أثارت الأزمة التي اندلعت بين قطر من جانب ومجموعة من الدول الخليجية والعربية من جانب آخر، الكثير من اللغط والتكهنات والتخوف من احتمالية تداعيات خطرة قد تقود منطقة الشرق الأوسط المشتعلة إلى مزيد من الاشتعال، وكثيرون يتابعون الحدث وتطوراته التي تقترب من حالة إعلان حرب تقودها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ضد دولة قطر.
بداية تشكل الدول في الخليج والجزيرة
مثل العقد الأول من القرن العشرين قبيل الحرب العالمية الأولى الحقبة التي شهدت صراعات وتفتيت كيانات واتحاد وإعادة تكوين دول وكيانات. بشكل عام كانت بريطانيا تسيطر على كل سواحل الخليج وبحر العرب من عدن حتى الكويت، فقد أزاح الانكليز البرتغاليين من المنطقة وأصبحوا هم المسيطرون الذين لم يسمحوا لقوة أخرى مشاركتهم النفوذ، والدافع الأساسي هو حماية درة التاج البريطاني الهند، حيث مثل الخليج الطريق الأهم إلى الهند، لذلك سعت بريطانيا عبر نائب الملك وحكومته في الهند إلى عقد اتفاقيات محلية مع شيوخ القبائل ذات النفوذ على السواحل والتي كانت تعتاش على صيد اللؤلؤ والتجارة والقرصنة في كثير من الأحيان. ولأن المنطقة كانت تعاني من شظف العيش فان الحروب والاقتتال بين القبائل والمشيخات كان سمة المنطقة، ومع وجود كيانات كبيرة على السواحل مثل الدولة المتوكلية وأئمتها الزيدية في اليمن وسلطنة بني سعيد وائمتها الأباظية في عمان، إلا ان النفوذ البريطاني كان هو المتحكم بالسواحل. وكذلك كان حال المشيخات الصغيرة التي سيطرت على الساحل الغربي من الخليج مثل مشيخات أبو ظبي والشارقة ودبي وقطر والبحرين والكويت. ودخل كل شيوخ هذه المشيخات في معاهدات ثنائية مع الامبراطورية البريطانية بشكل منفرد بالرغم من التبعية الشكلية للدولة العثمانية، وأصبحت هذه المشيخات تعرف منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر بأسم «المحميات» كناية عن معاهدات الحماية التي وقعتها مع بريطانيا.
في المقابل كان داخل الجزيرة متروكا لصراعاته دون تدخل، فلا الدولة العثمانية تستطيع السيطرة على هذه المساحة الشاسعة من الصحاري، ولا بريطانيا لديها رغبة في السيطرة على هذه المنطقة الفقيرة، وكان بداية القرن حقبة انبعاث لما سيعرف بالدولة السعودية الثالثة، التي قادها الأمير الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي كان منفيا مع عائلته في الكويت بعد ان طردهم من عاصمتهم الدرعية ابن رشيد في تسعينيات القرن التاسع عشر، صعد نجم عبد العزيز آل سعود في غضون سنوات قليلة، واستعاد ملك عائلته، ومع بدء الحرب العالمية الأولى أصبح سيد نجد وبات يعرف رسميا بسلطان نجد، أما الجزء المهم من الجزيرة المتمثل بالحجاز الذي يحوي المدن الإسلامية المقدسة فقد كان تحت حكم الشريف حسين الذي أسس مملكة الحجاز بعد تمرده على الدولة العثمانية.
عقد العشرينيات من القرن الماضي كان حاسما في تشكل منطقة الخليج والجزيرة، فقد وحد الملك عبد العزيز كل الكيانات فيها وأطاح إمارة ابن رشيد في حائل ومملكة الهاشميين في الحجاز واستقطع أراضي واسعة في منطقة عسير من إمام اليمن ولم يبق أمامه إلى مشيخات الساحل التي حاول ابتلاعها، إلا ان الحماية البريطانية لهذه المشيخات حالت دون ذلك، كما ان الضغوط البريطانية وقفت مع مملكتي الهاشميين في العراق والأردن أمام طموحاته في التوسع شمالا.
الاستقرار السياسي
بموجب ما حدده البريطانيون سادة المنطقة في النصف الأول من القرن العشرين، استقر وضع مشيخات الخليج التي بقيت تنظر بعين الخوف إلى جارين كبيرين يحاولان التنمر عليها كلما سنحت لهما الفرصة وهما المملكة العربية السعودية من الغرب وإيران من الشرق، ومع انسحاب بريطانيا من المنطقة في ستينيات القرن الماضي باتت مشيخات الخليج مستقلة، وترتبط اقتصاديا بالولايات المتحدة نتيجة ظهور الثروة النفطية في المنطقة، وقد سعى الشيخ زايد آل نهيان حاكم أبو ظبي في نهاية الستينيات لتكوين دولة الساحل عبر توحيد الإمارات والمشيخات لتوازن بين الجارين الكبيرين، لكن مشروعه لم ينجح في ضم الكويت وسلطنة عمان، كما ان الشيخ أحمد بن علي آل ثاني انسحب من الاتفاق قبيل إعلانه وكذلك كان حال الشيخ عيسى آل خليفة في البحرين لتتكون دولة الإمارات مما تبقى من مشيخات الساحل في مطلع السبعينات.
بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران ودخول العراق حربه الضروس ضدها، شعرت دول الخليج بالحاجة للتجمع في كيان إقليمي يحميها ويوحد مواقفها، فولد عام 1981 مجلس التعاون الخليجي من الدول الست، وباتت السعودية الأخت الكبرى التي تقود المنظومة الخليجية، وطوال عهد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الذي كان وليا للعهد وأطاح بحكم أبن عمه احمد بن علي آل ثاني عام 1972 بعد عام واحد من الاستقلال، استقر الوضع في الإمارة الصغيرة الثرية ولم تحدث أزمات كبيرة بينها وبين جيرانها سوى خـــلافات بسيطة مع البحرين حول ملكـــية جزر حدودية وحلت المسألة سلميا، وكـــذلك كان هناك خلاف حدودي مع السعــودية وحل وديا. إلا ان التـهـــديد الأهم كانت قطر تستــشعره من إيران التي تشاركها في أكبر حقل غاز في الـــعــالم، وكـــانت قطر دائمة الخــشية من الجار الأكبر لها وتحاول ان تحتمي منه بشقيقتها الكبرى في مجلس التعاون الخليجي.
الغزو العراقي للكويت
عندما أفاق العالم على جيش صدام يقتحم الكويت العاصمة في اب/أغسطس 1990 انكشفت هشاشة المنظومة الخليجية، وبان عدم قدرتها على التصدي لهذا العدوان إلا بطلب المساعدة من الولايات المتحدة، ومن هذه اللحظة ابتدأ التفكير جديا في تغيير وضع قطر لتقف في وجه التهديدات من جاريها الكبيرين عبر الاتفاق مع الأمريكان، فسعت إلى ذلك وحصلت عليه في منتصف التسعينيات عبر إقامة قاعدة العديد جنوب غرب الدوحة لتضم القيادة المركزية للمنطقة الوسطى، ولتستضيف قطر المركز العصبي للتحركات الأمريكية في المنطقة، أما من ناحية القوة الناعمة فقد سعت لامتلاك القوة الإعلامية الأخطر والأهم في منتصف التسعينيات عبر إنشاء قناة «الجزيرة» التي وقفت في وجه احتكار السعودية للقنوات الفضائية المتمثلة في مجموعة «MBC» ومجموعة راديو وتلفزيون العرب «ART» وأصبحت قطر المصدر الأكبر في العالم للغاز، فهي تمتلك ثلث احتياطي العالم منه، وباتت تلعب أدوارا محلية وإقليمية ودولية نتيجة القيادة الطموحة التي تشكلت من الأمير حمد بن خليفة ورئيس وزرائه وابن عمه حمد بن جاسم.
الثقل الديني وموازنته
منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات باتت قطر تلعب دورا توازنيا بين الجارين الأكبر، إيران والسعودية، ولأن الصراع بينهما يتسم في أحد أهم توصيفاته بأنه طائفي، اتخذت قطر لنفسها مسارا وسطيا يمكنها من لعب دورها في هذا الجانب، فتبنت تيار الإخوان المسلمين وعززت علاقاتها مع حركة حماس، كما ان حركة الإخوان وبشكل خاص التنظيم الدولي كان يحظى بعلاقات طيبة مع إيران، وأصبحت قطر تمتلك ثقلا نتيجة وجود شخصيات ذات ثقل فقهي في قــطــر مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي يعتبر مفتي الإخوان المسلمين.
ومع وجود نشاط الإخوان المسلمين منذ نهاية الستينيات في دولة الإمارات عبر واجهة (جمعية الإصلاح الإسلامية) التي كانت تحظى بتسامح السلطات الإماراتية، لكن هذه السلطات وتحديدا في أبو ظبي بدأت ومنذ اندلاع الربيع العربي تنظر بعين الريبة لمطالب الإخوان التي تصاعدت في شأن إدخال تعديلات ديمقراطية، واعتبرتهم تنظيما خطيرا يسعى لتقويض نظام الحكم في الإمارة والدولة كلها، وقاد محمد بن زايد حربا شعواء على الإخوان وسعى بكل ما يملك لوضعهم على قائمة الإرهاب، ما أدى إلى توتر العلاقات مع قطر على خلفية اتهام شخصيات إخوانية نافذة بالتدخل في الشأن الإماراتي وتحديدا الشيخ القرضاوي، وكانت أزمة 2014 التي وصلت إلى قطيعة دبلوماسية بين قطر من جهة والإمارات والسعودية والبحرين من جهة أخرى، لكن الوساطات الكويتية والعمانية احتوت الأزمة التي استمرت ثمانية أشهر، وخفف من حدة التوتر مشاركة قطر العسكرية في الحلف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن.
ومع تنامي نفوذ وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان الذي يعتبره البعض اليوم الرجل الثاني في المملكة ومحمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي والرجل الثاني في دولة الإمارات أصبحت حالة العداء لقطر أمر مفروغا منه، وأصبح المحمدان يتحينان الفرصة للانقضاض عليها، باعتبارها تلعب دورا أكبر من حجمها وتتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين وتسعى لرسم سياسة مستقلة عن دول مجلس التعاون، فبالرغم من ان سلطنة عمان تحظى بعلاقة دافئة مع إيران إلا ان وضعها الخاص الذي يشبهه البعض بأنها تنظر إلى المحيط وتدير ظهرها للخليج، لم يمثل تهديدا لدول مجلس التعاون.
تغير القيادة في قطر
عندما تنازل الأمير حمد بن خليفة عن الحكم لولده وولي عهده الأمير تميم توقع المراقبون تغيرا جوهريا في التحركات القطرية خليجيا وإقليميا، لكن لم يمر على تسنم الأمير الجديد في حزيران/يونيو 2013 سوى تسعة أشهر حتى اشتعلت الأزمة بين قطر والدول الخليجية في اذار/مارس 2014. ويرى العديد من المراقبين ان زيارات الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد إلى الولايات المتحدة التي سبقت زيارة الرئيس ترامب تم خلالها تنسيق المواقف مع إدارة ترامب على التغيرات التي ستحدث في المنطقة، وما موضوع تصريحات الأمير تميم التي أشارت وكالة الأنباء القطرية إلى حدوثها نتيجة قرصنة حصلت إلا المسوغ أو المبرر لإشعال الوضع، فهل تنجح الوساطة الكويتية أو بعض المحاولات الدولية لسحب فتيل الأزمة؟ هذا ما لا أحد يتكهن به الآن.
صادق الطائي