المنظومة الخليجية: تصدّع دون انهيار

حجم الخط
1

طبيعي أن تتجه الأنظار في ظل الأزمة الراهنة مع قطر نحو مستقبل مجلس التعاون الخليجي، الذي أنشىء في العام 1981 نتيجة ضرورات الدول الست المطلة على الخليج العربي، لاسيما في أعقاب بدء الحرب العراقية – الإيرانية على وقْع «الثورة الخمينية»، ووصلت التحديات التي واجهها الكيان الخليجي خلال العقود الماضية إلى طرح المملكة العربية السعودية في العام 2011 فكرة تحويله إلى اتحاد، وما تجسده هذه الفكرة من طموحات ارتقاء التنسيق إلى ملامسة الوحدة من بوابة السياسة الخارجية الواحدة والجيش المشترك والعملة الموحّدة. وهي فكرة لقيت ترحيب كافة الأعضاء باستثناء سلطنة عمان.
فالنظام الأساسي لمجلس التعاون يحدد أن الهدف هو «تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات عبر وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين، يعمل المجلس لإنجازها في تجربة مماثلة للاتحاد الأوروبي، لجهة تعزيز الاقتصاد والاستثمار ورفع القيود وتحقيق رفاهية ووحدة المواطن الخليجي، بحيث أنه نحج في خطوات وتعثر وأخفق في أخرى، لكنه لا يزال يسير في تحقيق التكامل الاقتصادي – الحياتية.
على أن مسار التحولات الدولية والإقليمية خلال العقود الماضية، إظهرت حجم التحديات الوجودية التي تواجهها هذه المنظومة، الأولى عالمياً في إنتاج النفط وفي احتياطه والثانية في احتياط الغاز. وهو ما آل إلى تشكيل «قوات درع الجزيرة» عام 1984 كقوات عسكرية مشتركة مقرها السعودية، وتلاها في العام 2000 توقع اتفاقية للدفاع المشترك، رغم أن التجربة الأفعل تمثلت مع ما يمكن وصفه بـ« الناتو الخليجي» الذي برز كقوة فعلية مع «عاصفة الحزم».
على أن مسيرة مجلس التعاون على مدى 37 سنة شابتها أزمات داخلية من منطلق خلافات في الرؤى على قضايا أساسية ضمن نطاق الكيان وفي الإقليم عموماً، لكن الأزمة الراهنة مع قطر تعد الأكثر حدة، نظراً إلى اتخاذ الدول الخليجية الثلاث المعنية، المملكة العربية السعودية والإمارت العربية المتحدة والبحرين إجراءات غير مسبوقة لم تقتصر على سحب سفراء، بما يبقي الأزمة في إطار الخلاف السياسي، كما سبق أن حصل في أزمات سابقة، بل تخطتها إلى قرار «محاصرة وعزل» عبّر إقفال المنافذ البرية والبحرية والجوية واتخاذ رزمة من الإجراءات التي تضيّق الخناق على قطر كدولة بحكمها وشعبها. وهنا مكمن التحوّل الأكبر الذي من شأنه أن يرتد على المجلس مستقبلا، حتى ولو تمّ احتواء الأزمة، ذلك أن الإجراءات المتخذة أصابت مفهوم «المواطنة الخليجية» في الصميم، بغض النظر عن الأسباب التي دفعت تلك الدول ومعها مصر إلى الذهاب في المواجهة إلى الحدود القصوى. فليس من السهل، وإنْ تفهّم أبناء تلك الدول للإجراءات المتخذة، أن يستيقظوا في الصباح على خبر تَغيُّر حالهم واهتزاز علاقاتهم الأسرية وأواصر القربى ضمن العائلات الخليجية واهتزاز أعمالهم وضياع استثماراتهم، نتيجة خلاف سياسي لا يعود القرار فيه لهم سلباً أو إيجاباً.
وتدفع هذه التجربة المتابعين في الشأن الخليجي إلى التأكيد أن تداعياتها على روحية العلاقة ضمن مكونات مجلس التعاون ستكون باهظة جداَ، إلى حد يمكن القول معه إن ما قبل تجربة «عزل قطر» لن يكون كما بعده، نظراً إلى أن الأزمة الراهنة تركت تصدعاً اهتزت معه الثقة في المواطنة الخليجية التي كان يفترض أن تُشكّل نموذجاً فعلياً لمدى نجاح الكيان الخليجي في ترسيخ الوحدة والمصير المشترك. ولن تكون لاحقاً التطمينات الكلامية أو المصالحات الاحتفالية كفيلة في طمأنة النفوس وإعادة اعطاء الزخم المطلوب في هذا الاتجاه.
لكنه، وبالرغم من كل المناخات السلبية المحيطة بالعاصفة الخليجية، فإن خبراء خليجيين يعتبرون أن « البيت الخليجي إهتز لكنه لن يقع»، وصحيح أن الهزة التي ضربته شديدة القوة وأحدثت تصدعاتها في البنيان الخليحي، لكنها لن تؤدي إلى نهايته، حتى لو شهدت الأيام والأسابيع المقبلة ضغوطاً أكبر. فالخلاف بين الدول الثلاثة وقطر الذي يجري العمل على معالجته ضمن «البيت الخليجي» لا يتم من خلال قنوات المنظومة الخليجية أو المؤسسة الرسمية المتمثلة بمجلس التعاون، بل عبر الوساطة الكويتية التي يتولاها أمير الكويت صباح الجابر الصباح، والتي يعوّل عليها للوصول إلى تفاهمات وتوافقات وحلول. فإذا نجحت، يمكن عندها ترجمة تلك التفاهمات بقرارات واجراءات تحت مظلة مجلس التعاون.
ولا تشي الأجواء المحيطة بالعاملين على خط ردم هوة الخلاف وتقريب المسافات بوجود أي اتجاه حالي لنقل المواجهة إلى داخل المجلس، ذلك أن ليس من مصلحة قطر الخروج من المجلس أو تجميد عضويتها، لما يزيد ذلك من «عزلتها»، في وقت يقتضي وضعها الذهاب إلى مزيد من تدوير الزوايا والحفاظ على المظلة الخليجية، كما أن الدول الثلاث لن يمكنها حتى ولو أردت من دفع المجلس في اتجاه اتخاذ قرار بتجميد عضوية قطر أو إخراجها، لاسيما أن قرارات المجلس تحتاج إلى إجماع غير متوفر مع موقف سلطنة عمان والكويت اللذين يحرصان على البقاء في المنطقة الوسطية وعدم وصد الأبواب بالمطلق.
كل ذلك يفضي إلى استنتاج بأن مجلس التعاون سيبقى قائماً بغض النظر عن تشظيّه، لاسيما أن الدول الغربية الحليفة لأعضاء المجلس قاطبة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تريد الحفاظ على الوحدة الخليجية في هذه الظروف الدقيقة، التي يتم فيها التركيز على معركة مــكــافحة الإرهـــاب كأولوية حاسمة، وعلى الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، وهما عنوانان لا يمكن تحقيق النتائج المرجوة منهما إذا استمر الوضع الخليجي مشرذماً، ما يؤدي إلى إضعافه وإلى فتح الباب أمام استقطاب تحالفات جديدة ستعقّد المشهد، فضلا عن أنها لن تكون مقبولة!.

المنظومة الخليجية: تصدّع دون انهيار

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية