البيت الأبيض في الواقع، أدت إلى نتائج عكسية تشير إلى فوضى غير طبيعية في الإدارة الأمريكية ناهيك عن تناقضات في تعليقات ترامب نفسه. إذ أشار البيت الأبيض إلى ان ترامب تحدث مع هـــؤلاء الجـــنـــود وقـــال لهم ان قــطــر شـــريك استراتيجي حاسم، وهي تصريحات رددها أيضا، في الخطاب الذي ألقاه في الرياض.
وقال سياسيون أمريكيون ان ترامب أشعل النيران في منطقة الشرق الأوسط على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءل العديد منهم عن الحكمة من تعليقاته على تويتر في وقت تدعي فيه الإدارة الأمريكية انها تحاول معالجة الأزمة بين السعودية وقطر.
وأضطر واليس الذي عمل في إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش للقول ان الرؤساء يعتمدون على فريقهم الأمني القومي للاطلاع على تفاصيل الأزمة وانه لا يشك في ان ترامب يعلم تماما ماذا يحدث في قطر وان أول معلومة سيتم نقلها له عند حدوث الأزمة هي ان للولايات المتحدة قاعدة عسكرية هناك.
من هنا، تبرز التساؤلات عن الحكمة من تعليقات ترامب التي اتهم بها قطر بتمويل الإرهاب بعد ساعات قليلة من دعوة وزير الخارجية تيلرسون إلى «حوار هادئ وعميق» لحل النزاع بين الدول الإسلامية السنية، وللمفارقة، أصر مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية ان ترامب كان «على الصفحة نفسها» مع وزير خارجيته، بل انه وزع نسخة من بيانات تيلرسون على متن الطائرة الرئاسية، في حين قال مستشار كبير لتيلرسون ان الفارق بين الرجلين هو في التركيز وليس على الهدف النهائي. ووفقا للأجوبة التي عثر عليها باحثون من منصات إعلامية من بينها «نيويورك تايمز» فان ترامب يريد التركيز على انهاء الإرهاب، في حين يركز وزير خارجيته على إعادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى مهمة التركيز على مكافحة الإرهاب.
والرسائل المختلطة للإدارة الأمريكية بشأن الأزمة الخليجية برزت بشكل واضح في تصريحات وزارة الدفاع التي أصدرت بيانات متتالية تؤكد على الدور الحاسم لقطر كشريك استراتيجي للولايات المتحدة، كما أعرب البنتاغون عن قلقه من ان تعميق عدم الاستقرار سيضر بالحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». ووفقا لمارك لاندر وكاردينر هاريس من «نيويورك تايمز» يقوم ترامب بدور الشرطي السيء، في حين يقوم وزير خارجيته بدور الشرطي الجيد في المسرحية الأمريكية المتعلقة بالأزمة الخليجية.
الاستنتاجات التي توصل إليها العديد من المحللين الأمريكيين بشأن الأزمة الخليجية تتجاوز النكسة الدبلوماسية التي تعرضت لها الإدارة الأمريكية جراء الأزمة أو النتائج السلبية والمدمرة لتغريدات ترامب، إلى محاولة جادة لفهم الأزمة. وقد توصل هولاء إلى ان التفسيرات العامة التي اعطيت حول الأزمة كانت مفصولة تماما عن معناها الحقيقي وبعيدة تماما عن الأسباب الحقيقية لاندلاع هذا الحريق، كما توصلوا إلى استنتاج آخر مفاده ان توقيت الحصار المفروض على قطر يثير الشك إلى حد كبير. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة، هناك أبعاد غير معلنة للأزمة يمكن ان تطفو على السطح لها علاقة بالنوايا الأمريكية والإسرائيلية نحو المنطقة بشكل عام.
وطرح محللون أمريكيون تساؤلات حول الدوافع الحقيقية للتحركات ضد قطر، فالحماس المناهض لإيران لا معنى له في التفسيرات الحقيقية للأزمة، ومن المثير للفضول ان الجماعات الإسلامية التي تتهم بعض الدول قطر بانها تمولها لم تقم في يوم من الأيام بأعمال إرهابية ضد خصوم قطر في الوقت الحاضر وخاصة السعودية والإمارات العربية.
ترامب حاول من خلال الأزمة الخليجية الحصول على انتصار سياسي وهمي بدلا من الاعتراف بالفضاء الجيوسياسي، وهذا الأمر ضار جدا بالنظر إلى ان قاعدة العديد في قطر هي أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وهي مركز قيادة إقليمي ناشط في عمليات القصف على العراق وافغانستان.
وفسر العديد من المحللين الأمريكيين التحركات السعودية ضد قطر بانها خطوة يأس من قبل الرياض للخروج من دائرة الاتهامات الأمريكية بانها مسؤولة عن التطرف السياسي والديني في الشرق الأوسط. وقال المحللون ان ترامب شجع بشكل خاطئ هذه التحركات لانه بذلك خلط في أولويات مكافحة الإرهاب. ومن الناحية اللوجستية أثارت طريقة تعامل ترامب مع الأزمة الخليجية مشاعر من القلق بالنسبة إلى حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة، وبرز سؤال علني حول إذا كان بامكانهم الوثوق بواشنطن أم لا، وبالاضافة إلى ذلك، لديهم ما يدعو للقلق من ان ترامب سيسارع بالتخلي عنهم بناء على رغبة من حليف آخر لديه القدرة على تقديم الهدايا.
والفكرة القائلة بان ترامب يجب ان يدرك تماما عواقب كلماته لم تعد كافية على الاطلاق، إذ أصبحت المخاوف الحقيقية أكثر ملائمة للتعبير عن هذه المشكلة بما في ذلك تداعيات الطريقة غير الحكيمة لتعامل ترامب مع أزمة الخليج.
الدعم الذي قدمه ترامب للتحركات السعودية أضر كثيرا بمصداقية الولايات المتحدة وفقا لآراء العديد من الباحثين، إذ لا يمكن فهم تصرفات ترامب بدون الاستنتاج بان أمريكا مستعدة في لحظة للتخلي عن حلفائها بعد محادثة قصيرة مع خصومهم. وأضاف هؤلاء ان ترامب تنقصه السياسة الخارجية الرصينة ولكنه لا يعاني من أي نقص في اطلاق الكلمات غير الديمقراطية أو العواطف الكاذبة. والسؤال الأخير، هل سيعترف ترامب بخطئه في التعامل مع الأزمة والمسارعة في تقديم خدماته كوسيط؟
رائد صالحة