البحرين إلى أين؟
استعداداً للمسيرات التى دعت إليها حركة تمرد البحرين اليوم (14 اب/ اغسطس الجاري) أصدر الملك حمد بن عيسي آل خليفة قبل أسبوع، مرسومين ملكيين عدل بموجبهما منطوق كل من قانون الاجتماعات العامة والمسيرات والتجمعات، وكذا قانون الأحداث.. لأجل تقوية توجهات حكومة البلاد حيال مكافحة الإرهاب، بهدف الحد من موجات التظاهرات التي تتعاقب عليها من حين لآخر من ناحية، وتشديد العقوبات ضد من يستغل صغار السن في تأجيج الأعمال الاحتجاجية والمظاهرات التي تتعرض لها المؤسسات الأمنية من ناحية أخرى.
المتوقع لدينا أن هذين القرارين لن يوقفا المسيرات أو التجمعات، وإن نجحا في الحد من قيام أي شكل من أشكال الاحتجاج السلمي بالقرب من المستشفيات أو المطارات والمجمعات التجارية، وكذا الأماكن ذات الطابع الأمني. لن يوقفا مسيرة الاعتراض على السياسات التي تَحد من الاعتراضات السلمية التي ترى قوى المعارضة أنها واجبة للتعبير الخالي من العنف عن وجهة نظرها في أي أمر من الأمور التي ترى أنها تهم غالبية الشعب البحريني.
كما نتوقع أن يؤدي ربط الموافقة على أي تحركات من هذا النوع، بما في ذلك استعمال المركبات الخاصة والجماعية في تسيير المظاهرات بالحصول على إذن كتابي ‘مسبق’ من رئيس مصلحة الأمن العام، إلى زيادة حدة المواجهة بين الأطراف المعنية، لأن التعديل لم يُعط مساحة كافية من الوقت لكي تضمن القوى السلمية، التي تود التعبير عن رأيها، أن تحصل على الموافقة الأمنية مع توافر كافة الاشتراطات.
ونحن وإن كنا مع توفير الحماية الخاصة للأحداث وعدم الزج بهم في أمور سياسية لا تتوافق مع طبيعة فهمهم للأمور، ومع وقف استغلالهم بأي صورة من الصور حتى على يد أولياء أمورهم، إلا أننا نعترض بشدة على اتخاذ التدابير المنصوص عليها في القانون في ما يتعلق بإلحاق الحدث الذي يتكرر استخدمه بمراكز التدريب المهني أو بالإيداع بإحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ونرى أن تقتصر العقوبة على ولي الأمر، إذ لا ذنب للحدث في ما يتعرض له من إيذاء أو اهدار لطفولته، ولا يصح أخلاقياً ان يعاقب على أمر لم يَتخذ هو فيه قرارا يخصه أو يُسأل عنه قانونياً.
مثل هذه القوانين لن تغير من حق التظاهر السلمي لكافة قطاعات المجتمع البحريني كثيرا.. ولن تثني قوى المعارضة الصادقة عن هدفها.. ولن تتوقف حركات الاحتجاج السلمية عن مشروعية اعتراضاتها المستحقة وفق قوانين حقوق الإنسان وحق التعبير.
ما حدث في البحرين مؤخراً لا يمثل تغييرا إيجابيا في الحراك السياسي لمجتمعها، لأنه لم يعبر عن تجاوب من بيده السلطة لمطالب القوى السياسية في ما يتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي تتواصل المناداة بها منذ أشهر طويلة، واجتمعت من أجلها لجان وانفضت ندوات من دون الوصول إلى جوهر الحقيقة. الغد الذي ينتظره الشعب البحريني هو الاستقرار ومواصلة مسيرة التنمية..
من جانبنا نؤمن بقوة بأن مثل هذه التعديلات لا تسير في هذا الاتجاه لا من قريب ولا من بعيد، بل نقول من الآن انها ستزيد من وتيرة المواجهات وربما توسع من قاعدة الإجراءات العقابية لما جاء فيها من تشديد غير عملي حيال من يدفع إلى استخدام الحدث في التظاهرات والاعتصامات والمسيرات والتجمعات.
شارعا النهضة في تونس..
التحفظ الذي أعلنه مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) بتعليق أعمال الحوار الوطني، الذي يقوم به المجلس إلى أجل غير مسمى، لوقف تعميق الأزمة السياسية التي تمر بها تونس منذ اغتيال المناضلين شكري بلعيد قبل نحو ستة أشهر، ومحمد البراهمي يوم 25 تموز/يوليو الماضي، بهدف فتح حوار وطني يجمع كل الفرقاء السياسيين لإخراج تونس من أزمتها السياسية، لم يلق ما يستحق من اهتمام وتجاوب.
علينا أن ننحي جانباً اختلافات الرأي حول حق ابن جعفر في طرح مبادرته..
لأن البعض رآها غير قانونية ونظر إليها البعض الآخر بمنظور الداعم للشرعية، وقَيمها فريق ثالث بأنها ستطيل الفترة الانتقالية التي كانت ستنتهي بعد وقت قصير حين ينتهي المجلس من مهمة صياغة الدستور التونسي الجديد.
هذا التفاوات يفتح أعيننا على حالة التمزق التي يعيشها الشارع التونسي في هذه الآونة ، فنراها كما يلي، قــوى المعارضة التي شارك مؤيدوها البالغ عددهم 100 ألف تونسي (وفق تقديرات وزارة الداخلية) في احتجاجات يوم 6 اغسطس الجاري، تطالب بإسقاط حكومة علي العريض الانتقالية وحل المجلس التأسيسي والكشف عن قتلة المناضلين السياسيين وتقديمهم للعدالة، واقترحت مؤخراً تشكيل حكومة إنقاذ من مستقلين مشهود لهم بالكفاء والحيادية.
حركة النهضة الإسلامية أعلنت، على لسان زعيمها راشد الغنوشي، أنها على استعداد لفتح حوار مع القوى السياسية ‘بلا شروط مسبقة’، مؤكداً ألا عودة لنقطة الصفر، ووصف مطالب قوى المعارضة بانها ‘ملفات’ تمثل خطا أحمر لا يجب الاقتراب منه.
استدراكا منها للمأزق الذي أحاط بالشارع التونسي وقسمه بين مؤيد لشريعة صناديق الاقتراع، التي لا يجب المساس بها، وبين شرعية الشارع التي تعالت نبرتها بعد التغيرات الجوهرية التي تشهدها مصر بعد الثالث من يوليو، طرحت بعض القوى الشعبية فكرة إجراء استفتاء حول حل المجلس التأسيسي أو الإبقاء عليه، إلا أن غالبية الجبهات السياسية لم ترحب بها، فمن ناحية وصفها راشد الغنوشي بانها تعيد البلاد إلى الوراء، وحذرت قوى سياسية من بينها الجبهة الشعبية المعارضة، من أنها ستطيل الفترة الانتقالية علي حساب المسار الديمقراطي التونسي المتنامي، وأعلنت قوى أخرى أنها تقبل بها شريطة ان تتم تحت إشراف حكومة انقاذ يتم تشكيلها فوراً.
لا بد من الاتفاق على أن ازالة الانسداد السياسي التونسي يحتاج إلى العقلاء والحكماء، حتى لا يقدم المجتمع التونسي على استنساخ نموذج الاحتراب المصري الكئيب.. وأن يتمحور دورهم حول الترتيب لإجراء حوار موسع يستوعب كافة القوى السياسية بلا إقصاء أو تهميش.. وان يتضمن جدول أعماله بندا واحدا هو مصلحة الوطن التونسي وشعبه الطامح لمزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وأن ينعقد في أقرب فرصة ممكنة. يقيني أنه بغير ذلك ، سيظل الغد التونسي المأمول بعيد المنال.
‘ إستشاري إعلامي مقيم في بريطانيا