انتباه. سنصوّر طيور الرخمة !

حجم الخط
0

‘لا يكفي أن تكون مضرّجًا بالجراح لتكون قدّيسا’. تذكرتُ جملة ساراماغو وأنا أطالع تعليقاتِ المتحسرين على مصير الجنود الأشقياء. سأكون كلبًا ابن كلبٍ لو أنّ القناطير المقنطرة من الكتب لم تفد في فتح بصيرتي على خيط القحب في قميص الرثاء الذي يُحاك في شاشاتِ اللابتوب بدم الأشقياء.
أن تندب رجُلا من باب رفع ليراتك العاطفية في سوق المباهاة، أتدري ما الذي يجعل منك هذا؟
مجرّدَ ببغاء أبيض في غابة محروقةٍ.
حسنا. لا أنكر أني تملّيتُ الجنود. تمليتُ فيهم طويلا فلم أجد ما يميّزهم عنا سوى تلك الومضة الغريبة التي تنتمى إلى تقشف شمعةٍ. لا يكفي إذن أن تكون مضرّجًا بالجراح لتدرك أنّ عمود كهرباءِ متبجّح وشمعةٍ متقشفةٍ ما عادا ينتميان إلى حقل الانارة ذاته.
سأكون كلبًا ابن كلبٍ لو أنني كتبتُ ما كتبتُ قبل أن أدخل ثكنة مسجد عيسى صيف 2004 وأركض في ساحاتها جوعانا وظَمْآنا نابحًا رفقة جوعانين ظَمْآنين:
‘الجيش سورٌ للوطن نحميه أيّام المحن’
سأكون كلبًا ابن كلب لو أني كتبتُ ما كتبتُ قبل أن يسبح رأسي في قبعة الجيش كعظمةٍ في صحن حساء فاتر، وتتقرّح قدمي في لهيب الجزمة العسكرية مقاس 44 أنا الذي لا يتعدّى مقاسي 42.
سأكون كلبًا ابن كلبٍ لو أني كتبتُ ما كتبتُ قبل أن أختبر مشاعر الأسى مساء الاثنين 19 أوت 2004. خرجنا يومها، جنودًا جائعين ومفرغين بعد ثلاثة أشهر من التدريب صوب محطة للقطار عائدين إلى أهلنا. في طريقنا إلى محطة بوجعفر مررنا ببحر المدينة، النسيمُ العليلُ والعاهراتُ الملفوفاتُ في بساط الرمل المبلول والفتياتُ ذواتُ العشر سنين اللواتي يدفعن كاهنا محترمًا إلى شدّ خصيتيه واطلاق عقيرته بالنباح.
كطيور رخمة مريضةٍ، وقفنا متجاورين أمام البحر، رؤوسنا الحليقة تسبح في حساء القيظ وأيدينا مشبوكة خلف ظهورنا بينما شفاهنا مزمومة بقسوةٍ خشية أن تفلت دمعة من واحدنا فننهار لها جميعًا. كنّا سخرية المدينة يومَها، أزياؤنا الواسعة التي كنا لا نكفّ عن هزها إلى أعلى ورؤوسنا الحليقة بشكل سيئ، مضافا إليها مخفوق بلاهة يسيح فوقنا من جهة غامضةٍ، كلّ ذلك جعلنا أشبه بأعضاء فرقة موسيقية فاشلة قُذفوا بالطماطم فهربوا إلى البحر.
كنّا سخرية المدينة كلّها. فيلمها الكوميديَ الذي يُذاع مجانا وفي الهواء الطلق.
سأكون كلبًا ابن كلب لو أني كتبتُ ما كتبتُ قبل أن أقول لكم:
الفتياتُ ذواتُ العشر سنين اللواتي ضحكن طويلا من طيور الرخمة المريضة مساء 19 أوت 2004 صرن نساءً. النساءُ اقتنين لابتوباتٍ وتمترسن خلف الشاشاتِ، في الحجراتِ الباردةِ، يندبن طيور رخمةٍ مسرمَنةٍ من الجوع وقلّة النوم، طيور رخمة ذُبحت مساءَ الاثنين 29 جويلية 2013.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية